الحوار المتمدن - موبايل


محمود درويش/ شاعر بامتياز الرؤساء

علي حسن الفواز

2008 / 9 / 11
الادب والفن


كل ما في محمود درويش لايوحي بالرثاء الذي يقترحه الموت دائما، كان يناور هذا الموت كثيرا، يبادله الشكوك والضحك والجنون احيانا، هو لا يكتفي بممارسة طقوس التسمية والهتاف فقط للهروب من غواية الموت، كان يقترح نفسه دائما بصفته الشاعر المحتشد بالاشياء حدّ السيولة. قصيدته تخرج عن حضرة الغياب الى توهج الحضور، تطلق العنان للصوت لان يكون مبشرا، ومؤذنا ومناديا، ومغامرا ومعدا للبسالة كما يقول..
ما يوحي في درويش ايضا انه يشبه الرؤساء(الرؤساء يكرهون الموت دائما)، فهو رئيس شعري، مثلما هو رئيس ثوري، وربما هو رئيس تبشيري، له اناقة الملاّك الذين يشبهون برلسكوني، وله صفات اصحاب الوصايا الذين يشبهون الرئيس ميتران، وله كذلك مزاج رؤساء طرق المتصوفة الذين يحملون الوطن والمرأة والقصيدة والاحتجاج تحت جلد واحد.
وحين مات درويش اصيب الكثيرون بالفزع، لان الذي مات فيهم هو الرئيس العمومي بكل ما يعنيه من كارزمات واوهام وفخاخ ووصايا رسولية. موته باغت الجميع بسرعة، كاشفا امامهم شروطه القاسية وفقداناته المفجعة، ملوحا لهم بسيرة الجنازات المؤجلة، وربما كان محرضا لهم على عدم الاطمئنان كثيرا، لان الحروب/حروبه القابلة، والجنازات القادمة ستصطاد اية نرجسة للخلود، اذ لاخلود لهم الاّ في ما يتركونه في الاثر..
رئاسة درويش الشعرية طوال اربعين عاما كانت نوعا من السطوة الاليفة، سطوة في الثورة وسطوة في المدينة وسطوة في الوزارة والسجن وسطوة في الاغتراب. الاخرون الامبرياليون واليساريون واليمينيون والقوميون واصحاب الاسلام السياسي وربما(الصهاينة) ذاتهم لم يتحسسوا من فلسطينيته او عروبته، او اغترابه او هويته، كانوا يخافونه تماما لانه(نص) يمشي، نص يؤكد تاريخ الموجودات والقبائل والسلالات، نص يعرف ان الفينيقين والكنعانيين والاراميين كانوا هنا، رعبهم من درويش الشعري ودرويش النصوصي جعلهم ينظرون اليه على انه جزء من مجرة كونية اخرى(لايدركها العرب الان للاسف، ولا يوظفوهل للحرب قدر توظيفها للفرجة)، مجرة تطفو في سديم اخر، مجرة فيها من المقدس والارضي والرئاسي ما يجعله يمرّ امام الاخرين دون اسئلة او دون تفتيش او بصمات العين او الصورة او حتى الاسئلة التي يحفظها موظفو كل مطارات الدنيا..هو لم يخاصم احدا على توزيع الحصص الشعرية او الوطنية او حتى امتيازات الكرسي الذهبي، ولم يخرج للناس شاهرا رجاله المدججين بالاكاذيب والاوهام، كل ما كان يفعله درويش هو امتياز اللعب الشمولي، هو نبوءة العارف الذي يستبطن الكلام،
مثلما سار المسيح على البحيرة،
سرت في رؤياي، ولكنني نزلت عن
الصليب لأنني أخشى العلو، ولا
أبشر بالقيامة. لم أغير غير
.
القصيدة تتحول بين يديه الى نوع من السر المكشوف، مثلما هي نوع من الميكانو الذي يعيد ترتيبها كما الاولاد الذين تجتاحتهم دائما غواية العبث والتخريب، تلك القصيدة تصلح فعلا للغواية، غواية العابرين والعابرات، غواية الحالمين بالقطارات والخروج عن استعارة الممرات الاجبارية للحلم..
قال صديقي الشاعر ماهر شرف الدين(حين سمعت خبر موته، كان هناك مزيج غير مفهوم من المشاعر التي التبست بين تصديق الخبر وتكذيبه، وما لبث ان ورد خبر اخر على الشاشات يقول ان درويش لم يمت وانه في حالة حرجة، الاّ اني لم اجرؤ على الرهان بانه سينجو لاني دائما كنت على يقين بان الموت ينتصر على الشعر، وان المعركة عبثية ولا جدوى منها، لان الموت يفوز دائما، ولان الشعراء يلهون بموتهم منذ الكلمة الاولى)
هذا القول يؤكد خصوصية درويش واستثنائيته، لان صنّاع الرسائل الاعلامية والمخبرون لم يصدقوا خبر موته، او ان فكرة موته لاطعم فيها، ولا حتى سبق صحفي فيه، اذ ان السبق هو ان يكتب درويش قصيدة جديدة. موته الاعلامي لايعني شيئا، او ربما هو خبر يشبه الاف الاخبار التي تبثها الفضائيات العربية كل لحظة عن الموت العربي او الموت الافريقي والاسيوي..
ماهر شرف الدين اراد ان يخالف البداهات الاعلامية وان يقول كلاما فيه الكثير من اليأس والمرارة، اراد ان يقول شيئا لايشبه الرثاء، لكنه يمنحني الاحساس بان موت درويش كان تعبيرا عن فصاحة الموت ازاء كل تشوشنا الشعري وقلقنا في التعاطي معه والشك في حضوره ورعبه، لذلك فان الشعر لاينقذنا منه، ولا يمنحنا اطمئنانا ولو مغشوشا، حيث اننا قدريون جدا، ونظرتنا للموت تشبه النظر الى المرآة، اذ هو يمارس السكنى دائما معنا.

الآن، في المنفى... نعم في البيت،
في الستين من عمر سريع
يوقدون الشمع لك
فافرح، بأقصى ما استطعت من الهدوء،
لأن موتاً طائشاً ضلّ الطريق إليك
من فرط الزحام... وأجّلك

لقد استغور محمود درويش في قصائده الاخيرة الموت بكل تفاصيله، كان يراقب الموتي الذي يخرجون من حوله، لايرثيهم، كان يقاربهم بالفزع، لانه يدرك ان الموتى متشابهون، لكنهم يتبادلون بالامكنة والمواقيت فقط، ربما كان يرثي نفسه، تلك التي هامت وغامت وسالت، لكنها ظلت محاصرة بالخسرنات الكبيرة، تلك التي لم يعترف بها، لان لغته ليست لغة اعتراف ابدا، انها لغة سطوة وحياة وقوة، تترك صاحبها بعد نوبة القراءة مصابا بالحياة تماما


فالموتى سواسية أمام الموت.. لا يتكلمون
وربما لا يحلمون...
وقد تكون جنازة الشخص الغريب جنازتي
لكن أمراً إلهياً يؤجلها
لأسباب عديدة
من بينها خطأ كبير في القصيدة!


قال البعض ان موت درويش يشبه موت المتنبي، موت ما بعده الاّ الصدمة، صدمة ان تفقد رمزا او سقفا او كتابا او ظلا، كل ما في درويش كان يشبه هؤلاء، لكن الموت لايشبه المنفى، الموت ينتهك الجسد، والمنفى يعيد تبسيطه، الموت يمنحه اطمئنان المكوث عند اشيائه القديمة، المنفى يضعه عند آفة القلق، قلق التبدل والاكاذيب والخيانات والتواطء..
الرئيس محمود درويش مات من فرط الموت الذي حاصره، ربما هنا يشبه الرئيس المتنبي، كلاهما كانا يقفان عند حافة قلق الموت واسئلته وسلطته ومريديه. المنفى كان جزء من لعبة الموت، جزء من كوميدياه الطويلة التي طالما حرضته على الضحك الدامي.. ظل يكتب بهوس ليتشهى الحياة بعمق، وليقاوم فكرة الموت ذاته، وليس المنفى، وحين لم يكمل لعبة الاطمئنان ذهب الى الموت وحيدا ربما ليتخلص من هذا الرعب العميق الذي تركه عند الغابة وحيدا، وعند العالم (رغم اكتظاظه) بالوحدة الفاجعة. كان يستحضر الموت مثلما كان يستحضر العابه القديمة، كا يناديه من فرط الفزع العميق، ولعل هروبه باتجاه القصيدة الهامسة، قصيدة الذات، القصيدة بصوتها المخبوء بالمرارة دليل على هذا التحول الوجودي(قبل الشعري في تجربة درويش..


أيّها الموت انتظرني خارج الأرض ـ
انتظرني في بلادك ريثما أنهي ـ
حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي ـ
قرب خيمتك...










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الشاعر الفلسطيني الراحل عز الدين مناصرة شخصية الأسبوع


.. الفنانة اللبنانية يارا تتألق في حفل افتراضي استثنائي


.. كلمة أخيرة - الفقرة الثالثة - لقاء حاص مع الكاتب والأديب يو




.. حولوا المنطقة لفيلم كارتون.. بوجي وطمطم وبكار يسيطروا على حد


.. كلمة أخيرة - الفقرة الثالثة - لقاء حاص مع الكاتب والأديب يو