الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المستوطنات أوّلاً!

يعقوب بن افرات

2009 / 7 / 28
القضية الفلسطينية


الادارة الامريكية تعتبر الالتزام الاسرائيلي بتجميد البناء في المستوطنات اعلان نوايا، ولكن بالنسبة للفلسطينيين يعني هذا التنازل مسبقا عن كل اوراقهم التفاوضية، مقابل تجميد مؤقت للمستوطنات، ودون اي التزام اسرائيلي بالانسحاب لحدود ال67 او تفكيك ولو بؤرة استيطانية واحدة.


منذ خطاب الرئيس الامريكي، براك اوباما، في جامعة القاهرة مطلع حزيران الماضي، تصدّرت المستوطنات جدول العمل السياسي في اسرائيل والمجتمع الدولي. الموقف الواضح والحازم للرئيس الامريكي بالنسبة لوقف البناء في المستوطنات، فاجأ صانعي القرار في اسرائيل الذين وصفوه ب"غير المنطقي". حكومة نتانياهو لوّحت بتفاهمات توصلت اليها اسرائيل مع ادارة الرئيس الامريكي الاسبق جورج بوش، غير ان وزيرة الخارجية الامريكية، هيلاري كلينتون، سارعت لانكار التفاهمات جملةً وتفصيلا.

ردا على ذلك، انتقلت اسرائيل للتذرع ب"التكاثر الطبيعي" كحجة لمواصلة البناء في المستوطنات، وان ذلك يأتي لاغراض انسانية، وتلبيةً لحاجات سكان المستوطنات بالمسكن، رياض الاطفال، الكُنس والمباني العامة. ولكن خلافا للمرات السابقة، لم يتراجع الامريكان عن مطلبهم، مدركين محاولات اسرائيل المستمرة في التهرب من التزاماتها وتكثيفها المستوطنات وتوسيعها خاصة منذ اتفاقات السلام عام 1993.

تسيبي ليفني، رئيسة المعارضة، دعمت الموقف الامريكي، وسارعت لاتهام غريمها نتانياهو بالتسبب بازمة في العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة. كما هو معروف، كانت زعيمة حزب كديما، ليفني، قد رفضت طلب نتانياهو بالانضمام لحكومته، بعد ان رفض الالتزام بمبدأ "دولتين لشعبين". غير ان ليفني نفسها لا تتصرف من منطلق الحرص على مصالح الفلسطينيين، بل هي في الواقع تحاول ان تتذاكى – انها تقول ما معناه، دعونا نلتزم بدولتين لشعبين، علما ان الحدود المتفق عليها مع الفلسطينيين تُبقي الكتل الاستيطانية تحت السيطرة الاسرائيلية. اما رفض الاعتراف بدولتين لشعبين، فانه يُفقد اسرائيل شرعية السيطرة على المستوطنات، مما يفقدها بالتالي شرعية المطالبة بالبناء فيها بحجة "التكاثر الطبيعي".

أدرك نتانياهو رسالة ليفني، وفي خطابه بجامعة بار ايلان الذي رد فيه على اوباما، ذكر كلمتي "دولتين لشعبين"، ولكنه اهتم بان يعرض المبدأ من وراء هذا المصطلح، والذي يفرغه عمليا من اي مضمون ويحول دون تحقيقه. لا غرابة اذن ان الفلسطينيين رفضوا الشروط المسبقة التي وضعها نتانياهو لاقامة الدولة الفلسطينية، ومنها الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية، نزع الدولة الفلسطينية من السلاح، والتنازل عن حق اللاجئين في العودة. الامريكان، من جهة اخرى، تمسكوا بالقليل مما جاء في خطاب نتانياهو، وهو الالتزام الاسرائيلي بوقف البناء في المستوطنات، على امل ان يكون ذلك ركيزة لإحراز تقدم في العملية السياسية.

كالمتوقع، لم يؤد خطاب بار ايلان الى تفعيل اي مسار سياسي، بالعكس. في زيارته الى الولايات المتحدة، قال وزير الخارجية الاسرائيلي، افيغدور ليرمان، في مؤتمر صحافي مع نظيرته الامريكية كلينتون، انه اتى ليبلغ الامريكان رفض بلاده الاستجابة للمطلب الامريكي. وجاء رد الفعل الامريكي سريعا، فقد تم في اللحظة الاخيرة الغاء لقاء كان مخططا بين نتانياهو وبين مبعوث البيت الابيض للمنطقة، جورج ميتشل.

بعد ان نسف وزير الخارجية الاسرائيلي علاقاته مع الامريكان (ومع غيرهم ايضا، كما تبين من توصية الرئيس الفرنسي ساركوزي لنتانياهو بعزل ليبرمان عن منصبه)، بعث نتانياهو بايهود براك الى امريكا لاصلاح الوضع. وأسفرت زيارة براك عن بداية مفاوضات بين امريكا واسرائيل على اساس الالتزام الاسرائيلي بتجميد مؤقت للبناء في المستوطنات. غير ان الشروط التي تضعها اسرائيل تلغي عمليا اية امكانية لتحقيق التزامها. حسب الصحافة الاسرائيلية المحلية، تشمل مطالب اسرائيل: التزاما فلسطينيا بان يقود الحل النهائي الى إنهاء النزاع؛ التزاما من الدول العربية بالتطبيع مع اسرائيل؛ اعترافا فلسطينيا باسرائيل دولة اليهود؛ دولة فلسطينية منزوعة السلاح. وبإيجاز، على الفلسطينيين التنازل مسبقا عن كل اوراقهم التفاوضية، مقابل تجميد مؤقت للمستوطنات، ودون اي التزام اسرائيلي بالانسحاب لحدود ال67 او تفكيك ولو بؤرة استيطانية غير قانونية واحدة.

الادارة الامريكية تعتبر الالتزام الاسرائيلي بوقف البناء في المستوطنات نوعا من اعلان النوايا، وتعتقد انه سيمكّنها من إنعاش المفاوضات لتقوية موقع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (ابو مازن). ولكن العناصر الراديكالية في العالم العربي، وخاصة حماس، لا تجد مبررا للتنازل في حين ان حكومة اليمين الاسرائيلية متعنتة ومتمسكة بموقفها الرافض للانسحاب. صحيح ان العالم العربي، بمعتدليه ومتشدّديه، رحّب بخطاب اوباما، الا انه في نفس الوقت أثار علامات استفهام حول مدى قدرته على تنفيذ التغيير الذي وعد به، وترك للايام القادمة ان تبين مدى جدية الموقف الامريكي.

يدرك نتانياهو ان التزامه بوقف البناء في المستوطنات يمكن ان يكلفه ثمنا سياسيا يقود الى حل حكومته. كذلك، السلطة الفلسطينية منقسمة، وليست لابو مازن صلاحية التوصل لاتفاقات ملزمة مع اسرائيل. مؤخرا أعلن الفلسطينيون عن فشل الحوار الداخلي بين فتح وحماس والذي يدور في القاهرة بوساطة مصرية. بموافقة من الامريكان، يرفض ابو مازن استئناف المفاوضات مع اسرائيل بسبب رفضها الالتزام بشأن المستوطنات، وفي نفس الوقت يشدد مواقفه تجاه حماس ويقود حملة اعتقالات واسعة ضد نشيطي حماس في الضفة الغربية. وتمنع هذه الحملة امكانية التوصل الى تسوية بين فتح وحماس التي تطالب بالافراج عن 800 من معتقليها المحتجزين لدى السلطة، كشرط لاي اتفاق يمكن ان يقود الى اجراء انتخابات جديدة للمجلس التشريعي الفلسطيني وللرئاسة مطلع عام 2010.

اوباما هو الآخر ينشط على جبهتين. من جهة واحدة يضع امام نتانياهو خيارات صعبة، ومن جهة اخرى، يمارس ضغطا شديدا على حماس ويطالبها بالتنازل عن المقاومة المسلحة والاعتراف باتفاقات اوسلو. في هذا السياق يمكن فهم الضوء الاخضر الذي أعطته الادارة الامريكية لتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة سلام فياض، وعدم استعدادها لممارسة الضغوط على اسرائيل لتخفيف حصارها على غزة.

الاهداف واضحة – الولايات المتحدة تسعى للحيلولة دون الامكانية الواردة لفوز حماس في الانتخابات القادمة، والسيطرة على كرسي الرئاسة. امريكا لا تريد تكرار "خطأ" عام 2006 عندما فازت حماس في الانتخابات وبدل اللجوء للاعتدال شدّدت مواقفها واستخدمت فوزها في الانتخابات للسيطرة على غزة وتقوية موقعها في الضفة الغربية. حسب قوانين اللعبة الجديدة التي يعرضها الامريكان، سيكون على حماس إذا ارادت الانتخابات، ان تعترف اولا بالاساس الشرعي الذي قامت عليه السلطة الفلسطينية، وهو الاعتراف باسرائيل والاتفاقات الموقعة معها، اما اذا رفضت القبول بالقوانين، فلن يسمح لها بالمشاركة في اللعبة الانتخابية.

يقف اوباما امام زعيمين كلاهما يرفض اللعب حسب القوانين. الاول يرفض الاعتراف باسرائيل والثاني يرفض الاعتراف بفلسطين: الاثنان، خالد مشعل وبنيامين نتانياهو، يعرّضان مستقبلهما السياسي للخطر في حال قبولهما الشروط الامريكية. يتبين اذن ان هناك مصالح مشتركة تجمع بين كلا الزعيمين المتشددين، وقد بات كل طرف يستغل وجود الآخر لكي يبرر تشدده وعدم دخوله العملية السياسية الهادفة لانهاء الصراع والاحتلال.

للزعماء المحليين ما يخسرونه، ولكن لاوباما ايضا. المعارضة الجمهورية تنتظر وقوعه في الخطأ الاول لتنقض عليه. من المهم الاشارة انه اذا تم لاوباما مراده وأعربت حماس عن استعدادها للتنازل عن المقاومة المسلحة، واللعب حسب القوانين السياسية، وقدمت الحكومة الاسرائيلية خطوات حسن النية المطلوبة في مجال وقف البناء في المستوطنات، فسيبقى السؤال الصعب: ماذا يقصد اوباما عندما يقول "دولتين لشعبين"؟

لقد اعلن اوباما انه ملتزم بدولة فلسطينية، ولكن التزامه الاول هو لأمن اسرائيل. اذن، عن اية دولة فلسطينية يتحدث؟ اية سيادة ستكون لها؟ هل ستتمتع بتواصل جغرافي؟ ماذا سيكون مستقبل القدس واللاجئين؟ على ضوء الالتزامات الاستراتيجية للولايات المتحدة تجاه اسرائيل، وعلى ضوء صمت اوباما ازاء هذه المواضيع، يُخشى ان يكون اوباما قد قبل الصيغة الاسرائيلية للدولة الفلسطينية، والتي تفرغها من اي سيادة ومضمون.

مشكلة اوباما الاساسية في مسألة الصراع في الشرق الاوسط، هي نفس المشكلة التي يواجهها في القضايا الاقتصادية الداخلية – انه يحاول تطبيق تغييرات بعيدة المدى ولكن ضمن نفس الاطار الذي ثبت فشله. عدم قدرته على الخروج عن الاطر القائمة – العولمة الرأسمالية في الجانب الاقتصادي، واتفاقات اوسلو في الموضوع الاسرائيلي-الفلسطيني، سيؤدي الى انفجار الموضوع من جديد. النزاع الاسرائيلي-الفلسطيني يتطلب حلا في اطار رؤية استراتيجية جديدة، لا تكون اسرائيل فيها دولة محورية وقوة اقليمية عظمى، بل دولة عادية كبقية دول الجوار، تعلن انهاءها الاحتلال وتحظى بالاعتراف بها على اساس استعدادها لاحترام سيادة جيرانها، بما فيها سيادة الشعب الفلسطيني.









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لحظة إسقاط مسيرة إسرائيلية بعد استهدافها في أجواء جنوبي لبنا


.. كيف ستتعامل أمريكا مع إسرائيل حال رفضها مقترح وقف إطلاق النا




.. الشرطة تجر داعمات فلسطين من شعرهن وملابسهن باحتجاجات في ا?مر


.. مظاهرة في العاصمة الفرنسية باريس تطالب بوقف فوري لإطلاق النا




.. مظاهرات في أكثر من 20 مدينة بريطانية تطالب بوقف الحرب الإسرا