الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن اعتقال -القرآني- رضا عبد الرحمن علي‏

خلف علي الخلف

2008 / 11 / 29
حقوق الانسان


ليس خبراً ولا مقالاً ولا احتجاجاً
ليس جديداً بالطبع أن يتم اعتقال أحد في العالم العربي، كل يوم يتم ذلك؛ للدرجة التي أصبحت وكالات ‏الأنباء تتعامل باستخفاف شديد مع هذه الأخبار، بل لا تجد ذلك خبرا يستحق النشر بشكل منفرد؛ إن لم ‏يكن المعتقل يمتلك قيمة إعلامية رمزية، تجعله خبراً عاجلاً أو لافتاً على الأقل؛ أو أن يكون الاعتقال ‏بالجملة، كأن يعتقل مجموعة من الطلبة، أو مجموعة من المحتجين ليكون العدد كافيا لكتابة ثلاثة ‏اسطر في خبر هامشي لمراسل وكالة أنباء أجنبية في الغالب، وعادة لا تجد وسائل الإعلام العربية ‏التي تتعامل مع تلك الوكالات ما يدفعها لنشر هذا الخبر وحجز مساحة له على صفحاتها، أو من وقت ‏بثها الثمين.. ليس فقط لان لديها قضايا أهم من اعتقال شخص بسبب فكره، بل لأن الأمر عادي في ‏العالم العربي ويشبه أن يصاب شخص ما بزكام عابر، وكذلك لأن وسائل إعلامنا في دول بيوتها من ‏زجاج فلا تريد أن تتلقى حجارة الآخرين...‏
يعرف هذا كل المشتغلين بالشأن العام، وتعرفه وسائل الإعلام العربية، وتعرفه حكوماتنا "الوطنية" ‏أيضا، ولم يحدث أن نظمت وسائل الإعلام العربية حملة مركزة للإفراج عن معتقل (استثني من ذلك ‏معتقلي قناة الجزيرة) ولا حتى منظماتـ(نا) الحقوقية. المبادرات هذه تأتي من الغرب "الكافر"، صاحب ‏المصالح في تفتيت "وحدتنا" وفي إثارة النعرات لـ"أمتنا" و"دولنا"؛ فهو عادة المستغل الدائم للقضايا ‏الهامشية هذه! كما يرطن محللو(نا) الإستراتيجيون في وسائل إعلامـ(نا) وهم يرغون ويزبدون لماذا ‏الآن ياسيدي لماذا الآن.. ولماذا تهتم أمريكا (سيدة الغرب الكافر صاحب المصالح) بهذا الشخص ‏بالذات؛ وفي هذا التوقيت بالذات؟! وعادة لا يتساءل هؤلاء: لماذا اعتقل هذا الـ شخص؛ والذي ‏يترفعون عن ذكر اسمه.. وفي وصلة الردح المعهودة لابد من المرور على ذكر معتقليـ(نا) لدى ‏إسرائيل "الغاشمة" وتجاهل هذه الـ أمريكا ومن خلفها وأمامها وبجانبها الغرب بما فيه اليابان لهم... ‏
أعتقل أصدقاء لي، واعتقل معارف، واعتقل كتاب أعرفهم، واعتقل مدونون كنت اقرأهم... لم يعد ‏يفاجئني ذلك؛ ولستُ وسيلة إعلام لأظل متتبعا أحوال المعتقلين الذين يتكاثرون بنسبة أعلى من نسبة ‏تزايد السكان في عالمنا العربي، ولم يعد لدي ما اكتبه عن الأمر، فكل منا مشروع معتقل في الحالة ‏العربية.‏
وفي الحالة السورية تحديدا لم اعد أجد مبررا لاحتجاجي ولا مبرراً لكتابتي عن ذلك؛ ولم أعد ابحث ‏حتى عن العرائض التي يدبجها آخرون تطالب بالإفراج عن أحد.. إذا لم "أتفشكل" فيها بالصدفة؛ ‏فالنظام السوري يمتلك من الصفاقة ما يجعل أصواتنا تتحول الى مجرد تسجيل موقف لـ"التاريخ" ‏ولستُ رجل مواقف ولا "تاريخي" كذلك، وهم من الكثرة للدرجة التي نحتاج صفحات لسرد أسمائهم ‏بدون التهم التي صيغت لهم على مهل... ‏

عن المدون رضا عبدالرحمن علي
‏ في كل هذا وفي ظل هذا اعترف أن اعتقال رضا آلمني فهو أحد المدونين في مواقع عدة؛ ومن هناك ‏بدأت علاقتي معه. ورضا ذو الـ 32 عاماً ينتمي لمجموعة قليلة في العالم العربي تعتقد بالقرآن فقط ‏ولديهم منطق ما، في ما يعتقدون؛ ويسمون "القرآنيون" وهم فئة ضعيفة وهامشية وليس لديهم "ندابات" ‏كما يقول المثل العامي، وأحد أبرز وجوههم الكاتب أحمد صبحي منصور..‏
كنت قد استشهدت بما كتبه رضا في مدونات إيلاف، قبل قليل من اعتقاله في بحث عن " الانقسام ‏الطائفي عربيًا من خلال تعليقات قراء إيلاف" والذي يدور حول انقسام القراء حول تصريحات ‏القرضاوي حول التشيع، وكنت قد ذكرت أنه لم يحتج أحد على تكفير القرضاوي للقرآنيين، سوى ‏رضا.. الذي كتب احتجاجاً خافتاً لا يكاد يسمع على هذا التكفير وهو يناقش ماجاد به القرضاوي.. لم ‏يكن يعلم رضا أن تكفير القرضاوي لهم أعطى إشارة البدء لأجهزة أمن الدولة المصرية لتشن هجومها ‏عليهم فالمباحث في الدول العربية مؤمنة إن اقتضت المصلحة، وعلمانية إن أرادت، وملحدة إذا اقتضى ‏الأمر، وسنية عند الضرورة، وشيعية في حال ما، وعلوية في مقام آخر؛ وليبرالية إن استفاد ولي ‏نعمتها...‏
كان رضا قد كتب قبل ذلك في مدونته التي تحمل اسم "العدل الحرية السلام" عن استدعاء الأزهر له ‏كموظف على ملاكه والتحقيق معه لأنه ينشر فكراً ضالاً، وخصم من مرتبه الضئيل (305 جنيها ‏مصريا= 55 دولار تقريبا) عشرة أيام، كان احتجاجه يشبه وجهه المسالم فهو يرى أنه يكتب وينشر ‏خارج أوقات الدوام وأن الجهة التي يعمل لديها لا شأن لها في الأمر؛ ويرى بدهشة الأطفال وبحججهم ‏البسيطة أن الفكر يرد عليه بالفكر؛ وليس بالاستدعاء والخصم من الراتب الضئيل أصلاً؛ أذكر أني ‏ضحكت يومها لمنطقه البسيط السليم.. وقلت إن رضا رغم عمره الثلاثيني مازال طفلاً "يغني في ‏الطاحون"‏
لفت انتباهي تغيب رضا عن المدونات فترة طويلة، ومواضيعه تحظى بنقاش من الإسلاميين ويكون ‏رده عادة بسيطا لطيفاً مسالماً، واعترف أن العين الساهرة غوغل هو من قادني الى نبأ اعتقاله؛ ‏حزنتُ.. هذا كل ما لدي.. فقد اعتقل رضا يوم ‏‎27‎‏ تشرين الأول (أكتوبر) من هذا العام؛ لم يكن وراءه ‏أحد، لا وسائل إعلام ولا أحزاب ولا منظمات (استثني المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي ‏منظمة لم أسمع بها قبل اعتقال رضا)، لذلك بالكاد وجدت أخبارا قليلة عنه في صحيفة مصرية أو ‏اثنين، واغلب ما ذكر عنه مأخوذ من مدونته، ووجدت كذلك محنة القرآنيين في موقعهم البسيط، الذي ‏يحمل اسم "أهل القرآن". لا قرابة رحم ولا قرابة فكر تربطني مع رضا، ولا مع القرآنيين؛ رغم ذلك ‏أصابني خبر اعتقاله باكتئاب.‏

ثمان نسوة هن كل من احتج على الاعتقال‏
لم تذهب وسائل الإعلام الى عائلة رضا فهو أقل من خبر، ولا يحتمل صورة، ومن هم أهله إذاً لتأخذ ‏تصريحاتهم؛ فهو ليس مرشح سابق لرئاسة ولا رئيس لحزب ولا كاتب مشهور في جريدة كبرى، ولا ‏منخرط في منظمات لحقوق الإنسان انه موظف يدون في مدونته بعد انتهاء عمله؛ لذلك وجدتُ أن ‏أخيه كتب تعليقاً في موقع أهل القرآن "قامت مباحث امن الدولة باقتحام منزلنا وتفتيشه ومصادرة جهاز ‏الكمبيوتر والطابعة . ولا نعرف سبباً للقبض عليه ، ‏ولا نعرف لماذا تقوم مباحث امن الدولة بمعاملتنا ‏بهذه الطريقة. وهذا الأسلوب القاسي. في تضليلنا وإبعادنا وحجب ‏اي أخبار عنا بخصوصه. فنحن لا ‏نعرف أين هو الآن ولا أي معلومة عنه ولا عن الطريقة التي يعاملوه بها ‏‏.ونخشى عليه من طرق ‏الوحشية والتعذيب التي يستخدمونها في استجواباتهم للمعتقلين، ونسأل الله أن يحفظه من ‏تصرفاتهم ‏غيرا لآدمية" ‏
أما والدة رضا فهي لم تكن تملك سوى البكاء في الاحتجاج الذي نظمته ثمان نساء من عائلته الأربعاء ‏الفائت 19 تشرين الثاني (نوفمبر) أمام مكتب النائب العام بدار القضاء العالي، وبعد بحث طويل حتى ‏عرفت أن مكان الاحتجاج في محافظة الشرقية في مركز كفر صقر؛ فرضا هامشي مثلنا ولن يتضامن ‏معه سوى عائلته، ووالدته(على ما وجدت في موقع أهل القرآن) ظلت تبكي طوال الوقفة، وتصرخ "أنا ‏عايزة أعرف ابني فين من 25 يوما"، أما شقيقة رضا الصغرى "هبة" فهي تعتقد بأمل باهت هو ‏القضاء والنيابة "لو أخويا متهم مش بيتعرض على النيابة ليه؟"، فيما تشير الشقيقة الثانية "عزة" الى ‏الاضطهاد الذي يواجهونه في قريتهم لأنهم قرآنيون، مطالبة بالرد على فكرهم بالفكر بدلا من ‏الاعتقال، وتقول أن جدودهم هم من قاموا بتحفيظ القرآن لكبار الشيوخ، أما أخته الثالثة فتشير إلى ‏محنة القرآنيين المسالمين فـ " ما في مناسبة تحدث للعائلة وتجتمع فيها سواء أفراح أو غيرها، إلا ‏ويهجم عليهم الأمن ويعتقل أحدهم" كما شكت باكية من اضطهاد الناس لأسرتهم، وأن أبسط أشكال هذا ‏الاضطهاد هو عدم قبول أبنائهم في "الكتاتيب" لتحفيظ القرآن، متهمينهم بالكفر لأنهم "قرآنيون". وعائلة ‏رضا ليس لها مطالب كثيرة فقط تريد أن تطمئن على ابنها وتعرف أين هو...‏

أيها القرضاوي إني أتهمك
لو كنا في دول أخرى لأمكنني ببساطة أن ارفع دعوى على القرضاوي واتهمه بالتحريض على اعتقال ‏رضا فمنذ تكفير القرضاوي لهم، زادت محنة القرآنيين، فقد تسبب تكفيره لأناس مسالمين وبشكل علني ‏في تحريض الناس والأمن عليهم، لتقوم المباحث المؤمنة الورعة باعتقال رضا لأن فكره ضال ‏ومنحرف فقد أصبح لديها فتوى من "مرجعية" إسلامية لا تجيز اعتقال رضا فقط بل وقتله أيضاً.. ‏

انحطاط الضمير
كنت قد كتبت قبلا عن غياب الضمير الأخلاقي العربي، ورغم أني أعرف هذا إلا أنه فاجأتني تعليقات ‏الإسلاميين المتشفية والمحرضة على اعتقال البقية الباقية من القرآنيين، ويحضرني هنا حكاية في ‏تراثنا تقول أن رجلا يركب حصانه في الصحراء وجد رجلاً آخر مرمى على الأرض؛ فنزل عن ‏حصانه ليرى ما الأمر؛ فقال له الرجل المرمي أنه لم يعد يقوى على المسير، فاركبه حصانه وسار ‏بجواره على رجليه، بعد أن اعتلى ذاك الرجل الحصان لكزه هارباً بالحصان... ناداه صاحب الحصان ‏وقال له أرجوك خذ الحصان لكن لا تحدث أحداً بما فعلت لأنك بهذا تقطع المعروف بين الناس..! ‏كيف سيطلب الإسلاميون بعد قليل من الآخرين أن يتضامنوا معهم عندما تصبح مباحث أمن الدولة ‏علمانية وتعتبرهم خطرا عليها وتعتقلهم... ‏
‏ ‏
اسمع .. اسمع يا رضا
امبارح كنّا عـ الحديد
وهلأ صرنا عـ الحديد
وكل شي عم يغلا ويزيد
‏...‏
فقط نحن البشر في هذه المنطقة من العالم نرخص يا رضا ‏








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاصيل مقترح بايدن من تبادل الأسرى حتى إعمار غزة


.. شاهد: أحداث شغب في ملعب صوفيا الوطني في بلغاريا: إصابة 3 من




.. أبو حمزة: الطريق الوحيد لاستعادة الأسرى هو الانسحاب من غزة


.. جبال من القمامة بالقرب من خيام النازحين جنوب غزة




.. أردنيون يتظاهرون وسط العاصمة عمان ضد الحرب الإسرائيلية على ق