الحوار المتمدن - موبايل


ثقافة البيئة في سوريا بين العلم والأيديولوجيا

كامل عباس

2008 / 7 / 8
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر


قضيت صيف عام 1999 عاملا في (ندوة ) مطعم التنور , ومطعم التنور كان آنذاك منشأة سياحية مهمة ليس في صلنفة فقط بل وفي الشرق الأوسط كله ’ يطلق عليه أهل القرية التي تحتضنه – قرية لقمانة - ( مزراب الذهب ) لأن غلته نادرا ما تقل عن المليون يوم الجمعة طيلة الموسم , وجميعهم يعملون فيه او بجانبه , وفي ذلك الصيف جرت الحادثة التالية التي لن أنساها ما حييت .
بعد انتهاء الامتحانات المدرسية , عصر يوم الخميس الأخير من شهر تموز , تجول صاحب المطعم بين الأقسام كعادته مساء كل خميس, من اجل التحضير ليوم الجمعة ’ واستقر به المقام في الندوة يستمع الى المطالب والاقتراحات ويراقب من نافذتها سير الحركة , وقد تمكنت وأنا أغسل كاسات الشاي , من التقاط الحديث الذي دار بينه وبين احد عماله القديرين , وهو رئيس قسم و(كرسون )أيضا , طلب الكرسون من المعلم إكرامية خاصة له قدرها 5% عن كل ما يزيد عن المليون غدا , كي يتشجع ويشرف على تلاال البندورة والخس والبقدونس ويوزعها بشكل جيد , وقد وعده معلمه بذلك .
تشاء الصدف في اليوم التالي أن تمطر الدنيا بغزارة ’ لتشكل سيول تجرف معها كرسون البارحة وفراشه - وقد ساعدها على ذلك عدم قدرته على الاستيقاظ من شدة الإنهاك - وان تذهب تلال الخضار والفواكه مع المطر,لتصبح غلة المطعم نهاية ذلك اليوم (صفرا مكعبا ) .
انشغل أهل القرية بالحادثة أياما بلياليها , وقد أجمع كبارها على القول : ان الله اذا غضب على قوم جعل صيفهم شتاءهم . ولذلك على صاحب المطعم ان يبادر لدفع غضب الله عن مطعمه ’ وقد استجاب لتوسلاتهم سريعا فأولم وليمة كبرى على جبل النبي متى , شهدت أكثر من ذبيحة وأكثر من زكاة وأكثر من صلاة غفران , ولكن قسما من شباب القرية رأوا في ذلك عملا لن يعصم المطعم مستقبلا من حوادث دراماتيكية مشابهة ’ بل علينا ان نجد لها تفسيرا في تغير أحوال المناخ ’ وكتاب الله تعالى لابد ان يساعدنا على هذا التفسير اذا أمعنا فيه جيدا’ وكما اخبرنا الله تعالى عن وسائل الاتصال الحديثة قبل ان يخترعوا المذياع بقوله ( يأتيكم التناوش من مكان بعيد ) فلا بد ان يكون فيه إخبار عن الأرصاد الجوية . أما القسم الآخر المتأثر بدعاية الشبيبة السلطوية , فقد رأى في تلك الحادثة تغيرا مناخيا سببه تلوث البيئة من قبل الشركات الاحتكارية التي تديرها الامبريالية الأمريكية والصهيونية ,وبالتالي يجب تشديد النضال ضدها .
وأنا الآخر شغلتني تلك الحادثة وما تلاها , وأمطرت في مخيلتي آلاف الأسئلة التي يمكن تصنيفها في محورين .
المحور الأول : يتعلق بمحاولة التوفيق بين العلم والإيمان في مناهجنا التربوية وجامعاتنا , وهي مشكلة عويصة جدا ما تزال كثيرا من الدول المشابهة لنا مثل مصر تعاني منها , على سبيل المثال لا الحصر قضية الخلق ورؤية الدين والعلم لهذا الموضوع , ومحاولة التوفيق بين الرؤيتين في المناهج التربوية .
كل الأديان السماوية تنظر للخلق بوصفه صفة من صفات الخالق , , ولكل دين روايته التاريخية للخلق , اما من يقول بنظرية التطور والارتقاء في هذه البلدان فهو كافر ملحد ’ يطاله القانون بوصفه قدحا بالذات الإلهية .
لكن العلم ينظر للخلق نظرة علمية تأخذ بقانون التطور ونتاجه الموضوعي الوعي ( الذي اختص به الانسان ) كثمرة ونتاج لهذا التطور .
لا تجرؤ مدارسنا حتى هذه اللحظة على عرض مشكلة الخلق من وجهة نظر الدين ومن وجهة نظر العلم بشكل محايد ومستقل وبوار بعضهما ’ ولذلك تخلط الدولة والقوى السياسية المتاجرة بالدين بين الرؤيتين حتى في مسائل علمية بحتة مثل مسألة البيئة – موضوع بحثنا – والمثال التالي يكاد يكون نموذجيا وبالغ الدلالة . كتب الدكتور والباحث السوري محمد وليد كامل مقالا عن البيئة بروح علمية وبجهد يستحق الشكر الجزيل عليه , تحت عنوان – المناخ يدافع عن توازنه – نشر في مجلة العربي عدد 428 , تموز 1994 , ومما جاء فيه (( ان تميز سلوك جو الأرض بدورية عناصر المناخ من حرارة ورطوبة وضغط وغيم وسطوح , تجعل التنبؤ ممكنا دون المعرفة المفصلة لقوانين التطور ’ ولكن صفة عم الدورية لسلوك الجو الأرضي تجعل التنبؤ اعتباطيا ,ومثل ذلك هجرة مراكز العمل الجوي :أعاصير وأعاصير مضادة : فوق المحيطات والقارات ))
ولكنه أنهى بحثه العلمي على الشكل التالي .
أحاول ان افهم العلاقة في قوله تعالى داخل سورة الشمس ( والشمس وضحاها , والقمر اذا تلاها , والليل اذا يغشاها , والسماء وما بناها, والأرض وما طحاها ) !!!!!!!!!
المحور الثاني : يتعلق بعلم البيئة كفرع مستقل من فروع العلم وتشعباته الواسعة في عصرنا الحالي ,وعلم البيئة اذا صح التعبير يحتاج من جهة الى متخصصين علميين وجامعات ومعاهد علمية تحتاج بدورها الى احدث الأجهزة وأمهر العقول للتخصص , والى ثقافة شعبية بيئية من جهة أخرى , ولا بد من تضافر العاملين في كل بلد من اجل اتقاء شر المشاكل البيئية ,
يهمني هنا الثقافة الشعبية البيئية, كأحد أهم الوسائل التي تجعل بيئتنا نظيفة وقليلة التلوث , والتي يتفوق فيها الإنساني على الطبقي على قاعدة أننا جميعا نبحر في مركب وسط أمواج عاتية ’ وأن مصلحتنا جميعا اذا تدفقت مياه الى داخل المركب من خلال ثقب صغير ان نحاول سد ذلك الثقب كي لا نغرق جميعا بالنهاية .
لكن دعاة تغليب الطبقي على الإنساني , والذين يريدون النفخ في شرارات الصراع الطبقي ليجعلوا منها حريقا هائلا يحرق الشركات الرأسمالية الاحتكارية التي تلوث البيئة ’ يعقدون الأمر في المواضيع البيئية بوعي او بدون وعي – سيان -
لا يرى مناهضوا العولمة أي أثر ايجابي للنظام العالمي الجديد في كل المجالات ومنها المجال البيئي ’ فعم يشددون على الطابع الاستغلالي الكثيف للرأسمال المتوحش , وما يسبب من تلوث للبيئة, ويصورون الأمر, وكأننا اقتربنا من يوم القيامة بسبب ذوبان جليد القطبين وثقب الاوزون , والاحتباس الحراري وما الى ذلك من تلوث للهواء والماء بسبب ميل الرأسمال العولمي الحالي نحو زيادة الربح غير عابئ بالمستقبل .
حتى النظرة العلمية لمشاكل بيئتنا حجبتها عنهم نظرتهم الأيديولوجية الضيقة , وكأن ما نعاني منه كبشر من تغيرات في المناخ ومن أعاصير وزلازل , لا أثر فيها لعلاقة الأرض بالشمس وباقي الأجرام الفلكية , واننا لم نشهد سابقا عصور جليدية وتغيرات مناخية كان سببها دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ضمن نظام فلكي مسؤل بالدرجة الأولى عن هذه التغيرات , وكان الأرض عندهم توقفت عن الدوران .
هكذا تحجبهم الايديولوجيا عن أي رؤية ايجابية للنظام العالمي الجديد وحضارة الإنسان فيه , ودورها في تخفيف معاناة الانسان مع المشاكل البيئية, ولذلك قابلوا ويقابلون المؤتمرات والندوات العالمية التي تبحث مشاكل البيئة بجدية مثل ( المؤتمرات التي عقدت في استوكهلم عام 1972 وتبليسي عام 1977 وتونس عام 1986 وقمة الارص في ريو عام 199وجوهانسبورك 2002 ) قابلوها جميعا بالمظاهرات والشعارات الداعية للنضال ضد الامبرالية والصهيونية .
يجد هؤلاء امتدادهم في سوريا برافعي شعار المقاومة والممانعة , وها أنا استشهد بما كتبه الاستاذ سليم عبود عضو مجس الشعب والمناضل العنيد ضد مخططات الامبريالية والصهيونية ’
كتب الأستاذ سليم في زاوية - وقال البحر - تحت عنوان – وزير الادارة المحلية والبيئة في حوار – ونشر المقال في جريدة الوحدة يوم الأحد :22/6/2008 ما يلي
(( ان الوضع البيئي ليس في خير , وان جرس الإنذار يدق في كل المدن والقرى السورية , فليس ثمة واد أو نهر أو بحيرة أو سد أو شاطئ بحر لم يلوث ’ والتلوث في تزايد كبير وسريع , وكما أشرت يا سيادة الوزير إن بعض النعم تحولت الى نقمة ’ وهذا اعتراف يتطلب العمل السريع , لماذا ترك المعامل حول المدن وأنت تدرك مخاطر هذه المعامل على البيئة وعلى التنظيم العمراني ’ اذ تقام مدن على هوامش المدن القائمة نتيجة الهجرة من الريف الى المدن التي تضم فرص العمل في مجالات كثيرة .
مدننا تقدم للزائر فورا وجهها الملوث .... ))
يفهم من هذا الكلام ببساطة وكأن التلوث مشكلة سورية , في حين تكاد تكون كل الدول المجاورة أسوا من سوريا في هذا المجال , أو على الأقل ’مشكلة التلوث مشكلة نظام عالمي أوصلنا اليه التطور الاجتماعي وليس مشكلة خاصة ببلدنا وحدها .
اعترف ان للإنسان حتى الآن دورا سلبيا في التوازن البيئي , في حين كان من المفروض ان يكون له دورا ايجابيا في ذلك , ولكن الموضوع ليس بهذه البساطة’ وسأحاول ان أعرضها في سلسلة مقالات أطمح ان تكون علمية لا دور للأيديولوجيا والإيمان فيها , , وسأحاول ان اجعل السلسلة تتناول ثلاثة محاور رئيسية .
- البيئة والأحياء قبل الإنسان .
- البيئة والإنسان في الماضي والحاضر .
- البيئة والإنسان في المستقبل .
بالطبع أريد من هذه السلسلة مراكمة ثقافة شعبية بيئية على قاعدة ( الإنسان من كونه انسان ) وانه سيموت بالنهاية , ولن تشفع له ثروته وجاهه ونفوذه حين يحين أجله ’ وسيجد نفسه من التراب الى التراب مثل باقي إخوته في الإنسانية ’ وقبل أن أبدأ السلسلة أحببت ان أتقدم للقراء الأعزاء الذين يتابعونني بالملاحظات التالية :
1- ان كتابتي بلغة علمية لا تعني أنني املك الحقيقة في ذلك ’ بل أنا مجتهد على أرضية علمية .
2- هذا لايعني أنني أقلل من دور المؤمنين بكافة فروعهم في المساعدة من اجل الوصول الى توازن بيئي أفضل من التوازن القائم , وإنني وان اختلفت معهم في الوسيلة , ورأيت ان استراتيجيتهم تعتمد على لغة القلب بدلا من العقل , لكنني حقيقة احترم هذه الرؤيا واجد بالايمان طاقة كبيرة يمكن ان تساعدنا في تخفيف مشاكلنا البيئية إذا أحسنا التعامل مع المتدينين , واطمح من خلال كتابتي ان أمهد لعلاقة احترام وتجاور بين رؤية العلمانيين للبيئة والتطور, وبين رؤية المؤمنين , كفانا صراعا واستغلالا لقوانين ومؤسسات وسلطة بلداننا من اجل تأجيج الصراع بين الجهتين .
حان الوقت لكي نفتش على ما هو مشترك بيننا وهو الانسان وسعادته على هذا اكوكب بدلا من المهاترات التي سادت في الماضي.
3- أي ملاحظات او اقتراحات او نقد او طلب تعديل في السلسلة أرحب به من القارئ الكريم , واعد بالتفاعل البناء معه .
كامل عباس - اللاذقية - 5/7/2008









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تصاعد التوتر مع الغرب على خلفية قضيتي نافالني وأوكرانيا


.. إيران: نفاوض من أجل العالم! وإيران والسعودية..هل من حوار؟ |


.. لحماية صحتك النفسية.. انستغرام يخطط لوقف عداد الإعجابات | #م




.. حادثة قطار طوخ: مطالب بإقالة وزير النقل المصري


.. أسد يقتل صاحبه في السعودية ومطالب بمصادرة الحيوانات المفترسة