الحوار المتمدن - موبايل


وهج البدايات النصية .. قراءة في حجر يطفو على الماء ل رفعت سلام

محمد سمير عبد السلام

2008 / 10 / 19
الادب والفن


في ديوانه " حجر يطفو على الماء " – الصادر عن دار الدار بالقاهرة 2007 – يرتكز رفعت سلام على الانتشار ، و التداخل ، و التعدد ، و انفتاح الحدود بين النصوص ، و الأصوات ، و الدوال المتناقضة ، و المتضادة ؛ فهو يعيد اكتشاف وهج البدايات النصية ؛ ليفسح المجال للتوليد الإبداعي المستمر للنصوص ، و التأويلات ، و الفراغات بوصفها بذورا لتداعيات الكتابة المناهضة للبنية ، و التي تعيد إنشاءها في الاتصال الخفي بين الأصوات ، و الدوال ، و الثقافات في الديوان ، و لكنه اتصال لا يقوم على الكلية ، أو المنطق ، بل التداخل ، و الاستبدال المتكرر للمركز .
إن كتابة رفعت سلام تستبدل البنية النصية من خلال اكتشاف لذة التناثر ، و التعدد الكامنة في الصوت الواحد ، فصار الصوت مجموعة أصوات متوازية ، و قد يجمع الصوت الواحد بين المتعالي ، و المقهور ، أو الإنساني ، و الكوني ، و الأسطوري كما تتداخل الجمل ، و النصوص القصيرة لتتحدى بنية النص المتخيلة ، و تكملها في الفراغ في الوقت نفسه .
إن بداية حدوث النص / أو التكوين – عند رفعت سلام – يلازمها الانتشار ، و التناثر ، و القلق الذي يستعيد البداية في صورة أخرى ؛ فالتكوين لا يمكن أن يكتمل ، أو يتلاشى ؛ إذ يتداخل مع لحظات البداية المتكررة ، دون أن تنتهي فاعلية النص الأول ، و من ثم تتشابك هذه النصوص ، و الصور لإحداث صوت ملتبس ، و متجدد معا . هذا الصوت يتحدى الموت ، و الحدود من خلال وهج البدايات ، و تناثرها ، و قدرة الصوت على نقل نفسه في تمثيلات تصويرية ، و سردية ، و حضارية عديدة .
و قد عززت الصور المصاحبة للديوان من فكرة إعادة إنشاء الصوت ، و تحولاته ؛ فصور الجعران كثيرة ، و ترتبط بمعنى الإبداع ، و إعادة الإنشاء ؛ ففي معجم الحضارة المصرية يمثل الجعران الإتيان إلى الوجود ، أو الطلاسم الجنائزية الدالة على القلب ( راجع – بوزنر و آخرون – معجم الحضارة المصرية – هيئة الكتاب 2001 ص 123 و 124 ) .
و يمتزج الجعران هنا بالتكوين النصي المجزأ ، و التفاعلي في الديوان ، و بالنشوء المتعدد للأصوات ، و للمتكلم الواحد .
أما قافلة الديناصورات فقد عززت من قوة البرابرة غير المكتملة في الفراغ ، حيث تتأهب للتحول في إيثاكا الجديدة .
إن الذات في الديوان تواجه لحظات المحو ، و الوحدة ، و التدمير ، بما فيها من أداء سردي ، يتجلى فيه مرح البدايات في الصوت الجديد ، أو التكوين الآخر ، و الصمت العبثي الذي يذكرنا بمسرح بيكيت ، و يونسكو ، و كأن ازدياد العنف ، و القسوة ، و الجفاف في اللحظة الحضارية التي يرصدها المتكلم ، يناظر وهج القوة الإنسانية المبدعة ، تلك القوة التي تعيد إنتاج الصمت ، و مواجهة الفناء من خلال تجدد سياق المتكلم ، و طفراته التخيلية المؤكدة لوجوده الفريد .
إن النشوء في هذه الكتابة يكتسب قوته من الرفض ، و الاستثناء ، و من ثم فهو مراوغ ، و ملتبس بالاختفاء ، كما يصير فضاء لشخصيات من التاريخ ، و الأدب ، و الأسطورة يمتزج فيها عنف البرابرة ، بالانسحاق ، و القوة المبدعة المتجددة للصوت .
إن التباس الصوت المتكلم يناظر اللحظة الحضارية المعقدة التي يرصدها ؛ فهي تترك الوعي في مواجهة المأساة ، و إعادة تمثيل الاختفاء في الوقت نفسه ، إذ تقع الوحدة العبثية ضمن صيرورة زمنية متناثرة يعمل فيها الاستبدال ، و إعادة التشكيل المتجددة للذات ، و اللحظة معا .
يقول :
" أيتها اللحظة الماكرة . قوافل تمضي إلى أفق غائر أم هاوية ؟ ، و تنساني وحيدا في براري الله .. و شيء ما يروغ ، طائر ينقض بغتة و يختفي ، منتصف الليل أم النهار ؟ ساعة الصفر أم لحظة البوار ؟ مات ما فات ، و ما سيأتي آت بلا انتظار "
إن اللحظة تشير إلى الانهيار ، و التجدد . الاختفاء ، و القوة الجسدية المحتملة . الصمت ، و الأسئلة المضادة للوجود الثابت .
إن رفعت سلام يؤكد اللعب ، و التحول في الصوت ، و الزمان ، و المكان ، و لهذا يتجاور كل من الصخب ، و الوجود الطيفي دون اتجاه تأويلي واحد ؛ فالقسوة الأرضية تولد الانعزال ، و القوة ، و تحول الإشارات إلى وجود تخيلي آخر دون نهايات حاسمة .
و قد يشير دال الأنوثة إلى الجفاف في قلب الخصوبة ؛ فمن خلال التدمير الكامن في الجنس تتولد الدلالات الثقافية لأثر الأنوثة الذي يجمع بين التوهج ، و قمة الانفتاح ، و الموت ، و الخواء معا .
هل يستلب الصوت من خلال توهجه ؟
أم أن النهايات دائما تحمل بذور الخصوبة المتجددة ؟
يقول :
" أنا المرأة الجانحة .. تقاطعت في جسدي الطرقات و الصرخات ، أشعلت في القلب أقمارا غامضة و شموسا زرقاء ، لا أدري ، ضالة عمياء ، و الصهيل يشب يهب في خلائي ، قطرة ماء ، أو ساعة مطر ، من ؟ هكذا انطلت علي الوشوشات فانفتحت أبوابي ذات سهوة ، فاستفقت بلا نجوم ، منهوبة خاوية ، بلا حريق أو مطر " .
لقد تولد الصوت من خلال ذروة السلب ، و كأنه يعيد إنشاء الخصوبة من خلال دوال الانهيار . إن الخصوبة تنسب نفسها للخواء ليظل كل شيء معلقا ، حيث تذوب البدايات و النهايات في صيرورة الإبداع ، و الصمت معا .
يرى فرويد أن ثمة انسجام ، و تباين بين غريزتي الإيروس ، و التدمير ، فيما يختص بالعلاقة بين إرادة الربط ، و حل الروابط ، أو رد الكائن للحالة اللاعضوية ؛ ففي الجنس عدوان غايته الاتحاد ( راجع – فرويد – الموجز في التحليل النفسي – ترجمة سامي محمود – هيئة الكتاب سنة 2000 – ص 30 و 31 ) .
لقد حملت الأنثى في القصيدة صوت التدمير ، لتستعيد من خلاله ذكرى الخصوبة ، و الانحلال معا ؛ فالرغبة أصبحت طيفا في الخواء ، مثلما صار الأخير صاخبا ضمن آثار الأنوثة المتجددة .
إن الانفصال و التداخل بين الغريزتين عند فرويد يتحولان في كتابة رفعت سلام إلى صوت أنثوي ملتبس يتجاوز وهج البزوغ الأول لكل من الرغبة ، و التدمير ؛ إنه يطارد الخصوبة بينما لا يمكن تدميره أبدا .
إن وجود الأنثى يتوهج في الاستعارة ، و التحول المستمر ، ثم يرجع إلى السكون كأنه كان حالة شبحية ، هل هو تجدد الحياة ، و قد اختلط بسكون أبدي ؟ هل تحولت شهوة الالتحام إلى فراغ صامت ؟
و مثلما تعددت إمكانيات التعبير عن طريق الاستبدال ، و امتزاج الدوال المتضادة في ديوان رفعت سلام ، فإنه يستغل التردد الذي يكثر في أوراق الكتابة الأولى في إثراء الدلالة عن طريق التجاور مع بقاء المفردة المشطوبة واضحة في السياق النصي ، مما يعزز لا مركزية المدلول ، و تأويلاته .
يقول :
" و لما قمت بالقفزة الأخيرة / المستحيلة ، فسقط عن وجهي القناع ، التهبت الساحة بالتصفيق و الهتاف ، و بانت الفرحة على وجه الملك العظيم ، و أمر بقطع رأسي " .
و كان قد شطب على الأخيرة شطبا خفيفا ، و كأن النهايات تولد التميز ، و التمرد مرة أخرى ، و تستعيد حياة المتكلم من خلال موته ، أو عقب موته الذي يشبه احتفالية بالحياة ، هل كان الصوت بديلا عن صورة الملك في المشهد ؟
أم أنه ضحية أسطورية مقدسة ؟
إننا نلمح موتا ذا طقس احتفالي بتميز الحياة الجديدة ، أو التكوين الذي يحقق من خلال موته طفرة الخروج عن سياقه الحضاري .
إن المتكلم يحاول القبض على لحظة الحضور من خلال الاختفاء ، أو حالة انقسام الزمن المضارع عن المكان ، بحيث يتحول إلى فاعل في المشهد ؛ فالوجود هنا يشبه الحضور في صورته الجديدة ؛ إذ إنه استثناء في المكان ، أو اختفاء لا نهائي .
يقول :
" بلا ماض – الآن – أعبث بالزمن المضارع ، أراوده و أراوغه مثل امرأة بلهاء ، أشد ذيله ، و أجري أمامه حتى أختفي في زقاق مظلم ، فيضيع مني ، فأبكي هواني على الناس .. على قارعة الوقت أقعد القرفصاء ، يدي ممدودة للعابرين المهرولين ، و عيني شاخصة ترقب نجما منفردا ، في الأفق الرابع ، في شدقيه الزبد ، و ذيله خيط دم لا ينتهي في الوراء " .
النجم هنا يستعيد القهر ، و تاريخ الدم ، و القوة الطوطمية المجردة من الماضي ، ليعيد قراءة الذات المنفردة في المكان ؛ فهي تعبث لتمسك بالحضور ، أو أن تتشكل خارج المأساة بينما يلح على ذاكرتها ماضي القهر ، و الرغبة في تحقيق التمرد معا .
و يستعيد المتكلم أوديب في سياق مطاردة الزمن ، و الهوية ، و يطرح سؤال الخطيئة في براءة تبعث المأساة مرة أخرى في سياقها الأول المتجدد ، حيث الولادة من خلال السلب ، و إرادة الموت .
يقول :
" أنا الأعمى ، فهل ضاجعت أمي في فراش أبي القتيل ؟ لا ، أيها العراف ، لا أبجدية لي ، قناع بلا وجه ، و شكل بلا جسد .. هل أصيد الزمن الهارب في البراري كأرنب بري ، أم أقطف الأحلام الذابلة من النسيان ، أم أراوغ الفراغ أستجدي كسرة من عزاء لاذع ، أو حفنة من الهباء ، هل أتوا أخيرا بلا نفير ، أو نذير ؟ " .
" و كنت أمشي على أشلاء إلى عرشي / نعشي " .
إنه يبحث عن الملك المجرد ، و لكن الماضي يلاحقه ، ليصير العرش مستبدلا بالنعش ، و العودة المفقودة للذات دونما خطيئة ، أو عقاب .
إن لحظة الحضور تتركه يبحث عن وجوده الذي تختلط فيه بهجة الملك ، بالخطيئة المجردة الحتمية .
و قد يتوحد بالكائنات الأسطورية ، و أبطال الحكايات ليتغلب على الصمت العبثي المسيطر على المكان .
يقول :
" لا أموت و لا أحيا ، كأنني الرخ أو العنقاء ، مطلق ، واحد في الخواء العذب . ماتوا جميعا كل من أحببتهم ، و بقيت وحدي في قفار الأرض عاريا منتصبا ، تعبث الرياح بأغصاني الذابلة ، تبول على جذوري الكلاب و تمضي ، لا ظل لا ثمر ، أيها الوقت الحجر ، هربت مني إلى الجهة العمياء ، تركتني كسنط عجوز " .
إنه يستعيد لذة التحول الكامنة في فعل الحكي ، ليحارب صمته العبثي مثل الشجرة الوحيدة ؛ فمن خلال مواجهة الفناء تتشكل المملكة المتخيلة من خلال وسيط الرخ الذي جسد القوة ، و تغير المكان في قصة السندباد .
و تتوالى وسائط القوة الممزوجة بالانسحاق ، و النهايات في الديوان ، و بخاصة علامة الديناصور حيث استعادة الضخامة الأسطورية مع الاندثار في وقت واحد .
الديناصور في الديوان سلطة شكلية تبحث عن السيادة التمثيلية ، و تستعيد اقتراب النهايات معا . إنه قوة التمرد التي تولدت للتو من فكرة الانسحاق ، و العدم .
يقول :
" أنا الميت الحي ، لا أمشي ، بل الأرض تسيل نفسها تحت أقدامي إلى الوراء ، تفر مني الأشجار و الينابيع ، تركض التلال و الحقول .. فلتهبطي أيتها البومة العمياء عن كتفي .. أنا سيد هذا الكون ، أنا الديناصور الأخير " .
إن قوة الحياة هنا ليست أصلية ، فقد استعادها الصوت من الفراغ ، و العدم ، و لكنها أتت مجردة ، و مدمرة و كأنه تبحث أيضا عن البهجة المفقودة المتخيلة ، تلك البهجة التي صارت في الديوان استثناء .
و يبلغ الانفجار ذروته عقب حديث الديناصور ، في صوت البرابرة حيث تتلاحق صور الحروب ، و الدم ، و المكان المتخيل الذي تمثله إيثاكا .
يقول : " أيها البرابرة إلى الوليمة الباذخة ، يومنا خمر ، و غدنا خمر من دماء ، لست الكلب العقور لا ، لكنني النمر الخجول .. بحيرة دم آسنة أعبرها بقفزة واحدة إلى الهباء .. فمن يعيرني مرثية عصماء في البكاء على الأطلال ؟ أنت الطريق و إيثاكا ، فيك تمضي قوافلي إليك " .
لقد ازدوجت وحشية الأرض ، و صمتها العبثي بإيثاكا / الحلم ، و قد قال فيها كفافيس ( عندما تتهيأ للرحيل إلى إيثاكا / تمن أن يكون الطريق طويلا / حافلا بالمغامرات / عامرا بالمعرفة / لا تخش .. السيكلوبات ، و لا بوزايدون الهائج / لن تجد أيا من هؤلاء في طريقك – راجع كفافيس – قصائد – ترجمة بشير السباعي – دار إلياس بالقاهرة سنة 1991 ص 41 ) .
إنها الأرض البديلة ، و حلم كفافيس برحلة أخرى لأوديسيوس الذي صار في ديوان رفعت سلام قراءة إبداعية للصوت المتناقض بين تاريخ الجفاف ، و الدم ، و القوة البربرية ، و الحلم بالمكان البديل الذي يتحقق فيه الحضور الغائب .
إن اختفاء السيكلوبات ، أو الوحوش ذات العين الواحدة من رحلة أوديسيوس في نص كفافيس ، صار امتصاصا للوحدة العبثية في نص رفعت سلام . هذا الامتصاص الذي ولد تمردا نصيا و وجوديا يبشر بولادة تكوين يستعصي على الانسحاق ؛ يقول :
" أنا الجملة البكماء ، أمضي إلى الوراء ، عكس السياق ، أغني أنشودة همجية تعشش فيها الخفافيش البشوشة ، و الصقور المسعورة " .
لقد ولد الصوت من التباسه الخاص ، و تجدده الكوني المرح .
محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا يعني التنازل عن الملكية الفكرية للقاحات كورونا؟


.. شاهد: مظاهرات بالشموع والموسيقى احتجاجا على الأوضاع الاقتصاد


.. سر العلقة الساخنة من تحية كاريوكا للفنانة رجاء الجداوى مع ال




.. الرجل الأول في فيلم الرجل الثاني.. لواء الشرطة الذي أغرته ال


.. هاجر ومحمود اتحدوا النار والحروق بالحب.. حكايتهم أقوى من أفل