الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حمار جحا أو في انتظار المهدي

أحمد الفيتوري

2009 / 2 / 10
كتابات ساخرة


تشغلني الدنيا بما لم افعل أكثر مما بما افعل ،ورغم أنه من طبعي أن انغمس في عملي عن كل شيء فإن ما أعطيه ظهري ينهشني من لحم انشغالي .
ولدت في عائلة كبيرة ومتوسطة الحال لذا عملت منذ الطفولة ،كان ابي يفيقني من النوم بعد الفجر مباشرة كي اساعده في كتابة الارقام لدين زبائنه في الدكانة ، حدث ذلك عقب دخولي السنة الاولي الابتدائية ومقدرتي علي كتابة الارقام ، عقب تسجيل الارقام كان علي أن اذهب لمدرستي التي أعود منها الي الدكانة كي اواصل مساعدة أبي .
هكذا لم يتح لي فراغ اللعب .
وعلي هذا سارت حياتي ، لكن المفاجاة أن الانشغال عن الناس بالناس لا يكفي كي تتقي فرض وجودهم علي حياتك ، وقد يكون الأمر علي العكس فقد يحدث أن المجانبة تستدعي المعاكسة وتجلب النظر.
في بدء الشباب اخذتني الكتب ؛ كتب الناس عن الناس فصار معي ما صار مع جحا وقصة الحمار الشهيرة التي اذكركم بها بالمفيد: كان لدي جحا حمار وحيد وولد وحيد، وكان ان ركب الحمار هو وحده عابه الناس، وان اركب ولده وحده عابه الناس،وان ركبا معا هو وولده الحمار عابه الناس، وان ترك الحمار وسارا هو والولد علي الارجل عابه الناس ، أخير حمل هو وولده الحمار علي أكتافهما.
هكذا طاله الشرر وان تسور عن النار بالنفس والنفيس منها وهي الوحدة .
لعل أن لا شغل لك مدعاة للانشغال بالغير ، فالفاضي يقول الناس يصير قاضيا ، وفي مجتمع مثلما بلادنا ليس لدي الناس ما يفعلونه؛ فهم جميعا في انتظار المطر، وشغلهم في موسم نتاجه وبقية العام دون شغل ، والدولة الريعية مثلما دولتنا تجني محصودها ذهبا أصفر من ذهب أسود من باطن الأرض التي جادت بمطرها الذهبي هذا ، وهكذا جني تحصيل حاصل يقوم به من بحاجة لهذا المعدن ؛ البترول والدولة دولتنا ليست بحاجة لغير جهد قابض الارواح ، لهذا الدولة كما الناس لا شغل لها غير انتظار الآجال لقبض الروح علي شكل دولار.
لعل هذا من لزوم ما لا يلزم فقد حول الدولار الدولة والناس كما المطر لحالة المنتظر ، الكل في انتظار المهدي.وقوت الاجساد من هذا الانتظار لهذا تنشغل الارواح بالانتظار في ذاته .
من جهتي حين انشغلت عن الدولة بالشغل الثقافي في صحفها بعد أن أممت هذه الدولة حياتنا ، كالتني هذه الدولة بتهمة مقدرة ومطبوعة علي قدر المرحلة؛ من ليس معها هو عدوها آنذاك كانت تهمة العصر كل من ليس مع الدولة متمرد عليها، وصورة هذا التمرد : الشيوعية خاصة في سبعينات القرن العشرين حين كانت الشيوعية تحتضر، ولذا زجت بنا في حضنها الذي هو السجن بعقوبة لا تزيد عن المؤبد.وفي السجن - كما في الحياة خارجه في البلاد - المكان يضيق بمن لا شغل له ، لهذا كان السجن محلا لدعاوي ومماحكات لا تنتهي .
كنت كابن لعادة منشغلا في ما تيسر من كتب أو فيما لا يتيسر من كتابة، لكن الانشغال جلاب نظر وتخصيب لكلام ، وبذا ستكون مجالا يغطيه كل كسول بتسفيه ما تفعل وكل غضوب من حاله بتجريحك.
اصدرنا وومن كان صنوي مجلة وكتبا ساعتها عدت من الامور التي تجلب حنق السلطة ، وعد عملنا تحرش بأمن الجماعة السجينة وتحريض لضغينة الحرس عليها ، فيما بعد ستحلف الايمانات الغلاظ بأن هذا العمل الذي كان سببا للخوف هو من نتاجهم وسيعد من مفاخرهم .
هكذا ستسجن بتهمة من دولة لم تجد ما تفعل لناسها ففعلت بناسها فعل الاقصاء وافتعلت لنفسها أعدا خطرين استبعدتهم من الحياة .هكذا ستسجن مع مساجين لا حول لهم، وستسجن أيضا بقوة هذه الجماعة السجينة الخائفة في السجن من السجن . هذا لأنه لكل سيء مستويات كما لكل جميل ؛ المقصي يقصي محيطه عنه فكأنه حين يضطهد غيره يسترد نفسه من مضطهديه.
كنت في جريدة الاسبوع الثقافي في طرابلس الغرب مشغول- بالجريدة واصدار ملفات اسبوعية ثقافية - عما يحصل في البلاد التي تتحول إلي الاشتراكية؛ الاشتراكية التي جرفنا سيلها كشيوعيين الاعداء المفترضين لهكذا تحول ، فقد تحولنا دون أن نعرف سببا الي يساريين مرضى وجب حجرهم .لقد تم تأميم البلاد وثروتها لتكون في يد الشعب الذي تحول إلي أمنا الغولة لا يعجبه العجب وكنا العجب ، لقد صارت حريتنا المزعومة حجرا لحرية الشعب المأمولة.
وفي بلاد ضاقت بنفسها كانت النفوس تضيق علي كل شيء وبكل شيء ، ومن نتاج هذا الضيق مقاضاة الناس علي ما لا يفعلونه .وبعد الخروج من سجن البلاد إلي البلاد طالنا ضيق البلاد بنفسها ، فمن الحجر الصحي الذي عشت فيه سنونا عشر بات علينا ملاقاة الناس في حجر من حذر؛ فمرض كهذا يحتاج إلي نقاهة الدهر .
ومن عاش عادة العمر أكمل الدهر وعادته لصيقه وتؤم روحه؛ عدت لسابق عهدي منشغلا عن الناس بكتب الناس وثقافتهم وفنونهم ، لكن كما عدت لعادتي كانت البلاد علي عادتها ثابته لا تتزحزح معاداة للعقل ونتاجه الفكر ، وحرصا علي أن لا يكون لأحد السبق فليس ثمة سباق في حياة الانتظار هذه ، فالمأمول حسن الختام والختمة عند المهدوي الذي ليس لأحد السبق في انتظاره فالموت طبيعة وليس تطبعا ممكنا.
لقد وجدنا أهلنا في طابور لا حد له و لا وقت؛ الجميع يعزي والجميع يتلقي العزاء ، وفي دائرة لا أول و لا أخر لها ، مركزها حالة انتظار لا تنتظر أحد و لا عقيدة لها في حدوث شيء .وفي حال كهذا تلقينا سيل السباب والشتم علي أي فعل وتم محاصرة أي تطلع ، أحيانا ثمة تبرير باعتبارنا في نقاهة هي من لزوم ما يلزم وأمس أمر أن نستكين حتى نتنقه من نافل القول ، وأغلب الوقت دون أي تبرير.
بعد الخروج من السجن عملت في مجلة لا؛ المجلة التي عدها كل أحد أنها ليست له وعلي هذا فهي غير لازمة، وشغل من شغل بها كي تغلق التي كما السفاح ينكره حتى أهله . وحين كانت لا كان الجمع كالعادة مشغول بحياته عن حياته، منغمس في قوت يومه عن يومه، لكن هذا لمنشغل المغموس لديه من الوقت زيادة مضطردة تلزمه بشجب عمل من يعملون، ومرة ثانية عشت – كما عاش كل من يعمل - بين المطرقة والسندان وكأن البلاد محل حدادة .
ما تقدم لخص مستقبلا مزدهرا بالتهم والسباب وخصب مفردات وجماعات من الكلام البذيء،
حتى يومنا هذا بعد أن وكدت النفس علي التحصن بالعزلة جذبت العزلة المنتجة الكثير من التهجم ممن لا أعرف ومن أعرف ، وهذا أمر لا أختص به .
وكثيرا ما كنت أعلق أننا كما دفعنا ثمنا من أجل الحرية فإن المرء يدفع أيضا ثمن ما تحقق منها .











التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيلم السرب يتخطى 8 ملايين جنيه في شباك التذاكر خلال 4 أيام ع


.. الفنان محمد عبده يكشف عبر برنامج -تفاعلكم- أنه يتلقى الكيماو




.. حوار من المسافة صفر | الفنان نداء ابو مراد | 2024-05-05


.. الشاعر كامل فرحان: الدين هو نفسه الشعر




.. جريمة صادمة في مصر.. أب وأم يدفنان ابنهما بعد تعذيبه بالضرب