الحوار المتمدن - موبايل


من أين أتى كل هذا التطرف الى سوريا الحديثة ؟!

كامل عباس

2008 / 6 / 27
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


مشهد أول :
التاريخ : 4/5/1967 . صرح المقدم مصطفى طلاس أن بإمكان الجمهورية العربية المتحدة وسوريا أن تزيل إسرائيل عن الوجود بظرف أربع وعشرين ساعة . وفي الخامس من حزيران قامت الحرب وبدأت حفلات الدبكة في الجامعات والشوارع السورية تفاؤلا بالنصر القريب, وانتهت الحرب بستة أيام , والنتيجة معروفة للجميع .
مشهد ثان:
ولادة تنظيم شيوعي جديد في سوريا عام 1976 , طرح شعار إسقاط السلطة السورية غير عابئ بتوازن القوى على الأرض , ولا بالفرق الهائل بين حجمه وحجم السلطة , ولم يكن يتجاوز مئات الأفراد جلهم طلاب وزوي دخل محدود رومانسيون حالمون في السياسة’ وعندما قامت السلطة بمطاردته وتضيق الخناق عليه وشنت الحملة تلو الحملة من اجل استئصاله , لم تسلم القوى السياسية السورية من انتقاداته اللاذعة لها, وعلى ذمة افتتاحية الراية الحمراء في العدد الثاني والعشرين – لسان حال التنظيم الجديد - فان التاريخ لن يرحم هذه القوى اذا لم تحدد موقفها تجاه القمع الواقع عليه , ومن يسكت عن قمع السلطة له يعد خائنا للثورة – كون التنظيم مركز الثورة - .
مشهد ثالث :
حادثة مجزرة المدفعية في حلب بداية صيف عام 1978 , قام بها ضابط من أبناء الحركة الدينية المتطرفة ’ تلاها حملة اغتيالات فردية في وضح النهار ’ شملت كوادر علمية مشهورة مثل الدكتور يوسف يوسف في حلب – طبيب العيون المشهور , والدكتور محمد الفاضل خبير القانون المعروف .
مشهد رابع :
فصل من مسرحية لا تزال فصولها مستمرة في جامعات سوريا منذ التسعينات وحتى الآن , وبإمكان من يريد ان يتفرج على المسرحية الدخول الى كلية العلوم بجامعة دمشق ومراقبة طالباتها ’ ليرى أن قسما منهن يلبسن جلابيب سوداء من قمة الرأس حتى أخمص القدمين
( منقبات وليس محجبات فقط ) يقابلهن قسم أخرمن الفتيات المتبرجات يلبسن ثيابا شفافة أكثر إثارة من منظر الفتيات العاريات على شط البحر
مشهد خامس :
تقدّم مائة وعشرين نائبا في مجلس الشعب السوري السابق على المجلس الحالي بمشروع قانون محاسبة أمريكا ردا على مشروع الكونغرس الأمريكي – قانون محاسبة سوريا - وما في حدا أحسن من حدا .
مشهد سادس :
الدكتور فيصل قاسم يستضيف في إحدى حلقات الاتجاه المعاكس رياض نعسان أغا- سفيرنا آنذاك في سلطنة عمان - والمفكر السوري المعروف ميشيل كيلو , وقد كانت الحلقة مختلفة عن بقية الحلقات كون المفكرين لا يبدوان متعاكسين , بل يحملان هموما قومية مشتركة ’ والأستاذ ميشيل كيلو عضوا في لجنة تطوير البعث , وقد تم انتقاده من بعض أفراد المعارضة السورية لمشاركته في الاتجاه الغلط . وبعد الحلقة بفترة وجيزة يصبح رياض نعسان آغا وزيرا للثقافة السورية ’ وميشيل كيلو في سجن عدرا داخل مهجع مخصص لعقوبة العاملين في حقل الدعارة
مشهد سابع :
تمكن ائتلاف إعلان دمشق من عقد مجلس وطني موسع في أول كانون الأول عام 1907 يطالب بتغيير سلمي وتدريجي وآمن في سوريا , وقد جاء في البيان الصادر عن المجلس حرفيا
( ونحن اذ ندرك أن عملية التغيير هذه إذ تهدف أيضا الى الحفاظ على الاستقلال الوطني وحمايته , فإنها تحصن البلاد من خطر التدخل العسكري وتقف حاجزا مانعا أمام مشاريع الهيمنة وسياسات الحصار الاقتصادي .... ) وبعد عشرة أيام من انعقاد المجلس , والعالم مشغول بالاحتفال في اليوم العالمي لحقوق الإنسان , و العائلات السورية مشغولة بهموم الأعياد نهاية العام , يساق العديد ممن حضروا الاجتماع الى السجن من بين أطفالهم كما يساق المجرمون العتاة , وتسفر الحملة أخيرا عن إطلاق سراح الغالبية واحتجاز رئيسة المجلس الدكتورة فداء حوراني ورئيس مكتب الأمانة النائب السابق رياض سيف – رغم مرضهما - وعشرة كوادر أخرى حتى الآن .
...................................................................................
سوريا بلد الحضارة والثقافة والتسامح والتعايش السلمي المعروف بين اثنياتها القومية والدينية في الماضي تدخل القرن الواحد والعشرين بهذا التطرف الحاد بين يمين ويسار ! لمعرفة الأسباب ,يحتاج ذلك الى بحوث جادة وموضوعية عديدة ليس غرضها هنا في هذا المقال .
غرض المقال أن يكشف جانبا واحدا يغذي هذا التطرف . لقد أصر أصحاب الرؤوس الحامية في رابطة العمل الشيوعي على ذلك النهج الفروسي في مواجهة حماقات السلطة بحقهم ’ ولم يأبهوا الى صوت العقل داخل وخارج الرابطة , والذي طالب بعض أصحابه الرابطة بالكف عن التعرض الشخصي للرئيس الراحل والإقلاع عن وصفه ذلك الوصف غير الملائم ( رأس النظام ) لما للفرد من دور متميز في التطور الاجتماعي داخل البلدان المتخلفة ولم يستجب أحد لهم ,, والنتيجة كانت اعتقال الأعضاء والمناصرين وكل من يقرأ الراية الحمراء وزج العديد منهم خمسة عشر عاما في السجن , وحتى كتابة هذه السطور لم يتمكن مجرد مدني منهم من العودة الى وظيفته ’ ومازالت عائلاتهم محرومة من كل أنواع الضمان , وحتى بعض الأعضاء الذين انتهت مدة تجريدهم وتقدموا بطلبات قانونية للعودة الى وظائفهم ووافقت رئاسة مجلس الوزراء (مشكورة ) على ذلك , لم يستطع احد منهم العودة الى وظيفته, ربما نكاية بمنظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج المناصرة لهم .
والآن يقوم أصحاب الرؤوس الحامية في السلطة بالفعل نفسه في مواجهة فروسية لدولة مثل أمريكا,واعتبار سوريا ندا لها .
وحتى لايتصيدني احد في الماء العكر أقول : إنني لست مع مشروع الشرق الأوسط الكبير التي تطرحه إدارة أمريكا , وتجب مقاومته بكل السبل لنصنع مشروعنا العربي الخاص بنا , وهذا يعني بصريح العبارة أنني مع الممانعة والمقاومة السورية لهذا المشروع شريطة ان تستند الى سياسة واقعية لا أثر للفروسية فيها , وتنطلق من توازن القوى على الأرض وتعمل على تعديله لمصلحتها بالانفتاح على شعبها وعلى الرأي الآخر وليس بفتح أبواب السجون لكل منتقد او معارض للسياسة الرسمية .
الآن يتذكر الكثير من أبناء الشعب السوري الرئيس الراحل حافظ الأسد بحنكته ودهائه وسياسته الواقعية التي أخرجت سوريا من أزمات مشابهة عصفت بالبلاد قبل هذه الأزمة .
.................................................................
ملاحظة :
نشرت هذا المقال قبل اتفاق الدوحة في موقع النداء فقط تحت اسم مستعار – ميمون الأعصم -
والآن وبعد اتفاق الدوحة أعبد نشره باسمي الصريح , فأنا كما ترون , اتفاق الدوحة عندي محطة تفصل بين زمنين , وقد أحببت ان أضيف اليه السطور التالية .
كتب الأستاذ الغني عن التعريف – عبد الباري عطوان - بمنطق العارف ما يفيد بان صراعا جرى داخل السلطة السورية بين أصحاب المقاومة والمانعة بقيادة فاروق الشرع وبين دعاة التصالح مع أمريكا بقيادة وليد المعلم , وقد حسم الموضوع لصالح المعلم , وجاء بعد ذلك اتفاق الدوحة والمفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل .
أما التناقض في المقال فهو تأكيده بان الموضوع قد حسم , ومناشدته للقيادة السورية أن تعود الى الممانعة ولا تترك المقاومين الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين أيتام ’ والقراءة بين السطور تعني ان عطوان متأكد من ان الموضوع لم يحسم كليا وقد يكون ذلك مناورة جديدة تجيدها القيادة السورية .
بالنسبة لي أرى بموقف القيادة السورة الجديد بداية انتصار للغة العقل على لغة التطرف , وفهم جديد للعمل السياسي يأخذ بعين الاعتبار توازن القوى ,ولكنه لا يكتمل الا بالانفتاح على المجتمع في الداخل . والمستقبل سيكشف ان كان ذلك نهجا جديدا أم مناورة سياسية .
بكل الأحوال أرى ان الدكتور برهان غليون قدّم رؤية متكاملة لتصليب الموقف السوري ودعم مفاوضاته مع اسرائيل , عرضها في برنامج الحدث على شاشة LBC اللبنانية
كامل عباس – اللاذقية











التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. برنامج للزراعة العضوية ينقذ أراضي ولاية أندرا براديش الهندية


.. فرنسا.. زهرة الكاميليا البيضاء تساعد على مكافحة الشيخوخة!!


.. رسائل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جنازة الرئيس التشادي




.. الهند تسجل زيادة قياسية عالمية بعدد إصابات كورونا.. ما السبب


.. ما هي قصة شارع القلعة في أربيل؟