الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حديقة الاقنعة

ايناس البدران

2009 / 5 / 2
الادب والفن



خضرة غامقة ونافورة ضياء قزحية يغلب عليها بريق الماس تتعاكس حولها ظلال راعشة لأجساد شجر وبشر .
الموسيقى موجة سائبة تختنق بدخان السجائر المستوردة وتذوب بين ضحكات وهمسات مبهمة ، السماء زرقة مزدانة بنجومها وببدر حنون يسكب ضياءه حليبا يشربه النهر فتتراقص مويجاته طربا .
من شرفتها تتأمل انزياحات الظلال والأشياء وتبتسم ، علمتها التجارب أن الأقتراب اكثر مما ينبغي يعني الضياع في تفاصيل تافهه وتشوش الرؤية والتباسها .. وقد يعني الوقوع في دوامة رمالهم المتحركة .
تهمس في سرها : كالعادة فشلوا في التنكر .
بمقدورها أن تميزهم من نبرات اصواتهم وومضات عيونهم .. اختلاجات اصابعهم وحتى من مؤخراتهم !
كانت شغوفة بعلوم كالفراسة والهيئة والقيافة وقراءة الكف ، حتى بات بمقدورها من نظرة واحدة فاحصة معرفة ما يكفي عن اي شخص ، وللنساء عموما قدرة فطرية على استكناه دواخل النفوس لدقة ملاحظتهن ، ولأنهن مدركات بالحدس أن لغة الجسد لا تتفق بالضرورة مع لغة اللسان .
في الماضي كان يحلو لها حين تستشف او تكتشف امرا أن تواجه به الآخر كنوع من الردع المهذب او حتى المباهاة .. تذكر يوم سألته بحنق :
- لم أنت بوجهين ؟ .. فبهت وسقط قناع شمعي .. بعدها صار صعبا على اي منهما النظر في وجه الآخر .
ولأن الوقت ملح التجربة تعلمت ان تخبيء الأسرار صغيرها وكبيرها اشواكا في القلب وزوايا العقل دون ان يظهر اي منها على تقاطيع الوجه
تحسبا من مكيدة او درء لسوء .
اما كيف ابتدأت معها هذه ( الهواية ) واستحالت هاجسا وضرورة تحتمها أبجديات الصراع من اجل البقاء ، فالفضل في هذا يعود الى ... صدفة !
فالصدفة ام الأختراع ، هي وحدها القادرة على اسقاط الأقنعة وثمار الأسرار السوداء التي تفرزها في غفلة منا شجرة الكذب الهائلة المشؤومة المعرشة في كل شيء ، ورب صدفة عارية من الزيف خير من ألف ميعاد مبرقع ومدروس .
صدفة واحدة مابين غمضة عين وانتباهتها قد تغير المرء من حال الى حال وتحوله من النقيض الى النقيض .. حين تغشى الوجوه بشاعة لاينفع معها مكياج او قناع ، وتكتسي الألسن مرارة مهما طليت بعسل الكذب .
ادركت لحظتها ما عناه شكسبير حين قال " ان تعلم اكثر يعني ان تتعذب " وما اكثر ما يتردد على اللسان دون ان يعيه العقل او يعنيه حتى تحين .. الصدفة .
يوم انصتت لحديث كالرعاف وكشفت انفس عن خبث دواخلها وسوء نواياها فمادت بها الأرض وضاقت عليها بما رحبت واختلطت الوجوه والأقنعة وألادوار ماحتم اعادة ترتيبها وفق ابجدياتها هذه المرة لتظل الحياة مسرحا كبيرا عقولنا فيه الكواليس .
ويبدو ان ماحدث غيرها الى الحد الذي لم تعد فيه تعرف نفسها ، فكان لزاما عليها ان تعيد اكتشافها على ضوء المعطيات الجديدة ، بل انه كشف لها جوانب باهرة فيها ظلت كامنة تحت ركام سذاجة وغبار اسئلة هائمة دونما توغل في دروب الأجوبة .
تعثرت دون قصد بحقيقة كانت خافية ادخلت العقل مدار الدهشة تلكأته وويل للعقل اذا ما تلكأ عند فكرة سوداء .. انها تخترقه كذبابة الفاكهة نافثة يرقاتها في كل تلافيفه فتستحوذ عليه تلتصق به كسمة او وصمة فتصبح الوتد الذي تقوم عليه خيمة حياته !
تنهدت في سرها وقالت :
- لم يعد أي شيء كما كان .
اجل تغير كل شيء امامها .. الألوان الأشخاص الأماكن وعزاؤها ان ما لا يقتلها يقويها .. لعله خطأها منذ البداية ، كم اضاعت نفسها داخل حدودها المهزوزة المفترضة ، كان ينقصها دوما الشجاعة التي تقود الى اعماق الأشياء ، والقرار الذي يقود الى فعل مؤثر ، لم تواجه نفسها كما يجب بل آثرت التهرب تاركة أمر حياتها للأيام وللآخرين .
في ازقة الليل متاهات من خوف يتصادى فيها نقيق هواجس وفحيح اسرار تلثم الأحزان ، حيث ( الأصدقاء ) الذين يلوحون بمخلب الغدر ، والأنتماءات التي تذوب كزبدة مع كل طلعة شمس .
في تلك الفترة شعرت انها اكثر امانة لنفسها في انسحابها داخل قوقعتها .. قل احساسها بالخارج صارت تتعامل معه في اضيق الحدود ، واذ تلعق جراحها كانت تعيد حساباتها استعدادا لمواجهة اخرى .. جريئة هذه المرة واضعة في حسبانها الطرق العجيبة التي يلوذ بها البشر من اجل البقاء ( والأرتقاء ) !
هكذا نفقد نعمة جهلنا ، براءة طيبتنا ليصبح سوء الظن من حسن الفطن . انتهى الماضي برمته والى الابد .. طويت صفحته ليدفن فيه الموتى موتاهم ، وليربط القلب جأشه مكابرا استعدادا لرحلة سيزيفية اخرى تستنزف دماءه كمزرف رفيع .
نعم تغير مصيرها في لحظة من مجرى الزمن الطويل ، لحظة واحدة لكنها كانت من اللحظات التي يجلس المرء بعدها طويلا ليلم بما حدث ، يعيد ترتيبه يخضعه لحسابات المنطق والمعقول .
ويبدو ان هذا التحول وان كان فجائيا وبلا تخطيط الا انه جاء في وقته ، كانت قد تعبت من المكابرة والأستسلام والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام .. من كل الأدعاءات التي لوحت لها في ما مضى بسراب الطمأنينة الزائفة حين كانت توصد ابواب العقل كلما دعتها الظروف للمواجهة مكتفية بما هو متاح بين يديها من وقائع غير مؤكدة قد تبلغ حد الوهم .
ها هي تحلق اليوم بجناحيها وسع المدى كطائر حر لا ترتديها الأقنعة ولا يسكنها ذلك الأحساس البغيض الذي يمحور البعض حول نفسه حتى ليراها مركزا للكون ، كذاك الخنزير العجوز مديرها المتخفي خلف قناع المباديء والنزاهة في ماهو لص محترف للنصب ، او صديقه اللدود الممثل الفاشل الذي ارتدى كل الأقنعة دون جدوى حتى بات اضحوكة مثيرة للشفقة ، وذاك الذي يتمسكن تحت قناع الرهبنة حتى يتمكن فهو لا يشبع اليوم من متع المال والنساء . او المخنث المقنع بقناع الدون جوان الذي جعل النساء ارقاما في مفكرته للتباهي قبل ان يتركهن في وضع مؤلم فقط ليثبت لنفسه انه .. رجل ، وهذه التي تدعي صداقتها وتدس لها في كل مناسبة ، او تلك التافهة التي تظن انها بتلويحها بقناع الأنوثة والشباب تستطيع ان تدير الرؤوس فتظفر بمكانة هي دونها بكثير .
المدى يزدحم بالأقنعة .. اقنعة من كل صنف وحجم ولون بأسعار مغرية تستبدل عند الضرورة او الأهتراء ، تعلق على شماعة " الغاية تبرر الوسيلة " لعرابيد تلتف على بعضها وعقارب عمياء تنفث سمها في كل اتجاه وخنازير وضباع تعتاش على الجيف تغرز أنيابها ومخالبها في عيون بعضها ، واسماك قرش مسعورة تثيرها رائحة الدم فتلتهم احشاءها حين لا تجد ما تلتهمه .
على مسافة غير بعيدة تهجع مدينتها من تعب ، يهدأ كذبها قبل ان يندفع فجائيا قاسيا مع كل صباح عبر شوارعها الملتوية ، وبمحاذاتها يندفع النهر باذخا رائقا لافظا ركام الأوراق اليابسة والأحذية المنخورة وجيف الأقنعه المهترئة .. ليظل الدليل الأبدي على ان البقاء للأنقى .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. علي بن تميم: لجنة جائزة -البوكر- مستقلة...وللذكاء الاصطناعي


.. تسجيل سابق للأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن يلقي فيه أبيات من




.. الفنانة غادة عبد الرازق العيدية وكحك العيد وحشونى وبحن لذكري


.. خلال مشهد من -نيللى وشريهان-.. ظهور خاص للفنانة هند صبرى واب




.. حزن على مواقع التواصل بعد رحيل الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحس