الحوار المتمدن - موبايل


انطباعات حسية تقاوم العدم .. قراءة في نصوص منى وفيق

محمد سمير عبد السلام

2008 / 8 / 31
الادب والفن


في نصوصها " فانيليا سمراء " - عن دار أزمنة بالأردن 2008 – تعيد منى وفيق اكتشاف الذات ، و الموت ، و العالم انطلاقا من الرصد الجزئي للتكوينات المبدعة المنتجة من تفاعل المادة الكونية ، و اللغة ، و الانفعالات الأنثوية ، و الحواس ؛ هذه التكوينات تحمل بداخلها تجددا خفيا للحياة من خلال الآثار و الانطباعات الاستعارية المتعددة ، التي تؤول من خلالها المتكلمة وجودها ، و وعيها بالموت ، و تاريخها المختلط بالصوت الشعري الأنثوي الذي ينقل نفسه في الصور المجازية للحياة ؛ و من ثم فهذا الصوت الأنثوي يقاوم وعيه الحاد بالموت من خلال رشاقة الصور المتنوعة التي يتوحد بها ؛ ليصير تناثرها عودة تتجاوز الصوت الأول الذي يحمل قلق الموت ، و تسهم في انتشاره المقاوم لكل المعاني المركزية التي ارتبطت بذاكرته من قبل .
إن منى وفيق تكتب بطلتها المجازية بعيدا عن الإحالة الدائمة لضمير المتكلم ، أو الغائب ؛ فهي تدرك الحضور من خلال الانفعالات المتغيرة السريعة التي لا نجد فيها ثباتا لمفهومي الحياة ، و الموت .
في كتابة منى وفيق إحساس عميق بتحول الحضارة الإنسانية نحو مزيد من السلب ، و البزوغ السريع للظواهر التي تستعصي على التحليل ؛ و من ثم جاءت كتابتها راصدة للأنا في هذه الحالات ، و المشاهد الحسية الشاعرية .
في نص " خردة " تترك المتكلمة مجموعة من الصور ، و الأشياء ، و الآثار ، و الانفعالات ، و الأفعال تتحدث بصوتها المتناثر ؛ فالخوف يكمن في الاحتفال بالحياة ، و يحولها إلى تكوينات منفصلة تفتقد الصوت الأول ، و لكنها تظل تخبرنا أن الساردة كانت هنا ، و تحدثت على الماسينجر ، و شاهدت فيلما ، و تذكرت أباها ، و صديقتها الراحلة .
مازالت الخردة تحاول بعث الصوت ؛ لتخفف من حدة الموت ، أو الوعي بالموت ؛ فالحياة مازالت تعمل في الصورة حال تفاعلها مع الانطباعات ، و الأفعال الأخرى في المشهد ، تلك التي تستعصي على التحديد الصارم .
و في نص " هرطقات عيد الحب " تستعير الساردة سخرية شارلي شابلن الممزوجة بالقتامة ، في عيد الحب ؛ لتكشف عن تداخل البهجة ، و الأفول معا ؛ فالسخرية من الحب تكمن في حدوثه ، بل اكتماله الزائف .
إن النص يسخر من تجريد الحب ، و مركزيته كموضوع لإدراك العالم من وجهة نظر المرأة ، و قد كشفت الساردة عن فاعلية الأخيلة الأنثوية في إنتاج الحب ، و السخرية منه من خلال الارتكاز على عملية اتحاد جسدي مضادة لمدلوله الأول ، فنرى شارلي شابلن المتخيل يصنع من قلبها حذاء ، و يلصق شاربا على وجهها ، و يضرب مؤخرة قلبها بعصاه .
هكذا تحولت علامات العشق إلى سخرية منه ، بينما يظل طيفا ناقصا ، يذكرنا بحدة مشاعر البهجة التي تحولت إلى انفعال مختلط بالظلمة .
و في نص " كانت ريحا " نلمح البزوغ السريع المتخيل للذات دون الإشارة الواضحة إليها ، و كأنها تفر من التحديد ، و من ثم البدايات ، أو النهايات الحاسمة ، الريح في النص ليست صوتا ، و لكنها اختفاء الصوت الذي يمثله ، في الأخيلة ، و الانفعالات السريعة .
تقول :
" الريح التي تعرت بين شارعين / غادرتهما على عجل / و هي تتثاءب / الريح التي صبت جم إفلاسها على اللغة / اكتفت بالبسملة و بعض السباب / .. الريح التي تفر من الصوت / تجرحه و تجرحني " .
هل كانت تجليات الريح انطباعات حول الذات ، تحاول استبدالها ؟ أم أنها قوة التمرد على الحدود ، و قد اتحدت باللاوعي ، و الأخيلة الكونية ، و الأسطورة ؟
هل يطمح البزوغ السريع الممثل للصوت في غيابه أن يملك إحساسا بالخلود ؟
إن منى وفيق تستشرف مستقبل المتكلمة من خلال تخييل الصوت في زمن دائري يتجاوز حدود الهوية الأحادية .
و في نص " السينما هذا الأسبوع " تستعيد منى وفيق تضاعف الصور المتخيلة في فن السينما ، في إنتاج إيحاءات متداخلة ، و مجزأة في الحياة ، و كأن هذه الإيحاءات الحسية التصويرية تؤكد الوجود في حالة التناثر التي تحمل أثر الغياب ، و قلق الموت ، و النشوء الجديد المتكرر ذي الأصوات العديدة ، و تقترح المتكلمة أن يكون المشاهد فوق عمر النطفة ، فهي تستنبت الحياة من خلال هذا التناثر الطيفي ، و صخب العلامات ، و الأسئلة حول هذا الوجود الذي صار مجموعة انطباعات حسية تنتظر الأفول ، و العودة دون نهاية مثل فن السينما .
و في نص " حمحمة " تكمن فاعلية القصيدة في نسيج الحياة اليومية بما فيها من مشاهد ، و أصوات ، و أشياء ، و ألوان ؛ فالهراوات لها صهيل ، و تقترن بأحاسيس التمرد ، و فتاة الغلاف تقترن قناعتها بالعطش ، و الشاعر يبدع حمحمة القصيدة .
إن هذا النص – مثل بقية نصوص المجموعة – يقاوم السكون المطلق ، و يتحد بالعوالم المجزأة التي تحتفي بالحياة من خلال غيابها في الصمت ، و الحكي معا .
و في نص " هروب أول أبريل " يكتسب الصوت الأنثوي فرديته من خلال الإيحاءات ، و الانفعالات ، و الأدب ، و الأساطير ، فهو يؤكد القلق من الحب المجرد ، و الحياة المجردة ؛ فالحب ممزوج فيه بالسلب ، و الفقدان ، و لكنه يتحد بأخيلة الأنوثة غير المرئية في الآخر ، ربما للهروب من التفاعل بين الأنا ، و الآخر في اتجاه ذوبان أخيلة الأنا بالانطباعات حول الآخر ؛ تلك التي تشكل حياته الخفية ، و تناثره المقاوم لكلية الوجود أو العدم .

محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا يعني التنازل عن الملكية الفكرية للقاحات كورونا؟


.. شاهد: مظاهرات بالشموع والموسيقى احتجاجا على الأوضاع الاقتصاد


.. سر العلقة الساخنة من تحية كاريوكا للفنانة رجاء الجداوى مع ال




.. الرجل الأول في فيلم الرجل الثاني.. لواء الشرطة الذي أغرته ال


.. هاجر ومحمود اتحدوا النار والحروق بالحب.. حكايتهم أقوى من أفل