الحوار المتمدن - موبايل


الاندماج الأول بالعالم .. قراءة في تفاصيل ، و تفاصيل أخرى ل إبراهيم داود

محمد سمير عبد السلام

2009 / 7 / 1
الادب والفن


في ديوانه " تفاصيل ، و تفاصيل أخرى " – الصادر عن هيئة الكتاب 2009 – يعيد إبراهيم داود إنتاج إيحاءات العناصر الكونية ، و الذكريات ، و الأحلام ، و المشاهد اليومية ، في سياق شعري يقوم على التداخل الفني المستمر بين تلك الإيحاءات ، و الوعي الجمالي بالعالم .
إن فضاء القصيدة عند إبراهيم داود يتسع داخل الذات ، و خارجها ؛ فالوعي يتشكل في المستقبل انطلاقا من صيرورة الأثر ، و جمالياته الخاصة التي لا يمكن تصور وجودها إلا من خلال بروزها الآخر في الوعي .
إن الإيحاءات المجازية للعلامة في الديوان تتفاعل بصورة موسيقية لا مركزية ؛ فهي تشبه لحنا كونيا مفتوحا ، و مكانا متسعا حلميا يتداخل فيه الوعي مع تفاصيله الصغيرة دون نهاية .
إن الذات في الديوان تتشكل من خلال علاقاتها الجمالية المعقدة بالأثر الموسيقي ، أو اليومي ، أو الانطباعات الإبداعية المختلفة حول الشخصيات ، و الأماكن ، و الأشياء .
لا يمكننا – إذا – الفصل بين الحضور ، و ما يحتمله من تشبيهات ، و تأويلات ، و تحولات جمالية لا مركزية للوعي في فضاء نصي ، و كوني متسع .
في نص " رجل " تمتزج مكونات الإبداع ، بالنهايات في علامة الرجل ؛ فهو يرسم مجالا تشبيهيا لوجوده الواقعي ، يقاوم الفراغ من داخله ، و يكتشف ثراء هذا المجال الجديد ، و يتوحد ببهجة الصور المولدة للتو عن فراغ معلق .
يقول :
" يخط شارعا موازيا لحلمه النحيف / أو يخيف قطة تمر في زحام رأسه بلا سبب / و يرتدي سذاجة الشموخ مجبرا / و يرتدي جسارة التعب / يبلل الرموش بالرجوع للفرح / و يقسم السنين بين بابه و مقعده / و يطلق الحمام في براح كأسه التي خلت / و عللت .. / غياب شمسه عن الشجر " .
إن فضاءات الشارع / الآخر ، و القطة ، و الحمام ، و الشمس تستعيد بهجة الوعي المبدع الأولى التي تقاوم التعب ، و مركزية الفراغ ، و تكراره ، بتواتر عمليات الحلول ، و التداخل بين الوعي ، و آثاره المتجددة التي تعيد تكوين الصوت في حضور يشبه القصيدة .
و في نص " الزمان البعيد " يستعيد الشاعر ذكرى الاندماج الأول بالعالم ، و الأرض قبل أن تتشكل الحدود ، و الأسماء ، و من ثم تظل حالة الانفصال في موضع السؤال ، و الاستثناء عن السياق الأول الذي صار واقعا في مستقبل القصيدة .
يقول :
" كانت بلادا .. و كانت وسيعة / و كان الذي بيننا خضرة / باتساع الصباح الذي يتقن الصحو / و كنا نصافح بالقلب أشياءنا / لتعرفنا أشياؤنا / فماذا جرى ؟ " .
هل صارت المعرفة إبداعا للتكوين ؟ أم أن الصوت يحتوي بداخله العالم ؟
إن الكون الحلمي يتصل بالهوية قبل انفصال الوعي ، و اغترابه ؛ حيث تتعاطف الأزمنة ، و الأماكن ، و الأشياء في حالة من الاتساع الذي يقاوم العدم بامتلاك الصوت الآخر البهيج في العناصر الكونية .
و في نص " جميلة " يؤول المتكلم الفتاة انطلاقا من حالتي الحزن ، و الغناء ، و قد اجتمعا في وجود ظاهري يحتمل كثيرا من المعاني الإبداعية ، و الصور المنتجة بواسطة الوعي .
يقول :
" كانت تدندن في قطار الليل / بأغنية حزينة / كانت تحدق في أناملها / و أنا أحدق في جدائلها الطويلة / كانت جميلة " .
لقد اتحد المتكلم بالوجود المجازي المؤقت للفتاة ، و كأنه يمثل حضوره هو في العالم ؛ فقد صارت الحياة مجموعة من الإيحاءات الشعرية ، و الانطباعات ، و الحالات المتغيرة التي تؤول الصوت من خلال التحول ، و الاندماج بالآخر دائما .
و في نص " غربة " يقترن المبدأ الأنثوي الإبداعي بإيحاءات المكان ، و تبدل المتكلم بين حالات التوحد ، و البهجة ، و الحزن ، و الغربة ، و تجدد الذات في سياق التأويل الشعري للمكان .
يقول :
" أرتدي وجهي و أمرق في ملامحهم جميعا .. علني ألقاك عند تقاطع العرق المبلل بالمهانة ، تلثمين نشيد أغراب تغرب عشقهم فيهم و تبتسمين للآتين من حلم تخمر في قلوب قد تذوب إذا ابتسمت " .
إن المتكلم يبدأ من نقطة حضور ثم يبحث عنها مرة أخرى ، و كأن الحضور هو التغير ، و التبدل .
هل كان التوحد انفصالا مضاعفا عن أصل غائب ؟ أم أنه أثر دائري أنثوي يقاوم الغربة من داخلها ؟
و في نص ( مقهى قايتباي ) يبرز المكان الحلمي المتسع في نسيج المقهى الواقعي ؛ ليفجره في سياق شعري ثوري مضاد لحدود المتكلم ، و ذاتيته .
إن المقهى يجسد الذوبان الطيفي في الكون الإبداعي الحلمي ؛ فالدخان يمتزج بالقصائد ، و يمثل براءة الأطياف ، و لعبها الحر .
يقول :
" تضيق قمصاننا فجأة / فنشد الرحال إليه / نحتفي بطموحنا و نقول شعرا / يرتمي بين الدخان غيابنا طفلا / فقد اشتهاء اللهو و الثوب الجديد " .
إن البراءة السلبية في القصيدة تجسد التناقض النيتشوي الذي يجمع بين البهجة ، و التدمير في تكوين واحد ؛ فعملية التبدل عند إبراهيم داود تمتزج بقلق أساسي في حضور المتكلم ، و موقعه .
و في نص " حضور " تندمج إيحاءات الذكرى ، و الأشياء ، و الانفعالات لتشكل معا حضورا فريدا للأرض ، و للصوت الكوني / الذاتي للمتكلم . إنها بهجة الغياب في الأماكن اللاواعية ، و مرح التجزؤ في بنية الصوت .
يقول :
" قد لا نرتب هذه الدنيا / و لكنا سنعرف – بعد حين / أن هذا البوص متكئ على حلم / و أن بداية النعناع كانت صوت أمي / و أن محاورات مثقف عن وهمه فلس / و أنا أحب أبي كثيرا / و أحب مشية من يعاندني " .
إن آثار الذاكرة هنا تطارد وجودا آخر قيد التشكل في المستقبل ، و كأنه الأصل ؛ فالأرض ، و الأشياء و صور الأم ، و الأب ، و المحاورات لا يمكن فصلها عن التأويلات الشعرية ، و الإيحاءات الإبداعية الطيفية ، أو التشبيهية التي تعيد بناءها في المستقبل .
و تتواتر عمليات النشوء المتجددة ؛ لتصنع فضاءات جديدة يمتزج فيها التوحد ، و الاختلاف ، و التنامي المجازي للأصل دون نهاية في " الغيوم تمر من هنا " .
يقول :
" فعانقهم و مد يدا .. / و رمى خيوط الذهن تحت ظلالهم شجرا / فنمت على أعصابهم مدن / لمت شتات الذكر في الساحة / فتوحد المجزوم و المهزوم و العارف / عزفوا ضياع القلب في الدنيا " .
البناء يتنامى داخل الذات ، و خارجها ؛ فالوعي يمتد في الآخر ، و تخرج منه الشخوص المتوحدة ، و الآلام ، و التشبيهات التي صارت فضاءات جزئية مرحة تقاوم الغربة .
و قد تمارس العلامات ، و العناصر نوعا من الإغواء ، تخرج فيه عن سياقها الأول ، و تدمر بنيتها في مرح متجدد للبدايات .
إن النشوء في هذه الحركة يصبح غاية بحد ذاته دون الالتفات إلى الماضي ، أو الأصوات المحددة ، و هنا تصير الكتابة استباقا للوجود ، أو إبداعا مستمرا يكمن في صيرورته .
يقول :
" يشتري ملكا بلا لغة و قلبا من سحاب / ينتقي جندا من الصفصاف حتى لا تفر الأرض / و تصاهر المتصوفين / فينتشي فرس / و تنعس قطة / و ينام ظل في فراغ الخلق " .
يذوب الوعي – إذا – في الأداء ، و يعاين بهجة الحضور الأول في فضاء الكتابة .
و في نص " ليالي شوبان " تصير الموسيقى مفتتحا لوجود آخر يقوم على التجدد ، و التناقض ، و اللعب السردي .
أما الصوت فقد ذاب في الصور ذوبانا كاملا ، و تفكك إلى مجموعة من العلامات المقاومة للعدم ؛ إذ تخلت تماما عن المفهوم التقليدي للحضور ، و تجلت كإيحاء طيفي ، أو بهجة طائرة ترتدي قناع الغياب ، و تؤجله دائما .
يقول :
" يجيء ضيوف و تصعد بين الضيوف فتاة ، فأجلس بين الفتاة و عمري . تدور كئوس و ألمح رأسي يجر بيوتا و ناسا على الجمر يرتجفون و يعطون وجهي مرايا .. أرقص قلبي و أرقص .. حتى يجيء صديقي و نصعد ثانية .. لنقطف ليل المقابر " .
لقد انفصل المتكلم عن تاريخه ، و اتحد بتناقضات الموت ، و الحياة ، و المرايا ، و التاريخ ، و الرقص ، و الجمر ، و المقابر ، و الزهور ، و الفاعلية ، و الخواء ؛ ليؤكد اتساع الوعي ، و تبدله من جهة ، و النزعة التوليدية الإبداعية المفجرة للصور ، و العلامات كمنظور للوجود من جهة أخرى ؛ فموسيقى شوبان كانت مولدة لأطياف ، و أكوان ، و أصوات متنوعة ، و متناقضة في آن .
إن كتابة إبراهيم داود تبدأ من رصد العلامة الفريدة في الواقع ، و التاريخ ثم ، تكشف عن عمليات استبدال أصلية تقع في المتكلم ، و سياقه الثقافي ، و ذاكرته كطاقات إبداعية لا تنتهي .
محمد سمير عبد السلام – مصر








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاب يقلد الزعيم عادل إمام في مسرحية شاهد ماشفش حاجة


.. بحبك يا أجمل قلب ?? رسائل مؤثرة من الفنانة لبلبة إلى الزعيم


.. الممثل #السوري أيمن زيدان: سأدعم هذا المرشح لرئاسة #سوريا له




.. فضيحة كومبارس في مسرحية الانتخابات: أنا تفاجأت - Follow Up


.. يرسم لوحات فنية بطعم الحلوى!