الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من الشعراء الذين أعدمهم ستالين - زارني بوريس كورنيلوف

منذر بدر حلوم

2004 / 2 / 21
الادب والفن


    ثمة مشهد يرتسم أمام  عينيّ كلما قلّبت دفاتر الشعر الروسي, مشهد عنوانه الموت, أحد طرفيه شاعر لا يملك إلا الكلمات وشبكة رهيفة ينسجها من خيوط روحه يصطاد بها الأكسيجين و النجوم وشدو البلابل.. والطرف الآخر طاغية تحتشد حوله دباباته وجيوشه وحرسه المعلن والسري وخوفنا, مشهد يسقط فيه الشاعر صريعا فيقهقه الطاغية مفرّغا شحنة الرعب التي يزرعها فيه الشعر, بل تزرعها فيه كل كلمة توحي مجرّد إيحاء بالحرية, فيستوطن الرعب الذي نفثه الطاغية أرواحنا ممسكا بخناق الأفكار, فإما لا تخرج إلى النور وإما تخرج مكسورة العنق.
    يأمر ستالين بإعدام الشعراء الشباب فيموت نيقولاي غوميليوف (1886-1921), وبوريس كورنيلوف (1907-1938), وأوسيب ماندلشتام (1891-1938), وبافل فاسيليف (1910-1937), و نيقولاي كلوييف (1887-1937) وكثيرون غيرهم, وينتحر ماياكوفسكي (1893-1930), وتنتحر تسفيتايفا (1892-1941)...ولا أحد يعرف عدد الذين أعدموا أو اعتقلوا من الشعراء والكتّاب وعدد الذين سحقت أرواحهم فما عادوا قادرين على الإبداع. بل, يبدو, كما يقول فلاديمير مورافيوف في الجريدة الأدبية(ع27, 1989) " أننا لن نعرف هذا العدد في يوم من الأيام حتى لو فتحت أمامنا أبواب الأرشيف, فمثل هذه الإحصائيات لم تكن تجمع في المعتقلات. أمّا إحصائيات لجنة الإرث الأدبي الرسمية فتقول بأن عدد المعتقلين من الكتّاب وصل في ذلك الوقت إلى ألفين.. وكان بين المعتقلين شعراء مشهورون من أمثال كليتشكوف, وكلوييف, وسيميلياكوف,  ومارطينوف, وزابولوتسكي, وناربوت, وبريبلودني, وشيفتسوف, وأوريشين, وهيراسيموف, وهارمس, وكينيازوف وكثيرين غيرهم" إضافة إلى من ورد ذكرهم أعلاه.
    ولماّ كان نسيان ضحايا القمع يخدم وَرَثة الطغاة والجلادين, فلتكن ذاكرة الأدب لا كما يريد لها الطغاة, لتكن فاعلة تستحضر دم الضحايا من عمق أقبية التعذيب وأنفاق الإعدام, فإذا به دم كرامتنا ورجولتنا المسفوح, وإذا بالضحايا أخوة لنا تقيأوا حيواتهم بدلا من أن يصنعوا الجَمال. ومن بين هؤلاء زارني بوريس كورنيلوف بصورة غريبة صباح أمس: كان الصباح ككل الصباحات, وكانت نوافذ بيتي مغلقة كلّها ولم تكن ثمة ريح في أي مكان من البيت. ومع ذلك كان هناك ما يدل على زائر غريب. أستيقظت , كعادتي, متأخرا, وكعادتي أيضا اتجهت إلى ركن أسمع فيه الأخبار, حالِماً بسماع خبر عن وصول علم الحياة إلى فيروس متخصص بقتل الطغاة يقضي عليهم عن بكرة أبيهم, وفيروس آخر يأكل عيون عيونهم فإذا بهم عمي لا يبصرون..أَنظرُ, فأرى وريقات على الأرض, تشوّش عليّ أخبار موت الحالمين في العراق. أرفعها, أرى فيها قصائد يسبقها كلام. أقرأ, أتذكر أنني اقتطعتها من مجلة روسية حين كنت في لينينغراد في ثمانينيات القرن الماضي لا أذكر اسمها الآن...عجيب! أجزم بأن هذه الوريقات لم تكن هنا حين اتجهتُ إلى السرير قُبيل الفجر. فإذن ما الذي حدث؟ أنظر إلى حيث يجب أن تكون.. كل شيء على حاله لا يزال! يذكّرني بطل شالاموف بنفسه: سخرت مني حين أعلنت أن يدي المقطوعة التي نسفها الانفجار ولم تعد موجودة من زمان ما زالت تؤلمني! أقول له: عفو يدك فإنني أشعر بألمها الآن. لا بد أنّ الوريقات خرجت من تلقاء نفسها من بين ركام الأوراق المكدّسة على الرف البعيد, كما يخرج صوت الأموات من الذاكرة التي تراكمت عليها تفاهات الأحياء.. لا بد أنها خرجت لتذكّر بصاحبها وبرفاقه المعدومين ظلما في مدن الموت الشمالية الباردة, من حيث أرسل أحد أبطال شالاموف الأموات غصن شربين.. أقرّب الوريقات من فمي وأكاد أفعل ما كنت أفعله في طفولتي حين أجد كسرة خبز في الطريق: أرفعها وأقبّلها قبل أن أنصبها على حجر ما أو جدار تمثالا لا يضع أحدٌ عند قدميه الأزهار... أنظر عبر النافذة فأرى حزمة ضوء تطالع وجهي من بين غيوم سود. تتساءل عيناي عن سر الوريقات. يقصف الرعد فيكاد يتكسّر الزجاج. أتذكّر أن أبطال أحلامنا يخترقون الزجاج في غفلة من عقول الكبار! أقرأ, باسم الأشياء غير القابلة للتفسير, وريقات عن زائري الغريب بوريس كورنيلوف:  
   على واحدة منها كتب فلاديمير باختين مفتتحا الحديث: " لَكَمْ أتمنّى لو أن كل من يفتح هذه الصفحة يشعر بمثل السعادة التي أشعر بها الآن وأنا أعيد قراءة أبيات أعرفها من زمان, أبيات سعيدة فتيّة رائعة ..(لست أفهم كيف يمكن للمرء أن يشعر بالسعادة وهو يتناول قصيدة شاعر شابّ أُعدم على لاشيء) لكن, لا علينا, فالقصيدة التي تسعد فلاديمير باختين تقول:
في شارع بيروفسكي أمشي
مع لفافة تبغٍ أمشي
مع معطف على كتفيّ
مع علبة حلاوة أمشي
إلى البيت
فطقس اليوم رائع
طقس اليوم بهي
ومدينتي تتجلى في حلة الربيع
أمام ناظريّ...
    ومع الحلاوة, أتذكّر حاجة صديقي الدكتور منذر خدّام إلى السكّر, فقد أفقدته ثلاثة عشر عاما من السجن الكثير من طاقته, فقلت له عليك بالحلاوة, وأكلنا معا, ودهشنا معا فالحياة معها لم تصبح أحلى! ثم أعود إلى كتاب (الشعر الروسي في ثلاثة قرون) الصادر عن دار (بروسفيشينيه) عام 1979, الكتاب الذي يضطهد الشعراء ملغيا من سيرهم حقائق السجن والاعتقال وأسباب الموت. وهنا أجد عن سيرة زائري بوريس بيتروفيتش كورنيلوف ما اضطرني لأن أكمله من مصادر أخرى: ولد بوريس في 29 تموز من سنة 1907 في مدينة سيمينوفا التابعة لمقاطعة نيجني نوفغورود, في عائلة معلم ريفي. وبعد أن أنهى دراسته المتوسطة في المدرسة انتقل عام 1926 إلى لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) حيث انتسب إلى مجموعة (سمينا) الأدبية, وهناك التقى الشاعرة أولغا بيرغوليتس التي صارت زوجته لاحقا- (أنظر: أولغا بيرغوليتس المترددة بين القمع الستاليني والنداء الوطني. السفير, 18/01/2003)- وفي عامي 1927- 1928 درس في معهد تاريخ الفن في لينينغراد. أصدر مجموعته الشعرية الأولى (الشباب) عام 1928, ثم صدر له تباعا:الكتاب الأول(1931)؛ كل أصحابي(1931)؛ كتاب الأشعار(1933)؛ قصائد وملاحم (1933)؛ جديد(1935)؛  كيف راحت أسنان الدب تؤلمه..(1935). وكان يُضمّن كل مجموعة جديدة بعضا من أشهر قصائدة القديمة.. أمّا أهم السمات التي تميّز شعره فهي دراماتيكيته الواضحة وانفتاحه ونزوعه إلى القصيدة الشمالية الشفوية.إضافة إلى ذلك فقد تطوّر إبداع كورنيلوف باتجاهات كثيرة: كتب الشعر الغنائي العاطفي والحكايات الشعرية والأمثولات والملاحم والأغنيات. وهنا يأتي الحديث على قصيدته الشهيرة (قصيدة عن الآتي) التي وضع موسيقاها شوستاكوفيتش لفيلم (الآتي)(1931) ونالت شهرة واسعة امتدت أعواما طويلة. إنما بعد اعتقال صاحبها صار يرددها الناس متحاشين ذكره. فقد فُصِل كورنيلوف من اتحاد الكتّاب عام 1936, ثم اعتقل عام 1938, وأعدم في هذا العام نفسه( 1938).يأتي نشيد (الآتي) منسجما مع حماس ذلك الزمان. يقول مطلع النشيد:
بنسيم عليل يلقانا الصباح
والنهر يستقبلنا بالريح
فلِمَ يا ذات الشعر الأجعد لا تفرحين
بصوت البوق السعيد ؟
فتردّ الجوقة:
قومي يا ذات الشعر الأجعد , لا تنامي
ففي المعامل دقت الأجراس
بلادنا مع المجد تقوم
لملاقاة النهار
    لكن وعاء الحماس الوطني ضاق بفورة شباب كورنيلوف فانتهى به إلى الموت. ولعل حكمة الشباب تكمن في انفلاتهم وتمرّدهم, فإذا كان الأحياء يشيخون فإن الأموات يبقون شبابا إلى الأبد. يقول كورنيلوف في قصيدة لا تحمل عنوانا:
قم بنا يا غولوبار
هلمَّ أيها المتسكع
يا حصاني الأسحم الشَريد
جميع الناس يسيرون
كالبشر على الطريق
أمّا أنا وأنت فنخرج عنه
متخففين من حب أمهاتنا
وحب الحسناوات..
لانشغل بالنا بلعن الأقدار
بل نندفع ..كأن لا شيء في الوجود
أغلى مني ومنك..
سماء حبيبة ونجوم خضراوات
بحيرات وغابات وحواكير..
ألست أنا الذي
كأنني كنت عندكم وما كنت
أمس وأوّل أمس ؟
ألست أنا الذي
مررت بداركم فما صنته
ولا به رأفت ؟
ألست أنا الذي
أشحت بيدي عن فجرٍ
لم أر أبهى منه ؟
عن فتيات لم أجد ألطف منهن ؟
عن عوالم كمثل هذه الأنحاء ؟
وإذا بي يُخيّل إليّ الآن:
حصان , و وعر بلا طريق
وبيت من جذوع الأشجار
مطلّ على نهر...
أشياء لا أغلى منها ولا أََََََحب
على قلب هذا الأحمق
الذي أكون..
    وعلى (الحماقة الحكيمة) يلتقي الشعراء, فليس الشعر بيت العقل وفي ذلك قوته, والعقل جبان, وبالعقل يتذرع خدم الطغاة. فإذا كان في قبول الذل عقلانية فلتذهب العقلانية إلى الجحيم. سأطفئ الضوء الآن وأصلّي من أجل المزيد من الجنون الجميل, إذن, فمن أجل المزيد من الشعر الذي لا يحبّه الطغاة.
-انتهى-
 








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وفاة زوجة الفنان أحمد عدوية


.. طارق الشناوي يحسم جدل عن أم كلثوم.. بشهادة عمه مأمون الشناوي




.. إزاي عبد الوهاب قدر يقنع أم كلثوم تغني بالطريقة اللي بتظهر ب


.. طارق الشناوي بيحكي أول أغنية تقولها أم كلثوم كلمات مش غنا ?




.. قصة غريبة عن أغنية أنساك لأم كلثوم.. لحنها محمد فوزي ولا بلي