الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكاراكاسو تعود للحاضر بذاكرة لم تنس الجريمة

فنزويلا الاشتراكية

2009 / 4 / 25
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


ما كان للثورة البوليفارية في فنزويلا أن ترى النور وتتقدم إلى هذا المستوى من الازدهار لولا النضال التاريخي الذي أتاح لقائد الثورة أن يتولى حكما للبلاد بتشريع من الشعب الفنزويلي وما كان لهذا النضال بدوره أن يمضي في طريق النصر لولا ثار الشعب الفنزويلي على القيود الظالمة التي كانت تفتك به بكافة الطرق وقدم لقاء ذلك تضحيات كبيرة. فبينما كادت تخضع كل شعوب العالم لإملاءات صندوق النقد الدولي كان الشعب الفنزويلي هو أول شعب ثار اعتراضا على استغلال هذه الإملاءات لشعوب الأرض. وكان ذلك في أحداث غضب شعبي تم قمعها بما وصف بأبشع مجزرة في تاريخ أمريكا اللاتينية وهي الأحداث التي سميت باسم "الكاركاسو".
"تبقى الكاركاسو دوما علامة في تاريخ فنزويلا الحديث، فقد أفاق الفنزويليون في أحداث الكاركاسو ليكونوا أول شعب ثار ضد صندوق النقد الدولي وسياسات الليبرالية الجديدة القادمة من الإمبراطورية (الولايات المتحدة الأمريكية)." هذا ما قاله الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز يوم الجمعة 27 آذار/ مارس في الذكرى العشرين لأحداث الكاركاسو التي بدأت في نفس التاريخ عام 1989.

في أواخر الثمانينيات بدأت فنزويلا عهدا جديدا مع فوز كارلوس آندريس بيريز بالانتخابات الرئاسية واستلامه الحكم في كانون الثاني عام 1989. وفي الوقت الذي بدأ فيه بيريز بتطبيق خططه في أنحاء البلاد، كانت الأجواء المحيطة بفنزويلا ملائمة للانصياع إلى لأوامر الدولة العظمى التي كانت تتحكم في مصائر الشعور الأخرى وتستغلهم من خلال سياساتها الليبرالية خاصة وأن هذه الفترة تحديدا شهدت انهيارا لأحد القطبين العالميين. يقول الرئيس تشافيز في المقالة رقم 12 من سطوره الأسبوعية التي نشرت في 12 آذار/مارس "من أجل فهم الخلفية السياسية التي مر فيها هذا العهد الفنزويلي، فقد أدت البرسترويكا إلي تفكيك الاتحاد السوفييتي مما شكل صدمة كبرى لكافة ميادين النضال الثوري في العالم. وكانت حكومات أمريكا اللاتينية كلها ما عدا دولة كوبا الثورية الاشتراكية خاضعة لواشنطن وسياسة الليبرالية الجديدة الاستعمارية التي كانت تبثها عبر صندوق النقد الدولي."
في تلك الفترة وتحديدا في 2 شباط/ فبراير عام 1989 أتى بيريز للشعب الفنزويلي بصفقة غيّر من خلالها لا فقط تاريخ فنزويلا بل تاريخ القارة بأكملها. وكان ذلك بإعلانه أنه قد استلم دولة مفلسة وأن عليه أن يتصرف فأعطى بذلك نفسه الحق بتبني اتفاق الحزمة الجديدة التي بموجبها تم إلغاء معونة الغذاء الأساسي الحكومية، وإلغاء ضبط الأسعار، ورفع التعرفة، وتحرير المستوردات، وتخفيض مستوى العيش الكريم. وقد أدت هذه الإجراءات إلى رفع أسعار المحروقات بنسبة 100% وكافة الخدمات العامة بنسبة 50% وباختصار ربط القرار الاقتصادي للبلاد بصندوق النقد الدولي.

لقد اتبع بيريز هذه السياسة أملا في إقناع البنك الدولي بدفع مبالغ هائلة لبلاده ومساعدتها في أزمتها المالية وإلغاء جزء كبير من الديون المترتبة عليها، إلا أنه نسي أن هذه الإجراءات ستجري على حساب ملايين من الفقراء الذين لن يستطيعوا تحمل مثل هذه الأسعار.

وقد كان يوم 27 شباط/ فبراير هو اليوم الذي بدأ فيه الشعب بالتحرك. في صباح ذلك اليوم في كاركاس العاصمة بدأت تظاهرات شعبية نفذتها فئات مختلفة من الشعب الفنزويلي. في البداية كانت التظاهرات تندد بارتفاع ال100% على أسعار المواصلات التي اضطر أصحاب الحافلات لفرضها نتيجة للتغييرات الاقتصادية التي قادت ”الحزمة الجديدة“ البلاد لها. تحدث الشعب الفنزويلي بالملايين بصوت واحد لعدم قدرته على دفع أجور المواصلات التي كانت وسيلتهم الوحيدة للوصول إلى العمل والمدارس والجامعات.

أخذت التظاهرات بالانتشار في أنحاء العاصمة مع انضمام فئات أخرى من المجتمع أكثر فأكثر إلى صوت الرفض الشعبي الذي حول البلاد إلى مكان معطل تماما بينما تعاظم الغضب الشعبي مع مرور الوقت في ذلك اليوم إلى حد انضم الكثير من أفراد الجيش إلى صفوف الشعب رفضا لعدم تسلمهم رواتبهم الزهيدة أصلا.
إلا أن الرئيس بيريز لم يجعل الليلة تمضي دون أن يصدر أوامره إلى الجيش باستخدام القوة لفض التظاهرات وإسكات الشعب الغاضب. ومنذ تلك اللحظة، واصل الجيش لمدة أسبوع كامل ارتكاب أبشع المجازر بحق الشعب الفنزويلي غير المسلح مسببا آلاف القتلى والجرحى في شوارع المدن الفنزويلية، ففي تلك الأيام تم تجميد كافة القوانين المتعلقة بحق التعبير والتنقل والتجمع.

بحسب شهود عيان من أسبوع فنزويلا التاريخي وبحسب الصحف التي صدرت في تلك الفترة فقد ادعت الحكومة في ذلك الوقت أن الغضب الشعبي ناتج عن حقد الفقراء على الأغنياء، إلا أن الحقيقة هي أن التظاهرات قد انطلقت لأن الشعب كان يموت جوعا ويأكل أكلا غير صالح للاستخدام البشري. "كان القمع الذي ارتكب ضد المدنيين عملا مشتركا بين الشرطة والجيش لأن العدو كان الشعب. فلم يتم العثور على جثة واحدة بعد انتهاء المجزرة إلا وكانت لمدني. أكثر من 4 ملايين رصاصة أطلقت لأن الهدف لم يكن ضبط الموقف بل لترهيب المستضعفين بطريقة تجعلهم أبعد ما يكونون عن إعادة مثل هذه المحاولة مرة أخرى."

لم يعرف عدد قتلى الكاركاسو رسميا حتى الآن، إلا أن روايات غير رسمية قالت إنه قد بلغ حوالي 2000 إلى 3000 قتيل مدني خلال أسبوع. وقد فتحت المقابر الجماعية في ذلك الوقت لتجعل المأساة تستمر حتى الآن بالنسبة للكثير من العائلات التي لم تسمع شيئا عن مفقوديها أو قتلاها.

الرئيس تشافيز كان حاضراً في تلك الأيام، شهد الغضب أمامه واصفا ذلك بقوله في سطوره "كانت أجواء المظاهرات تشبه جيشا يسير في أرض المعركة. في تلك اللحظات كانت عملية تغيير تاريخي حقيقية تبدأ، والتي هي الآن ذكرى عمرها 20 عام، ولكن منتشرة في جميع أنحاء القارة اللاتينية."

ورغم أن الرئيس تشافيز كان يخدم في الجيش في تلك الفترة، إلا أنه كان مصابا بداء عدوى انتقلت له من أبنائه في ذلك الوقت. قال "لقد رأيت ثورة الشعب بعيني" ولربما كانت هذه الرؤيا لها الأثر الأكبر على ما قدمه تشافيز إلى أجيال فنزويلا المقبلة.

فلم يمضي زمن على تلك الأحداث إلا وبدأت الثورة العسكرية التي قادها الرئيس تشافيز لنصرة البلاد وإخراجها مما آلت إليه من أوضاع مأساوية. وفي 4 شباط/ فبراير من عام 1992 قاد الرئيس تشافيز نهوضاً عسكرياً انتصر فيه للشعب على مستغلي الشعب. إلا أن الشعب تخلف عن الجيش الثوري يومها.

قال الرئيس تشافيز في ذكرى الكاركاسو "إن حادثة 13 نيسان هي نتيجة لجمع حادثتي 27 شباط (الكاراكاسو) و4 شباط (الكفاح المسلح). ففي الكاراكاسو، نزل الشعب إلى الشارع ولم يكن معه جنود إلا أولئك الذين ظهروا لقمعه. في ثورتنا المسلحة، نزلنا نحن الجنود دون أن يستطيع الشعب الانضمام لنا. أما اليوم، نحن متوحدين هنا، شعب وجنود، للاستمرار بهذه الثورة وبناء الاشتراكية. إن هذه الأيام هي لحظات في تاريخنا، ومن أجلها يجب أن نعتني بوحدة الشعب والجيش. دعونا نحافظ على الوحدة بين الحكومة والقوى الثورية بوعينا. دعونا نلتزم أكثر بالمعركة من أجل أن نعطي للشعب ما هو من حق الشعب."

وعلى الرغم من أن أحداث الكاركاسو قد حصلت قبل سنوات عديدة من تولي الرئيس تشافيز الحكم في فنزويلا، فقد أخذت حكومته على عاتقها المسؤولية الكاملة اتجاه المتضررين من المجزرة وكان ذلك رسميا في عام 2006 عندما أعلن وزير الداخلية والعدل عن آليات تعويض ضحايا هذه الأحداث التاريخية.

وعلى الرغم من أن محكمة الأمريكيتين لحقوق الإنسان قد أصدرت حكماً بحق مرتكبي جرائم الكاركاسو إلا أن المسؤولين عن تلك المجازر لا يزالوا يقبعون تحت حماية الولايات المتحدة ولم يحاسبوا بعد، لذا فإن حكومة الرئيس تشافيز قد وعدت بمواصلة العمل في هذا المجال. وهو ما أعاد تأكيده الرئيس تشافيز في احتفالية الذكرى قائلا "لا يزال المسؤولون عن تلك الأحداث في حمى دول أخرى إلا أن الثورة البوليفارية ستواصل النضال لتحقيق العدالة."

مع كل التناقضات التي تحملها أحداث الكاركاسو، بجراح المدنيين الذين قتلوا، أو بثورة الشعب الفريدة التي ما كان لفنزويلا أن تحيى سليمة لولاها، تبقى الحقيقة هي أن الكاركاسو قد أحدثت نقطة تحول عظيمة في المجتمع الفنزويلي وكانت بادئة لمرحلة سياسية جديدة في البلاد وفي القارة بأكملها. وبعد أن مضت ملامحها السلبية، لا تزال الايجابية منها في استمرار.

قال الرئيس تشافيز في سطوره "الآن بعد انتصار 15 شباط/ فبراير الماضي (في الاستفتاء الشعبي) نحن نعايش ولادة الدورة التاريخية الثالثة من الثورة البوليفارية الاشتراكية والتي تبدأ في عام 2009 وتنتهي في عام 2019. وأقول لكم رفاقي، دائما امضوا قدما، لا تتراجعوا أبدا، وما سيحصل، دعوه يحصل."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. استمرار التظاهرات الطلابية بالجامعات الأميركية ضد حرب غزّة|


.. نجم كونغ فو تركي مهدد بمستقبله بسبب رفع علم فلسطين بعد عقوبا




.. أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يبحث تطورات الأوضاع


.. هدنة غزة على ميزان -الجنائية الدولية-




.. تعيينات مرتقبة في القيادة العسكرية الإسرائيلية