الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


النسخة العراقية من الفساد الاداري ..اسباب متداخلة وحلول صعبة

عباس عبود سالم
كاتب وإعلامي

2009 / 4 / 25
الادارة و الاقتصاد


بذلت حكومة الوحدة الوطنية جهودا واضحة من اجل مكافحة الفساد الاداري الذي استشرى في مؤسسات ودوائر الدولة، نتيجة تركة هائلة من التقاليد الادارية البالية المتوارثة وابرزها، التخبط في اختيار الادارات العليا، وانعدام التخطيط في التعامل مع الكوادر والامكانات المتاحة، والاهمال الواضح للعلاقة بين الحاجة الفعلية وبين المتوفر من الطاقات والقدرات.
اضافة الى ذلك فأن الخلل الكبير الذي اصاب المؤسسات الحكومية بفعل سياسات صدام التي استنزفت قدرات العراق الاقتصادية والبشرية، ومزجت بين السياسي والاداري لترسيخ هيمنتها وطغيانها، قد اوصل الامور الى نهايات سيئة، ناهيك عن موجة السلب والنهب والتجاوزات على المال العام خلال وبعد انتهاء العمليات العسكرية في نيسان 2003.
وتنتعش مظاهر الرشوة والمحسوبية ومحاربة الكفاءات في البلدان التي يقوم الحكم فيها على الاجتهادات، وشخصنة السلطة والادارة، نتيجة عدم وجود نظام اداري ضابط، يستند الى آليات صحيحة، وارادة سياسية فاعلة، وراي عام مساند، وبالتالي ينعكس واقع التخلف فيها على الدافع الجمعي للافراد، بحكم غياب السلوك المؤسسي، والاسس البنيوية الصحيحية لتكوين المجتمع، وبناء الادارات والكوادر، وكل ذلك يؤدي الى شيوع استباحة المال العام والرشوة والمحسوبية والتجاوز على حقوق الغير، مع توليد حالة عدم الثقة لدى الشعب بأن المال العام بيد امينة مما يشجع على توسيع قاعدة الفساد وتوفير دوافع جديدة لمن ينضمون حديثا الى جيوش الفاسدين.
ونتيجة تراكمات وظروف مختلفة تحولت النسخة العراقية للفساد الاداري الى التحدي الاخطر الذي يواجه الدولة الجديدة القائمة على الديموقراطية والحرية واشاعة مفاهيم سلطة القانون.
وللاسف الشديد ورغم كل ماتحقق لدينا من تقدم في بنية المؤسسات السياسية المرتكزة على توسيع قاعدة المشاركة، الا ان التجاوزات مازالت هي القاعدة في الادارة العامة، وسياقات العمل الصحيحة هي الخلاف، والاخطر في الامر ان الفوضى جعلت من نفسها تقاليد ادارية متوارثة من النظام السابق وافرزت قواعد فاسدة من الموظفيين تتسابق في استغلال الموقع الوظيفي لخدمة مصالحها الخاصة، لذلك فمن الصعوبة التعامل معها او المساس بها وفق الاساليب الادارية الناجحة والهادفة الى تحقيق الغاية من الخدمة العامة.
وربما يكون اهم اسباب تلكوء معالجات الفساد الاداري هو اننا اعتدنا على تغيير القمة وترك القاعدة للظروف او المصادفات وبالتالي انعزال القمة عن القاعدة، بل الاخطر انه في بعض المؤسسات او الدوائر تشترك القمة والقاعدة في الفساد والافساد، او يتم خلق اوليغارشيات فاسدة من القاعدة بدعم من الادارات العليا او من يمثلها في منظمة الفساد التي تكون اقوى من المنظمة الحقيقية التابعة للدولة اي ان القاعدة تفسد القمة او العكس، مما يضع الحكومة في احراج كبير لعدم تحقيق برنامجها السياسي.
والحقيقة ان مشكلة فساد القواعد او الكوادر الوسطى والدنيا لايقل خطورة عن فساد الادارات العليا، لانها من يوفر الارضية للسلوك، ومن يصنع الادوات الضابطة والرادعة لانتهاك القوانين والتعليمات وسياقات العمل الوظيفي، التي اشتهرت بها البيروقراطية العراقية المتأثرة بالمدرسة الانكليزية والتقاليد العثمانية منذ عهد وزارة عبد الرحمن النقيب مطلع القرن العشرين، وبدات بالتآكل مع تدخل الجيش في السياسة ثم سيطرة البعث على السلطة، الذي عمل على مزج الاداري بالسياسي وادخال تصنيف حزبي يعتمد الدرجة الحزبية بشكل يتقدم على الدرجة الوظيفية.

لذلك كله فنحن امام مسؤولية الاستنارة بالنجاحات الادارية المعمول بها في الامم المتقدمة، و فك التشابك بين ماهو سياسي وبين ماهو اداري، والتخلص من العادات التي تولدت مع الاوضاع الخاصة التي عاشها العراق، ومحاولة اعادة تأهيل الكوادر الوسطى والدنيا وزجها في برامج تدريبية مستمرة، وارساء اسس نظام تقييم يضمن حقوق المجدين ويعاقب المقصرين، وتأسيس جامعة او كلية للقيادة خاصة لتدريب واعداد الكوادر القيادية بتمويل سخي، ومدربين اكفاء من جنسيات مختلفة، وبرامج تدريبية متطورة، بدل قفز الادارات العليا من الدوائر الضيقة للاحزاب الى الدوائر الواسعة للخدمة العامة وبدل الايفادات التي تتم لتدريب بعض المحظوظين بشكل غير مدروس، في دول مختلفة تجشم الدولة ميزانية كبيرة ولاتؤدي الهدف الذي تمت من اجله، ولابأس من ارسال المتفوقين الى الخارج للمعايشة فترة طويلة، وليس لتلقي العلوم النظرية في فنادق الخمس نجوم وماخفي كان اعظم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل نتوقع طروحات حكومية جديدة في البورصة في الربع الأول من ال


.. كلمة أخيرة - إيهما أفضل للاقتصاد.. الطرح في البورصة أم طرح ل




.. صندوق النقد الدولي يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 202


.. -بوينغ- توقف إنتاج طائرتها الشهيرة 747 بعد أكثر من نصف قرن ع




.. المشهديّة | ألمانيا في أميركا اللاتينية.. سباق اقتصادي مع ال