الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الاسرائيليون والفلسطينيون: مثل الثعالب في قصة شمشون

ناجي نصر

2009 / 4 / 5
مواضيع وابحاث سياسية



بقلم ديفيد غروسمان
مقدمة: (المترجم)

يعتبر ديفيد غروسمان أحد أبرز المثقفين الاسرائيليين اليوم، ولد عام 1954، كتب العديد من الكتب و المقالات الفكرية والسياسية الهامة وفقد ابنه "يوري" في الحرب على لبنان، هناك من يراه مثقفا يساريا مستنيرا، وهناك من لا يرى في لب خطابه " شيئا غير الإحساس بالتفوق اليهودي، وحتى ترميم وصيانة جدول الأعمال الصهيوني العنصري القديم الفج ذاته" (جلعاد عتصمون: تفكيك ديفيد غروسمان). و اذ اترجم هذا المقال فإني أقوم بذلك لأهمية الانتقادات الواردة فيه للدولة الصهيونية وخصوصا في حربها الأخيرة على غزة.



مثل ازواج الثعالب في قصة شمشون التوراتية، مربوطة بذيولها ، والنار تشتعل بها، كذلك نحن الاسرائيليون والفلسطينيون، على الرغم من اختلال ميزان القوى، فاننا معا ننجر نحو الكارثة. حتى عندما نحاول بجد انتزاع أنفسنا، نحرق الحبل المربوط بنا ، كلانا ،حظنا عاثر، فضلا عن أنفسنا.

وهكذا وسط موجة الغلو القومي السائد في اسرائيل، يجب أن لا ننسى أن العملية الأخيرة في غزة لم تكن النهاية، وإنما محطة جديدة في طريق يسير باتجاه واحد، معبدّة بالنار، والعنف، والكراهية، في هذا الطريق، أحيانا يكون هناك الانتصار واحيانا أخرى الهزيمة، ولكن في النهاية دائما هناك الخراب.

في الوقت الذي نحتفل فيه نحن الاسرائيليون، لأن هذه الحملة أصلحت الاخطاء العسكرية للحرب الثانية في لبنان، ينبغي أن نصغي إلى الأصوات التي تقول أن انتصارات قوى الدفاع الاسرائيلية (FDI) ليست دليلا واضحا على ان اسرائيل كانت على حق في شن عملية بهذا الحجم ، وبالتأكيد، لا تبرر طريقة إنجاز المهمة، انجازات ال (FDI) تؤكد فقط أن إسرائيل هي أقوى بكثير من حركة حماس ، وفي ظروف معينة، فإن اسرائيل ممكن أن تظهر شديدة القسوة والوحشية .

ومع ذلك، وبعد نهاية العلمليات، الآن و الكل يعرف حجم الدمار و المجازر، ربما أصبح المجتمع الاسرائيلي قادرا للحظة على التحكم بما لديه من آليات قمع معقدة و اعتداد بالنفس، وربما بعد ذلك تطبع في الوعي الاسرائيلي شكل ما من أشكال التعلّم. وربما في النهاية ندرك شيئا عميقا وأساسيا: وهو أن سلوكنا في هذه المنطقة، ومنذ وقت طويل، خاطئ، و غير أخلاقي، وغير حكيم، وبالتحديد، فإنه يؤجج بلا انقطاع ألسنة اللهب التي تلتهمنا.

وبطبيعة الحال، لا يمكن مسامحة الفلسطينيين على أخطائهم وجرائمهم، لأنه سيكون علامة شفقة ورفق بهم، كما لو أنهم ليسوا راشدين وغير مسؤولين عن عيوبهم وأخطائهم.

صحيح أن سكان قطاع غزة إلى حد كبير كانوا "مخنوقين" من إسرائيل، ولكن كانت لديهم أيضا خيارات أخرى، وغير ذلك من أشكال الاحتجاج، من أجل التعريف بمحنتهم، إطلاق آلاف الصواريخ ضد المدنيين الأبرياء في إسرائيل ليس الخيار الوحيد لديهم. يجب ان لا ننسى، يجب ان لا نغفر للفلسطينيين، كما لو أنه من الطبيعي أنهم عندما يعانون من مصاعب فإن ردهم وبشكل شبه أوتوماتيكي لا بد أن يكون العنف. ولكن حتى عندما يلجأ الفلسطينييون إلى الحرب الطائشة - بتفجيرات انتحارية وصواريخ القسام - اسرائيل التي هي أقوى بكثير منهم، لديها قدرة هائلة على التحكم في مستوى العنف من الصراع بشكل عام. وبالتالي، يمكن أن يكون لها تأثير عميق في لحظة ارضاء الروح والبدء باخراج الجانبين من دوامة العنف هذه. العمل العسكري الأخير في غزة يدل على أنه لا يوجد في السلطات الاسرائيلية أحد يفهم هذا الأمر، هذا الجانب الاساسي والجوهري من النزاع.

بعد كل ماجرى، سيأتي اليوم الذي نسعى فيه لتضميد الجراح التي فتحناها، كيف يمكن أن يأتي هذا اليوم اذا كنا نحن الاسرائيليون نرفض الاقرار بأن قوتنا العسكرية لا يمكن أن تكون أداتنا الرئيسية من أجل ترسيخ وجودنا في هذه المنطقة، مع الدول العربية المجاورة؟ كيف يمكن أن نصل إلى هذا اليوم إذا كنا نحن الاسرائيليون لا يمكن أن نفهم مسؤوليتنا الكبيرة التي تفرضها علينا العلاقات المتعددة والمصيرية، في الماضي و في المستقبل، مع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وفي قطاع غزة وفي اسرائيل نفسها؟

عندما تنقشع سحب دخان تصريحات السياسيين عن انتصار واسع وحاسم، وعندما نفهم حقيقة ما حصدناه من العملية العسكرية في غزة، والتباين الكبير بين هذه التصريحات وما نحتاج معرفته حقيقة لنعيش حياة طبيعية في هذه المنطقة، عندما نعترف بأن أمة بأكملها نامت مغناطيسيا لأنها كانت تحتاج للاعتقاد بأن غزة ستعالج أمراض لبنان. بعد ذلك نستطيع توجيه اهتمامنا لاؤلئك الذين، مرة تلو الأخرى، يحرضون على الغطرسة ونشوة القوة للمجتمع الاسرائيلي، منذ سنوات كثيرة علمونا احتقار الايمان بالسلام وبأي أمل بتغيير طبيعة علاقاتنا مع العرب. تجاه اولئك الذين أقنعونا أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، ولذلك لا يسعنا أن نتحدث معهم إلا بتلك اللغة، كما تكلمنا كثيرا في السابق معهم بهذه الطريقة، و كأنها اللغة الوحيدة ، نسينا أن هناك لغات أخرى يمكن استخدامها لاجراء محادثات مع سائر البشر، حتى مع الأعداء، حتى مع أعداء لدودين كحماس، هذه اللغات قد تكون مثل لغتنا الأم كما يمكن أن تكون لغة الطائرات والدبابات.

التحدث مع الفلسطينيين يجب ان يكون العبرة الاساسية لاندلاع الحرب الدموية الأخيرة، التحدث حتى مع اولئك الذين لا يعترفون بحقنا بالوجود هنا، بدلا من تجاهل حماس من المناسب استغلال الوضع الجديد والبدء بحوار يجعل من الممكن الوصول لاتفاق مع الشعب الفلسطيني بمجمله، التحدث من أجل فهم أن الواقع ليس فقط القصة المحكمة التي رويناها نحن و الفلسطينيون عبر الأجيال والتي في جزء كبير منها مكونة من أوهام، ورغبات، وكوابيس. التحدث في هذا الواقع الأصم والمبهم، من أجل خلق فرصة للحوار، من أجل ان يكون لدينا كهكذا بديل جديد محتقر ومنسي في عاصفة الحرب، حيث لا يوجد إمكانية للحديث عن أي أمل، ولا عن مؤمنين به.

التحدث كاستراتيجية مدروسة، والشروع في الحوار، والاصرار على التواصل، التحدث إلى الجدران، التحدث على الرغم من أنه قد يبدو بلا جدوى، على المدى البعيد، هذا الاصرار يمكن أن يكون مفيدا من أجل مستقبلنا أكثر من مئات الطائرات التي تلقي القنابل على مدينة وسكانها، التحدث انطلاقا من الادراك، المولود من رحم الأهوال التي شاهدناها للتو، من أن حجم الدمار الذي يمكن أن يخلفه بعضنا لبعض، كل شعب بطريقته، هو قوة هائلة ومفسدة، اذا ما استسلمنا لمنطقه، ففي التهاية، سيدمرنا جميعا.

التحدث، لأن ما حدث في غزة خلال ثلاثة أسابيع من هذا الشتاء، يضع أمام عيوننا، نحن الاسرائيليون، مرآة تعكس وجه يروعنا إذا ما نظرنا اليه للحظة واحدة من الخارج أو فيما لو راقبناه في بلد آخر. وسنفهم عندها أن نصرنا ليس نصراً حقيقياً وأن حرب غزة لم تساعدنا في العلاج الذي نحن بأمس الحاجة إليه.

ينشر بالتعاون مع فريق الترجمة في شبكة العلمانيين العرب http://www.3almani.org









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -حنين إلى موسوليني-.. مجموعات الفاشية الجديدة تنتشر في إيطال


.. إسرائيل تحشد دبابات وتتقدم في رفح وجباليا... وسط معارك ضارية




.. أمام -العدل الدولية-.. إسرائيل ترد على اتهامات الإبادة الجما


.. بالخريطة التفاعلية.. اشتباكات ضارية بين فصائل المقاومة والاح




.. غارات إسرائيلية استهدفت مخيم جباليا