الحوار المتمدن - موبايل


الأنا ، و إيحاءات الأشياء الصغيرة .. قراءة في اسمي ليس صعبا ل فاطمة ناعوت

محمد سمير عبد السلام

2009 / 2 / 22
الادب والفن


تكتب فاطمة ناعوت نصا شعريا تتداخل فيه علامات السيرة المتخيلة ، بأفكار الوجود ، و العدم ، و الغياب ، و التحرر الأنثوي ، و العلاقة الإبداعية بالآخر ، و كذلك قدرة الوعي النسائي على صنع عوالم تخيلية من الجزئي ، و اليومي ، و الظواهر الكونية ، و تستكمل في ديوانها ( اسمي ليس صعبا ) – عن دار الدار بالقاهرة 2009 – هذه الازدواجية الفنية بين الوعي الذاتي ، بما يحمل من قدرة إنتاجية على إعادة قراءة نفسه ، من خلال تطور النص ، و المجالات الإيحائية اللانهائية للأشياء الجزئية بوصفها استعارة غير مكتملة ؛ لأنها دائما في حالة توحد بالوعي الأنثوي في حالته النصية المجازية .
و لا يمكن تأويل نصوص الديوان إلا من خلال العلاقة الإنتاجية بين الوعي ، و العلامات الاستعارية التي تدخله في مجالات كثيرة من التحول ، و الاستبدال ، و إعادة التكوين ؛ فحدث الولادة المتكرر يستعيد صوت الأم ، في بكارة جديدة ، تشبه تجدد الربيع ، و الحياة في الأسطورة ، و يظل الوعي الذاتي معلقا في هذا الحدث الدائري الذي بدأ من مقاومة الغياب ، أو إعادة قراءة الغياب ؛ فهي عودة نصية متمردة على السياق الأصلي ، و يعمل فيها الحضور ، و الغياب ، و التجدد المعلق بتكرار الولادة من الأم مرة أخرى في وقت واحد .
في تطور النص – إذا – تكمن حركة التاريخ ، و هدمه المجازي معا ؛ لإنشاء حدث هو بحد ذاته مجموعة من العلاقات الطيفية الأدبية الجديدة التي تتسم بالطليعية ، و التمرد على المجال الأول لمدلولي الأنا ، و الأشياء .
و انطلاقا من هذا المنظور الشعري المجدد يصير النص تشكيلا تداخليا من العلامات الكونية / النصية التي تمزج الأنا ، و الآخر ، و الانفعالات ، و الإيحاءات ، و الأشياء الصغيرة ، و دوال الأنوثة بصورة جمالية ، و تأويلية لوعي الشاعرة في أقصى الحالات الجزئية لحضوره الإنساني .
و يصف رولان بارت اللذة النصية بنشوئها في كتابة تقضي على كل لغة واصفة لعلم ، أو سبب ، و يمتد التناقض فيها إلى فئتها الاستدلالية الخاصة ، كما تعمل فيها القوى المتضادة دون خصومة ، و هي تشبه المهرج الذي لا يضحك ( راجع / رولان بارت / لذة النص / ت د منذر عياشي / مركز الإنماء الحضاري مع لوسوي بباريس 1992 ص 61 و 63 ) .
ثمة لذة للاكتشاف في هذه الكتابة الطليعية عند رولان بارت ، فهي تحقق ما لا يمكن تصوره طبقا للمدلول الأول دائما ، و هو التكوين العلاماتي الجديد المتناقض ، و الحر في إعادة تشكيل الوعي المنتج له ، و هو ما نجده في ديوان فاطمة ناعوت ؛ فهي تبدأ من لحظة توحد استثنائية ، تتطور نصيا حتى تعيد اكتشاف تاريخها السابق في فرح ، يقاوم الغياب ، و كذلك التعارض بين الأنا ، و الآخر ؛ فقد يتوحد صوتها بالأم من خلال وسيط الفاصوليا ، و ينبثق منه صوت مختلط مرح يناهض العدم ، و قد نرى الملعقة الخشبية تحمل أطياف الحب ، و العدوان ، و الظواهر الكونية ، و تمثل الاحتواء الأنثوي ، و الصوت الذكوري معا ، أو يتجسد اللون الأبيض ناقصا ، و وحيدا لكنه يحمل روائح الأم ، و صوتها ، و كأنه ينتشر ، و يتكاثر بشكل أسطوري ؛ لكي يبعثها في صورة جديدة مختلطة كبديل عن وجوده كأثر للغياب .
إن فاطمة ناعوت تكتب الظواهر ، و العناصر ، و الأشياء كمجالات تمارس حالة من الانجذاب المستمر للإدراك في اتصاله الروحي ، و العلاماتي بالعالم ، و إيحاءاته ، و من ثم فهي كتابة تمارس الخروج عن مركزية الوعي بينما تعود إلى إعادة تشكيله دائما انطلاقا من حالتي الجذب ، و التداخل بين العوالم المختلفة ؛ فقد تبدأ بوصف الآخر / الرجل كمدلول مستقل ثم نراه متوحدا ، أو منفصلا ، أو مدخلا لقراءة التاريخ البشري ، و تناقضاته .
في نص ( أخاف اللون الأبيض ) تنتشر الدوال البيضاء ، و تتكاثر في الكتابة الشعرية ، و كأنها تستعيد صوت الأم الحي ؛ فهي أثر لذلك الوجود الغائب ، و في الوقت نفسه تشير إلى الغياب ، و الفراغ ، و الرعب في بنيتها الخاصة .
تقول :
" و ماذا أفعل بأكياس الأرز و السكر / و بازلاء مجففة / و رؤوس ثوم / أتعثر بها في مطبخك / ماذا أعمل بالثلج عشش في أركان البيت / بقطتك البيضاء / تقعي في الصالة في صمت / تنظر إلى باب الشقة / ترجف أذناها / مع كل قدم على السلم " .
إنها تنتظر حضورا آخر للأم ، و لصوت الشاعرة أيضا ، ثمة حدث في النص يوشك أن يحدث عقب تداعيات اللون الأبيض ، وجود طيفي ، أو صمت مطلق ، أو عودة مكملة للأثر المجرد ، و المعلق في عملية الكتابة ، و من ثم تلتحم العلامات بالتاريخ الجديد في مجال إبداعي .
إن وحدة الأثر / الأبيض حالة استثنائية ، و غريبة في النص ؛ لأنها في حالة اتصال ، و تحويل ديناميكي لعلامة الأم في حضورها التاريخي الأول ، ثم استشرافها من خلال الجزء الحسي ، أو المادي في الأثر نفسه ، و الذي يقاوم الغياب المطلق ، فالعودة كامنة في تداعيات اللون الأبيض ، كأحد عمليات انتشار صوت الأم ، و تاريخ الذات المتكلمة معا .
و قد يصير الاختلاف بحد ذاته موضوعا لإدراك العوالم الجزئية داخل الذات ، و خارجها دون انفصال واضح في نص ( Cheese Cake ) ، و هو اختلاف داخل بنية العلامة المتخيلة ، و من ثم فهو يقوم على التمرد الذاتي ، و التداخل مع الآخر ؛ لأنه يقوض عملية الاستقلال المطلق للعلامة ، أو السياق ، و يحطم الجدران بين التكوينات المنعزلة ، و كأننا نمارس حالة الكتابة خارج النص مثلما يعمل التشبيه على إعادة الإنتاج بداخله .
تقول :
" حتى شفتي / حين تحن إلى تمتمة حروف اسمك / تكون كالطفل يبصر العالم / كي يحبه / فهل الطفولة ذنب ؟ / ... الاسم الفرنسي / Café Rouge / في الشارع الإنجليزي / مفارقة أخرى / تشبه مفارقة الكرز الأحمر مع الجبن المالح / في كعكتنا المتروكة جانبا / تشبه مفارقة الحب ، و الهجر في حكايتنا " .
هل تحول العالم إلى تأويل للاختلاف الذاتي في وعي ، و لاوعي الشاعرة ؟ ، أم أنها أحد تجلياته النصية / الانشطارية ؟
لا يمكن فهم الاختلاف ، و المفارقة في النص دون عملية التداخل بين الانفعالات ، و الأزمنة ، و الأماكن ، و الشخوص ؛ فثمة لا مركزية أصيلة تتكرر بشكل كوني ، و يومي ، و يعمل من خلالها الوعي كأحد تجلياتها دون أن يكون مهيمنا عليها ، فهو يتوحد بها ، ليكتشف الاختلاف ، لا اكتمال التوحد ، و التوافق .
و قد تحدث الذات المتكلمة انشطارا ديناميكيا في مدلول الأنوثة في نص ( دمية خشبية ) ؛ فالشاعرة تعيد إنتاج الأنا من خلال أخيلة الدمية ، و تناقضاتها الذاتية ، و مسارها المضاد للمرأة التقليدية ، و هي جزء من الحكي ؛ أي تتجلى كوظيفة سردية تؤكد تلاشي المدلول الأول ، كأنها نبعت من شاعرية النص ؛ لتنحرف بوعي عن النموذج ، أو تفككه .
تقول :
" و الآن / لنفرض أنك تحكي لها عن عروس خشبية / كانت تخصك / لا تتقن فنون المهرة / و حلمت أن تكون امرأة / لكنها أخفقت / و لما حاولت قص خيوطها / تفككت أوصالها / و ماتت غارقة في جفافها " .
لقد تمردت الدمية من خلال الصمت ، و ذابت في الغياب ؛ لتنفي عن نفسها أي مدلول نموذجي ، و تحول الصمت إلى حكاية شعرية مستمرة ، و منتجة لخصوصية متغيرة .
و تعيد فاطمة ناعوت قراءة أفكار التعارض ، و الانفصال ، و الإكمال بين الأنا ، و الآخر في نص ( بقعة ) ، و ترتكز على عملية توليد العوالم المتشابهة ، و تداخلها المؤكد لحالتي التعارض ، و التوحد ؛ فالنص يخفف من حدة آخرية الآخر انطلاقا من فكرة النوع ؛ إذ تتكرر صورة الأنا و الآخر في سياق الاختلاف عن الأصل ؛ و هو الانفصال ، و يصيران تأويلا استثنائيا يحقق الاندماج من خلال السلب ، و التمرد ، و المغايرة .
تقول :
" حادث طريق / لأن سيارتين تحتلان بقعة الأرض نفسها / في اللحظة نفسها / حرب / لأن دولتين تريدان الأرض ذاتها / أيضا / يا أخي / لست سيارة أنا / و أنت لست دولة " .
و تختلط بهجة الالتحام بالسلب ، و الفراغ في نص ( ثقب ) ؛ فالثقب هنا يلازم البهجة ، و المرح ، و يتشكل من خلالهما ، إنهما سر وجوده ، و لكنه لا يمنحهما وجودا مستقرا ؛ فهو تكرار للبهجة ، و العدم معا دون نهاية حاسمة .
تقول :
" تضمني / ينشق الجب ، و تبزغ زهرة / أصابعك بشعري / حتى الجنادب تغني / لكن ثقبا في القلب / يسقط منه الفرح " .
لقد ظهر الثقب كأنه استثناء ، أو ظاهرة فريدة تحاكي زهرة الحب ، و من خلال هذا الظهور المفاجئ يؤول الثقب لحظة التوحد من خلال الفراغ الذي يسبقها ، و يعيد تكوينها في حالة بين البروز ، و المحو دائما .
و في نص ( 18 – 9 – 1964 ) - و هو تاريخ ميلاد الشاعرة - يتكرر حدث الولادة بوصفه وجودا معلقا دائما بين الظهور ، و الاحتجاب ، و يرتبط هذا الوجود بصورة الأم المقدسة في لاوعي الشاعرة ، و من ثم تظل الأم جزءا من صوتها الخاص ، و تقاوم الغياب المطلق ، مثلما تتكرر ولادة الشاعرة بين لحظات الاختفاء ، و الظهور ، هل كانت الولادة استبدالا مستمرا للعدم ، و النهايات الحاسمة ؟ أم أنها قراءة أخرى للوجود في لحظات التحامه بالأمومة المجردة الكامنة في اللاوعي ؟
تقول :
" أنا حبة فاصوليا / و أمي قشرة / و مازلت أحاول الخروج إليكم " .
و قد تناهض العلامات ، و الأخيلة الأنثوية حالة الانفصال العبثي عن الآخر ، و العالم في نص ( أنف وحيد ) ؛ فالدوال في هذا النص تجمع بين الحضور المستقل ، و إعادة التشكل من خلال الأخيلة الأنثوية التي تكسبها سمات جديدة ، و حالة من التواصل ، و التداخل الخفي .
تقول :
" بينما من الفنجان الوحيد / يصعد / خيط نحيل من البخار / ساكت / واهن / يتراقص في منحنيات ضجرة / ليبحث في صعوبة / عن أنف السيدة التي / لا أحد يزورها " .
لقد امتزج الوعي الأنثوي بلعب العلامات الجزئية ؛ ليمنحها حياة أخرى مضادة للمسارات المنعزلة ؛ فخيط البخار يجمع بين الرقة الأنثوية ، و الرغبة في الالتحام بالأنف ، الذي يشارك في لعبة المسارات المتداخلة ، و ينتمي للصوت المؤنث أيضا .
و تعلو إيحاءات العبث ، و التمرد في نص ( تكوين ) ؛ فثمة إرادة داخلية تتجاوز التكوين ، و تحدث فيه انشطارا ، أو طفرة ، هي طفرة السؤال الكامنة في الوجود البيولوجي ، و المناهضة له . هل هي الشعر ؟ أم النزعة الإبداعية التي تعيد تكوين الذات ، و الأشياء ؟
تقول :
" تمثال رديء الصنع يتشكل / قدمان فساقان فجذع فصدر فذراعان / ثم رأس / أذنان و فم واحد / يعني يتكلم قليلا و ينصت كثيرا / ألم نقل جيد الصنع هو / يحملني الرأس شهورا تسعة / ثم يبصقني " .
إن التمثال ، و هو دال الوجود النموذجي يتشكل انطلاقا من قاعدة ، تمتزج في النص بالثورة ، و محاولة الخروج الإبداعي عن إطارها دائما ، فهناك انفصال عدائي بين الصوت الشعري ، و التمثال ؛ إذ يصفه الأول بالرداءة ، و الآخر يبصقه ؛ أي يشكله على النموذج ، و من خلال هذا الانفصال يبدأ الصوت في تجديد هويته .
و تتحول الذكريات ، و الانفعالات ، و الخبرات الذاتية إلى آثار مادية طيفية في نص ( قبعة ) ؛ فقد انتقلت من مجال الوعي ، إلى الحركية النصية التي امتزج فيها الرأس بالشجرة بكل ما تحمله من دلالات أسطورية ، و من ثم تحولت الأفكار الشبحية ، إلى كتل صلبة متخيلة تعزز من قدرة الانفعالات ، أو الأفكار على الظهور ، و الانتشار ، و الامتداد في الزمن ، و إعادة تشكيل الهوية .
تقول :
" لكن هذا طبيعي . أقصد أن يكبر رأسي كل يوم مليمترا على الأقل . و إلا أين تذهب كل الصفعات ، و الصداع ، و البهجات حتى ، إن لم تكن تتكاثف في طبقات كلسية صلبة حول الجمجمة ؟ مثلما السنوات تتراكم دوائر ، و حلقات حول نسغ الشجرة " .
إن الأثر في النص ، و هو الانفعال ، أو الفكرة ينتقل من كونه هامشا للذات ، إلى ولوج الأصل ، و تشكيل بنيته المادية .
و في نص ( ملعقة خشبية ) يرتبط الآخر منذ البداية ، بالوعي الأنثوي ، و العلامات الأنثوية ؛ فالآخر هنا داخل الذات ، و خارجها ، و يجمع بين الامتداد في لاوعي المتكلمة ، و حضوره المختلف ، و من خلاله تمتزج العوالم الجزئية ، و الانفعالات المتناقضة ، و الأحداث التاريخية ، و لكن من خلال علامة الملعقة الأنثوية ، فالآخر يكتسب منها الفاعلية الكونية ، و لحظات التوحد ، و الاختلاف .
تقول :
" سأسميك أبي / لأنك كنت قبلي / و أسميك ابني / لأنك ستكون بعدي / و هذا الإناء / الذي بين يديك / تقلب فيه بملعقة من خشب : حزنا ، و فرحا ، و موسيقا ... و رحما ينتج أطفالا بلا عدد ، سودا ، و بيضا ، و صفرا ، متوحدين ... / و تصوغ الطمي تماثيل و لوحات / .. على أنني حين حرب تقوم .. أرتبك و لا أعرف أن أصفك " .
إن حضور الآخر هنا فني ، و أسطوري ، و كوني ، و يكتسب قوته من وعي الأنثى ، و من داخله يشكل صورته الأولى قبل أن يكون الآخر .

محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا يعني التنازل عن الملكية الفكرية للقاحات كورونا؟


.. شاهد: مظاهرات بالشموع والموسيقى احتجاجا على الأوضاع الاقتصاد


.. سر العلقة الساخنة من تحية كاريوكا للفنانة رجاء الجداوى مع ال




.. الرجل الأول في فيلم الرجل الثاني.. لواء الشرطة الذي أغرته ال


.. هاجر ومحمود اتحدوا النار والحروق بالحب.. حكايتهم أقوى من أفل