الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بلا وطنية ولا حياء

أحمد الجنديل

2009 / 6 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


من يقرأ القرآن الكريم بقلب مفتوح ، يجد أنّ المنافقين قد مارسوا ألوانا من السلوك البعيد عن الاستقامة ووقفوا موقفا مشينا أمام نشر تعاليم الدين الإسلامي ، مستخدمين بذلك كل الأساليب الدنيئة حتى أنّ رب العزة والجلالة خصص لهم مكانا في الدرك الأسفل من النار لسوء أعمالهم وخبث نواياهم
ومع تعاقب العصور ، والمنافقون كما هم يلعبون على كلّ الحبال ، يبكون وراء كلّ جنازة ويرقصون في كلّ عرس ولا همّ لهم سوى إرضاء الحاكم والتزلف إليه وبكل الأساليب المتاحة لديهم مهما كانت هذه الأساليب ملتوية وقذرة لقاء دريهمات معدودة . لقد توارثوا النفاق جيلا بعد جيل واتخذه بعضهم مهنة وانتشرت جراثيمه في رؤوس البعض الآخر فأدمن عليه .
ومن يقرأ التاريخ بإمعان يلاحظ حجم التأثير السلبي الذي لعبه هولاء في ترسيخ دعائم الظلم والطغيان ولعل القاسم المشترك الذي يربط هؤلاء جميعا هو إتباعهم أسلوب تأليه الحاكم وتعظيمه والمدح المفرط له حتى إذا تبدأ الأيام تدور دورتها على الحاكم لتسحب الكرسي من تحت قدميه تبدأ شعارات المنافقين تسير بعكس الاتجاه التي كانت تسير عليه أثناء تربع الحاكم عليه وبنفس القوّة والحماس ، وتبدأ كل الصفات الرذيلة تنصب على رأس الحاكم المخلوع بعدما كان أميرا للخير وملكا للشرف وسلطانا من سلاطين العدالة المطلقة . والتاريخ العربي والإسلامي يضجّ بفعل المنافقين وعلى جميع مراحله ، فلا نستغرب عندما نسمع شاعرا منافقا يقف بين المعز الفاطمي وينشد :
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهاّر
وعندما يرحل ( الواحد القهار ) ليحل محله حاكم آخر يتهيأ هذا الشاعر وغيره مجتهدا لخلق خطابين الأول : ذم الحاكم الذي مدحه بالأمس . والثاني : تأليه الحاكم الجديد .
ومن سوء الحظ أنّ مجتمعنا أصيب بمرض النفاق أكثر من غيره من المجتمعات وهي حقيقة لا مجال لمناقشتها ، وأنّ من المفارقات المؤلمة أنّ هذه الظاهرة بدلا من أن تتقلص وتتحجم نتيجة حركة التاريخ وما رافق المجتمعات الأخرى من تطور في جميع مجالات الحياة ، إلا أنها بدأت تسير بوتائر عالية في مجتمعنا . ففي تاريخنا المعاصر القريب وبعد الإطاحة بالنظام الملكي عام 1958 خرجت الجماهير تملأ الشوارع وهي تهتف بحياة الزعيم الأوحد ( عبد الكريم قاسم ) وبدأت الشعارات تملأ الحناجر والهتاف يصل إلى عنان السماء والجميع يصرخ : ( عين كريّم للأمام ... ديمقراطية وسلام ) و ( عاش زعيمي .. عبد الكريمي ) وكنّا نفسر في حينها ما يحدث على انه تعبير صادق عن خزين هائل من المشاعر في نفوس الشعب نتيجة ما عاناه من كبت للحريات ، وحظر لحركة الأحزاب السياسية في العهد الملكي ، وهو أمر مقبول لدى الكثير إذا ما أدركنا أنّ شخصية ( عبد الكريم قاسم ) هي شخصية وطنية لا غبار عليها ، لكنّ الملفت للنظر أنّ هذه الشعارات التي أطلقها البعض تحولت بقدرة قادر بعد مصرعه وبدون مقدمات من ( الزعيم الأوحد ) إلى ( الزعيم الأرعن ) ومن ( زعيم السلام والديمقراطية ) إلى ( الزعيم الدكتاتور ) . وقد سألني في حينها أحد معارفي : أين ذهبت تلك الجماهير الخفيرة التي كانت تهتف بحياة الزعيم ؟ فأجبته باقتضاب : إنهم هؤلاء الذين يصفون الزعيم الراحل بهذه الصفات القبيحة ، ومن علاماتهم أن أصواتهم مبحوحة وحناجرهم متورمة . وتكرر المشهد مع الرئيس الراحل ( عبد السلام عارف ) فبعدما أخذ التصفيق والهتاف مأخذه تأييدا له ، خرجوا خفافا إلى الشوارع بعد حادث الطائرة وهم يصرخون : ( طار لحم .. نزل فحم ) . ولعل الصورة أكثر وضوحا ، والحدث أعمق دلالة في زمن الرئيس الر احل ( صدام حسين ) فعندما اعتلى عرش الرئاسة ، بدأ المنافقون من نقطة البداية فكان الرئيس المناضل ثمّ بدأت الألقاب تتلقح بشعارات لتفرز ألقابا أخرى ، وأبان الحرب العراقية – الإيرانية شهد سوق الأهازيج رواجا لم يشهده عبر مراحل التاريخ العراقي ، وأصبحت مفردات التأليه تتزاوج بشكل غريب وبدأت الألقاب تنهال عليه بالجملة ، وبدأ الانتهازيون يبحثون في بطون الكتب وظهورها عن مفردات التبجيل والتعظيم والعظمة ، ومع كلّ مناسبة جديدة تظهر شعارات وألقاب جديدة حتى عدّ بحق العصر الذهبي للانتهازية حيث لعب أصحاب الأقلام المعطوبة وسماسرة الشعر ألتكسبي وقراصنة الألقاب الصنمية ورواد مقاهي قصص الخرافة وروايات الخيال الرخيصة دورا في إعادة هبل إلى الحياة ، ولا زالت صور المنافقين وهي تملأ الشوارع وتزدحم بها الساحات صارخة ( بالروح بالدم .. نفديك ياصدام ) و ( صدام اسمك ..هز أمريكا ) في أذهاننا حتى هذه الساعة ، وعندما تمّ اجتياح العراق انقلب هؤلاء المنافقين من فرسان ( الهوسات النارية ) إلى عصابات للنهب والسلب والفرهود وبطريقة تثير القرف والتقزز في نفوس الغيارى من أهل العراق ، وقد رافق هذا التصرف الوحشي المشين انقلابا كبيرا في سلوك هؤلاء فـ ( القائد الضرورة ) انقلب إلى ( أبو المقابر الجماعية ) و ( قائد الجمع المؤمن ) أصبح ( المجرم الكافر ) إلى غيرها من الصفات والألقاب التي أطلقها من صفق له بالأمس . وعندما استمرت الأحداث تشق طريقها في العراق عبر مسالك وعرة وأنفاق مظلمة تمخضت عن انتخاب إبراهيم الجعفري رئيسا للوزراء بدأ الحماس يدب في نفوس هؤلاء من جديد وبدأت الشعارات تقول : ( هنيئا لابن الحسين البار على منصب رئيس الوزراء ) وغادر الجعفري بزخـّة من الاتهامات من قبل هؤلاء وقوبل بعدها أياد علاوي بمثل ما قوبل سلفه وودع بمثل ماودّع سلفه وأخيرا وصل المالكي وتحرك القوم من جديد وبدأت الانتهازية تكشر عن أنيابها ولا ندري كيف يصبح الحال بعد مغادرة المالكي لكرسي رئاسة الوزراء ؟ وكيف سيكون الاستقبال لما بعده من قبل هؤلاء ؟
أيها الناس ، أغلقوا الأبواب جيدا ، واحكموا غلق المنافذ أمام هؤلاء المنافقين ، فإنهم والله بلا وطنية ولا حياء .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اليمن.. حملة لإنقاذ سمعة -المانجو-! • فرانس 24 / FRANCE 24


.. ردا على الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين: مجلس النواب الأمريكي




.. -العملاق الجديد-.. الصين تقتحم السوق العالمية للسيارات الكهر


.. عائلات الرهائن تمارس مزيدا من الضغط على نتنياهو وحكومته لإبر




.. أقمار صناعية تكشف.. الحوثيون يحفرون منشآت عسكرية جديدة وكبير