الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سجال آخر المشوار - قراءة موجزة في قصص جليل القيسي القصيرة جدا

محمد حسين الداغستاني
صحفي وشاعر وناقد

2008 / 11 / 20
الادب والفن


الحب بكل أنواعه هو الهوس الأكبر لدى الخلاّقين ، به يدركون لا الذات فحسب بل كل ما هو خارج الذات . جبرا ابراهيم جبرا
في خضم الكم الهائل من النتاجات الأدبية المختلفة التي إحتشدت بها الساحة الثقافية والأدبية ، وفي أعقاب التغييرات الجذرية التي طرأت على هذه النتاجات فيما يتعلق بالمفاهيم والمضامين أي الشكل والمضمون .. فإن الوظيفة الأدبية للنصوص الأدبية وفي المقدمة منها القصيدة الشعرية الحديثة بلورت لنفسها شخصية ذات سمات قد تتباين غالباً مع إمتدادات تلك المراحل التقليدية المعروفة للمدارس الأدبية المعهودة كالكلاسيكية والرومانسية والرمزية والواقعية بأنواعها وآخرها الواقعية الجديدة الخ ، والتي كان نظام التفعيلة وتقسيم البيت الشعري الى الصدر والعجز وإقرار وجود القافية وضمان وحدة الموضوع و الترابط المنطقي بين الزمان والمكان وغيرها من شروط النظم الشعري من شروط نظم القصيدة ، لكن القصيدة الحديثة بالذات من بين الزخم الإبداعي كله أفلحت تماماً في تحقيق نقلة نوعية إرتقت بها الى مرحلة جديدة تمتلك مواصفاتها الخاصة بها والتي تتسم بالفرادة والتميز ، من خلال المحاولات الرامية الى تجاوز التراكيب القديمة وبالخاصة فيما يتعلق بتراكيب البيت الشعري وتحويلها الى كائن أشبه ما يكون بالكتابة الحرة المقيدة.. بل الى نص ينوء تحت المعاناة والمشاعر الصاخبة بالمدلولات الإنسانية والعاطفية الحادة وأضفاء المزيد من الغموض والتقنين على تمدد المعنى والشكل .
فإن كنا نتعامل أحياناً مع النص بإعتباره شعراً وهو يفتقر لتلك الشروط الشعرية التي تعارف عليه الوسط الأدبي طويلاً ، فإن (القصة القصيرة جداً ) المترعة بالإنسيابية العالية وبالعفوية والحوار الداخلي وكثافة اللغة ، تقترب من مفهوم النص الإبداعي الشعري الحديث فيما عدا الغموض القسري الذي يسود النص الذي يطلق عليه إسم قصيدة النثر ، خاصة عندما يمتلك كاتبها لغةً معبّرةَ ، غنية بالمدلولات والصور والعواطف الممزوج بالمفردات ذات التعامل اليومي ، وبذلك فإن التمييز بين تلك القصة وقصيدة النثر قد لايستحيل سوى في الشكل مع التأكيد على خصوصية القصة في منهج الصياغة أو أسلوب التعبير وتوفير شروط وحدتي الزمان والمكان ومنح الشخصية المحورية في النص دورها في الفسحة القصيرة الممنوحة لها ، وفي النهاية فإن القصة القصيرة جداً كشقيقتها قصيدة النثر ستكون نتاج مخاض عسير يستوجب أقصى درجات الوعي وبأقصى ما يستوعبه السبك اللغوي المتين واللفظية المختارة بدقةٍ متناهية .
وكما أسلفت فإنني أتفق أيضاً مع الطرح الذي يؤكد على أن الذروة والدراما والمونولوغ ثم الاتجاه نحو الرمز أو الأسطورة والأيقاع الموسيقي لبلورة الكلمة هي من أبرز مميزات الشعر الحديث , ليس هـذا فحسب بل إنه يختلف عـن غيره من النصوص الأبداعية كونه يتخطى الصياغة النثرية في تركيب الجملة أوشحن الفكرة بطاقة إيحائية ملموسة لتجسيد الحدث في زمانه ومكانه ، لذا ومن هـذا المنطلق فلقد وجدت ( القصة القصيرة جداً ) لــدى القاص الكبير جليل القيسي هـي أقرب ما تكون الى المقطع الشعري الفسيح منه الى القصة , منطلقاً مـن أن القصـة وفي كـل الأحوال هي تعبير عن حدثٍ ما , لتفسير حالة , وتحقيق هدف يرنو إليه القـاص , ويعبر عنه بأســلوب ٍ غيرتقليدي , وربما غامض وغير ميسور , وأغلـب الأحيان مزدوج الفهـم ومتناقض الهيئة , يتناغم مع الرمز للأنتقال بالقارىء الى الصـدمة , وهـذا ما نلمسه في { قصص حب قصيرة جــدا ً } المنشـــورة للقاص في أعداد متباعدة في مجلة الهلال .
ورغـم ان القصص ( عاشق حقيقي ) و (بالعواطف ) و ( فراق ) و ( غفران ) تموج برومانسية طرية إلا أنها تفجر في القارىْ شحنات من الدهشـة وخاصـة عند قراءة ( جميلة جداً ) و ( تكذب) و ( أنا أنتصر ) لتضعه في مواجهةٍ لا بـد منها مع نص ٍ يتعامل مع المتغير في طرح الفكرة أو تحليل المغزى , ويبدو ذلك بينّا تماما ً في ( الجمال الرائع ) و ( مثل أدونيس) وغيرهما .
ولنقرأ معاً قصته القصيرة جدا ً ( عاشق حقيقي ) :

( قالت لأختها بحرارة : إسمعيني , أمس في الليل قلت له , كيف تسـتجيب لنداءاتي؟ أجابني مثل إنسان خليق بحب ٍ أصيل , ياإلهي , بالضبط كما يستجيب الكمان للقوس !!. )

إن الأحساس الرفيع بالحب , وتحميل الحرف أعباء إعصــار نفسي هائل لا يجد مبتغاه سوى في النداء الكامن في أعمـاق المعاناة , ولا يمكن للقيسي توصيفه بصـيغة تقليدية مطروحة , لهذا فإنه إلتجأ الى الشـعور الذي يدفـع بالنص الى مقارنـة الحب الأصيل بإســتجابة واحد ٍ من أحن وأعـذب الالات الموسيقية وربمـا هـو التفسـير الأدق والأقرب لأستكانة العاشــقة تحت جناحي الحبيب بعد طول مكابدة , لتنعم بإغفاءة عميقة إثر هدوء العاصفة .
وبذات القوة يتناول القاص البذل النبيل للحبيب في قصته القصيرة جداً الموسومة ( لذاذات) والذي من خلاله يكتشـف القدرة الســرية للكلمة على رســم المعنى العميق لمفهوم العطاء الحســي وجعله مرادفا ًلقيم الفروســية بكل مهاراتها ونقائها لنقل المرأة الى أوج إشـــعارها بأنوثتها , بل وإشعال اللهيب في كل خلية ٍ من خلايا جسدها ! :

( آه ياحببيي , لكم ببذخ ٍ نبيل ٍ تمنحني لذاذات حسية ؟ , وهذه اللذاذات تجعلني أن أشعر بحميمية العلاقة بيننا , معك وحدك أشعر أنني إمرأة حقيقية , إمرأة في كل بوصة من جسدي!)

إن عوالم (جليل القيسي) في قصصه القصيرة جدا ً هي دنيا مسكرة وشاعرية , مرهفة وشفافة , تمتد على مساحة واسعة للود الحميم , وهذه سمة الشـــعر , لكنها أيضا تمور في طياتها عقب كل قراءة بتلك القنبلة الموقوتة التي تتشظى بعد إنفجارها نحو كل الأتجاهات , لتسلب في آخر المشوار الراحة من العقل المفعم بالسكون , والفوءاد المبتلى بالأسترخاء !








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المراجعة النهائية لطلاب الثانوية العامة خلاصة منهج اللغة الإ


.. غياب ظافر العابدين.. 7 تونسيين بقائمة الأكثر تأثيرا في السين




.. عظة الأحد - القس حبيب جرجس: كلمة تذكار في اللغة اليونانية يخ


.. روبي ونجوم الغناء يتألقون في حفل افتتاح Boom Room اول مركز ت




.. تفاصيل اللحظات الحرجة للحالة الصحية للفنان جلال الزكى.. وتصر