الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


منطق -العاهرة المستجدّة- كأداة للتبرير السياسي

صائب خليل

2008 / 10 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


ليس المقصود من هذه المقالة إهانة أحد رغم أنها لا تخلو من قسوة التعابير الضرورية برأيي للوضوح. إنها تهدف إلى مراجعة منطقنا في التفكير والتوصل الى النتائج، خاصة في الجانب السياسي ولكن ليس قصراً عليه. وبدءا ًأؤكد أن استخدام شخص لمنطق آخر في موضوع ما، لا يعني أن المستخدم صار مثل ذلك الآخر. فكما أن استخدامنا لمنطق الملوك لايجعلنا بحد ذاته ملوكاً، فإن أستخدام منطق الدكتاتور لا يكفي ليجعلنا دكتاتوريين، ولذا فإن القول باستخدام "منطق العاهرة" كما سأصفه فيما يلي، لا يعني اتهاماً بالعهر، وهو بالتالي ليس شتيمة كما قد تبدو.
ومع ذلك فإن استخدام منطق يميز شخصاً ما يقربنا خطوة منه، فالتفكير بمنطق الدكتاتوريين، يكسبنا صفة من صفاتهم، وهذا ما يعطي الإنتباه لمثل ذلك الإكتشاف أهميته وضرورة مراجعة ذلك المنطق للإطمئنان على سلامته، وجميعنا بلا استثناء نعاني من اختلالات في المنطق هنا وهناك وخير من ينبه اليها هم الآخرون.

تخيلوا امرأة تدفعها رغبة شديدة لإمتهان العهر، بسبب الفقر أو نوع الحياة التي تتوقعها أو أي سبب آخر. لكنها تواجه عائقاً أخلاقياً داخلياً واجتماعياً صعباً. فالمجتمع يرفض ذلك, وفي داخلها أيضاً اعتراض مايزال قويا ومخاوف لها اسبابها المنطقية.
وحين تعجز عن تبرير رغبتها الشديدة لنفسها وللآخرين بالمنطق والمحاججة لأن المنطق والمحاججة قد يكون في الجانب الآخر، عندها، تتخلص هذه المرأة من المشكلة بضربة واحدة فتقول لنفسها ولمن يعترض: "وهل أنا أول من يفعل ذلك؟"..."ألم تسر فلانة وفلانة في نفس الطريق؟"..ما هذا النفاق؟ لماذا لم تعترضوا على فلانة عندما فعلتها؟"..."لماذا هو من حق فلانة وليس من حقي؟"

لاحظوا أن بعض الأسئلة معقولة: فهناك نفاق في عدم محاسبة آخرين إن كان قد حدث بالفعل. لكن هذا وإن كان يدعو بحق إلى محاسبة هؤلاء الآخرين، فإنه لا يخدم كمبرر لتكرار فعلتهم!

هكذا لن يكون هناك نقاش عن صحة القرار وانسجامه مع ما هو متفق عليه أو ما تؤمن به "المرشحة للمهنة" نفسها، ويتحول أي "مثال" أمامها بمراوغة منطقية إلى "حجة" و "سبب"، ويتحول أي نقص في انتقاد أو معارضة آخرين لجأوا إلى القرار نفسه، أو فشل الآخرون في منعهم عنه إلى "نفاق" يضع مصداقية المعترضين موضع الشك، ويتحول التراجع إلى "حق" يجب الدفاع عنه!

إستخدم "منطق العاهرة المستجدة" هذا في الدفاع عن كل ما يعسر الدفاع عنه بالمحاججة. إنه المنطق الأكثر انتشاراً للدفاع عن إقامة علاقات مع إسرائيل واستخدم كثيراً لتبرير مصافحة هوشيار زيباري لسليفان شالوم ومصافحة الطالباني لباراك وزيارة مثال لإسرائيل وتأييد عقد معاهدة عسكرية مقلقة بين العراق وأميركا، واستخدم قبل ذلك كثيراً لتبرير خصخصة المصالح الوطنية في مختلف البلدان واستخدمه المدافعون عن عقود مشاركة الإنتاج النفطية، وكذلك استخدم لتأييد إقرار حرية السوق، وأمور كثيرة أخرى ما تزال تزداد، فهو الملجأ الأخير حين يعجز المنطق عن الدفاع عن ما يرغب به المرء.

الدفاع عن القواعد الأمريكية
كمثال واضح نبدأ به، لنأخذ ما قاله شاكر النابلسي: "العراق لن يكون أول دولة عربية تسمح بإقامة قواعد عسكرية أمريكية والخليج العربي مليء بالقواعد العسكرية الأمريكية. ومياه الخليج تعجُّ بحاملات الطائرات الأمريكية".
وبنفس الطريقة يتهرب جوزيف شلال: "لن نتحدث الان عن التواجد الغربي والاجنبي والامريكي خاصة في منطقة الشرق العربي ودول اخرى اسلامية اقليمية مثل تركيا , وتواجد اساطيل حلف الاطلسي في الخليج العربي والبحر المتوسط , وهناك دول شبه محتلة من قبل اميركا"...
"هناك تخوف اخر من تواجد امريكي مفتوح في العراق , واعتبروه حجة او تكريسا للاحتلال ! اذن ماذا نقول عن حوالي سبعين الف عسكري في المانيا وفي اليابان ودول اخرى منذ ستة عقود واكثر !"
لم يقل لنا النابلسي لماذا تكون كثرة حاملات الطائرات في الخليج ، ولا قال شلال لم يكون وجود دول شبه محتلة من قبل أميركا - مبرراً للقبول بلزرع القواعد في العراق.
لا يستغرب انتشار ذلك المنطق إذا كان السياسيون العراقيون الدافعون باتجاه القواعد والمعاهدة يستخدمونه كقول زيباري:"ومع ذلك صورت هذه الاتفاقية وكأن العراق يقوم ببدعة في حين ان اميركا لديها اكثر من 80 اتفاقية ولديها هكذا اتفاقيات مع عدد من الدول العربية."

العلاقة مع إسرائيل
منطق المدافعين عن مصافحة طالباني لباراك أو مصافحة زيباري لسليفان شالوم والمدافعين عن زيارات مثال لإسرائيل وضرورة إقامة علاقات معها، لم يختلف عن منطق المدافعين عن القواعد العسكرية الأمريكية.
يكتب عزيز الحاج: "إن الغريب جدا أن تنتقد صحف عربية تنتمي لبلدان ترتبط دولها بعلاقات دبلوماسية، وتجارية، وسياحية مع إسرائيل. ترى هل يقصد المنتقدون أنه يجب شن حرب على إسرائيل بدلا من البحث عن حلول سلمية عادلة، لا تعارضها غير إيران وأدواتها في فلسطين ولبنان والعراق، فضلا عن كل الإسلاميين والقومانيين؟؟ هل يراد للعراق أن يزايد القيادة الفلسطينية الشرعية ذات العلاقات مع إسرائيل ولها مفاوضات مستمرة معها".
أي أنه وفق عزيز الحاج، فيجب على جميع الصحف أن تكتب بما يتناسق مع علاقات بلدانها الدبلوماسية، ومن يفعل غير ذلك كان "غريباً جداً"!
كذلك لانفهم لماذا يجب على من لايرغب بعلاقة مع إسرائيل أن يشن حرباً عليها. هل قام كل الذين قاطعوا نظام بريتوريا العنصري بـ "شن حرب" عليه؟

جوزيف شلال: "الم تتعاون ايران - خميني الدجال - مع اسرائيل في عمليات شراء أسلحه ! وتلك الفضيحه التي عرفت بفضيحة - ايران كيت! ..الم تكن هناك علاقات ما بين اسرائيل والتحالف الكردستاني منذ عهد الملا مصطفى البرزاني والى الان! ...اليس هناك علاقات تربط اغلب الدول العربيه والاسلاميه مع اسرائيل! .
"العديد منهم زاروا اسرائيل , ولهم علاقات سريه معها , اذن لماذا لم يتم التشهير بهم ومحاسبتهم ?..."
منطق شلال يقول أنه مادام " لم يتم التشهير بهم ومحاسبتهم" فيجب علينا تكرار ما فعلوا..

عبدالخالق حسين: "السيد مثال الآلوسي، هو رئيس حزب الأمة العراقية، (....) على زيارته الثانية لإسرائيل والتي قام بها حسب تصريحه للشرق الأوسط " تلبية لدعوة للمشاركة في المؤتمر العالمي الثامن لمكافحة الارهاب والذي شاركت فيه أكثر من 60 دولة بينها دول عربية وإسلامية، وبحضور أكثر من ألف شخصية من الباحثين والخبراء والإعلاميين والسياسيين، من مختلف أنحاء العالم.
عبدالخالق حسين: وعلى العراقيين أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك، وفلسطينيين أكثر من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والرئيس الحالي محمود عباس".

التنازل باعتباره "حقاً"
عبدالخالق حسين: "وهذا هو النفاق العربي بامتياز، فهم يحرمون على العراق ما يحلوه لأنفسهم"

وبنفس الطريقة وبعد أن يعدد سليم مطر الدول التي لها علاقات مع إسرائيل يقول: "بالله عليكم، قليلا من الصدق والضمير....يا اخوان، دعونا لمرة واحدة في حياتنا نمتلك الشجاعة ونكون عراقيين حقيقيين وننظر الى واقعنا ونتخلص من الزعيق بالشعارات والبطولات والمحرمات التي يفرضها علينا الآخرون من خارج بلادنا، وكأننا نحن ابناء العراق (ولد الخايبة)، يطبق علينا وحدنا، ما لا يطبقه الآخرون على انفسهم."

هكذا يتحول التنازل إلى "حق" يدافع عنه في "منطق المرشحة".

إكمال الخراب
يستند هذا المنطق إلى أنه مادامت القضية قد خربت في الماضي من قبل الآخرين فلن يضير المزيد من التخريب.
عبد الخالق حسين: "كما وأذكِّر الأخ القارئ، أن كرامة الجندي العراقي كانت مهانة والسيادة العراقية منتهكة في عهد حكم البعث أكثر من أي وقت آخر في تاريخ العراق، فقد أهينت كرامة العراقي بفظاعة في عهد "القائد الضرورة" صدام حسين، في حرب تحرير الكويت من احتلاله الغاشم، عندما ركع الجندي العراقي على بسطال (جزمة) الجندي الأمريكي في الصحراء السعودية، وهو في حالة يرثى لها من عذاب وذل وهوان.(....).نعم جاء الجنود الأمريكان فخلَّصوا هذا الجندي والشعب العراقي من ظلم وجور الفاشية التي يتباكى عليها الآن أيتام البعث وغيرهم. فعن أية كرامة وسيادة وطنية تتحدثون أيها السادة؟

إن منطق عبد الخالق حسين يستند إلى إقناع العراقيين والعرب بدونيتهم وضرورة التساهل في موضوع الكرامة باعتبار أنها ضائعة أصلاً، تحت شعار:
" من يُهن يسهل الهوان عليه....ما لجرح بميتٍ إيلامُ"

غرائب منطقية إضافية: "الحقائق المعاشة" و "الحق بعدم المعرفة"
يتوالد حول منطق "المرشحة" الغريب، مجموعة إسناد من المغالطات الأكثر غرابة، فمثلاً يقول عبدالخالق حسين: "فإسرائيل هي حقيقة معاشة في المنطقة، ولها علاقات ديبلوماسية واقتصادية مع معظم الدول العربية".
لكن نظام جنوب أفريقيا العنصري كان "حقيقة معاشة في المنطقة" و صدام حسين كان "حقيقة معاشة في المنطقة" و النازية كانت "حقيقة معاشة"، إذن كان يفترض وفق منطق عبد الخالق أن يهرع الناس اليها لاحتضانها!

ومثلما أمكن تحويل التنازل إلى "حق" يجب الدفاع عنه، نرى هنا زيباري يدافع في الواقع وبشكل غير مباشر عن "حق الشعب في عدم المعرفة"!:
"اقرار هذه الاتفاقية هو حق سيادي للعراق والعملية ستكون شفافة ومعلنة وسوف يناقشها ممثلو الشعب العراقي وما عدا ذلك لا يجوز اطلاع الخارج على هذه الاتفاقية خاصة وان بعض التصريحات التى انطلقت مؤخرا تطلب الاطلاع على الاتفاقية وهذا في حقيقة الامر غير جائز لان العديد من الدول العربية لديها اتفاقات سرية"!!
إن الإحتفاظ بسرية نصوص المعاهدة ورفض عرضها على "بعض الدول العربية" هو "من حق العراق"!
وطبعاً يتغافل زيباري أن من طالب بحق المعرفة هو الشعب العراقي وليس الدول العربية، لكن المنطق الذي يعتمد على ما يفعله الآخرون لإتخاذ قرار بما يجب فعله، يمكن أن يعطي كل النتائج التي يرغب بها من يشتهي الهبوط.

خاتمة
إن من يعتقد أنه يقوم بعمل صحيح، سيحاول أن يبين صحة عمله بدون أن يكون بحاجة إلى أمثلة لا تبرهن شيئاً، عن وجود آخرين اختاروا ذات اختياره، فالصحيح يبقى كذلك حتى لو كان لوحده. وأما من يجد ذلك عسيراً فيلجأ إلى تبيان أنه ليس وحده في هذا الموقف. إن من يسير وراء هذا المنطق يبدو كالأبله الذي لايعرف ما يريد بل يبحث عن شيء فعله أي شخص آخر ليفعله هو أيضاً! لكنه في الحقيقة يعرف مايريد جيداً ويبحث عن شريك يقف معه في الصورة التي يخجل من أن يقف وحده فيها. تراه قبل أن يبدأ "هجومه" يقلب الصفحات بحثاً عمن قد يكون أرتكب مثل "معصيته" قبله ليحفظها عن ظهر قلب كذخائر ثمينة ليوم جدال!
ولن يعجز! فمن النادر إن تجد عملاً من السوء بحيث لم "يرتكبه" أحد ما. ورغم أنك تستطيع أن تبرهن العكس بسهولة بنفس المنطق باختيار أمثلة مختلفة، لكنك لكي تنجح في إقناع نفسك بسلامة منطقك و"حقك" في "ما تشتهي القيام به" فعليك أن تتجنب تلك الأملثة الأخرى، وأن تساند أمثلتك بجهد ذهني لتدويرالعبارات والمنطق حتى تصبح "إيران كيت" مثلاً، وبقدرة قادر، سبباً وحجةً تبرر العلاقة مع إسرائيل، وتصبح الأردن ومصر هي التي "تضغط" على إسرائيل (سليم مطر) وتصبح مصافحة المجرمين وصداقة العنصريين مكسباً يسعى المنافقون الحقودون الحاسدون والعروبيون – وإيران طبعاً- إلى حرماننا منه.
إنها أداة لا تعجز عن تبرير أي شيء!












التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الكوفية توشح أعناق الطلاب خلال حراكهم ضد الحرب في قطاع غزة


.. النبض المغاربي: لماذا تتكرر في إسبانيا الإنذارات بشأن المنتج




.. على خلفية تعيينات الجيش.. بن غفير يدعو إلى إقالة غالانت | #م


.. ما هي سرايا الأشتر المدرجة على لوائح الإرهاب؟




.. القسام: مقاتلونا يخوضون اشتباكات مع الاحتلال في طولكرم بالضف