الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


6صباحا 9 مساء أمريكيا

يوسف المحسن
كاتب، روائي

(Yousif Almouhsin)

2009 / 8 / 6
العولمة وتطورات العالم المعاصر


في الموروث الشعبي العراقي هنالك الكثير من الحكايات التي هزت الذاكرة الإنسانية وبقيت في الأذهان لتتناقلها الثقافات المختلفة حتى ذهبت مثلا ، ومن بين تلك الحكايات إن شابا حكم عليه بالإعدام لارتكابه سلسة من الجرائم ويوم تنفيذ الحكم سال إن كانت له رغبة أخيرة فقال نعم أريد أن أرى معلمي , وحين جاء المعلم قفز عليه الشاب وأوسعه ضربا فسارع المحيطون إلى تخليص المعلم وهو في الرمق الأخير , قيل للشاب لم فعلت هذا فقال لقد راني اسرق وأنا صغير ولم يمنعني , انه السبب فيما وصلت إليه , الآن ارتحت يمكنكم تنفيذ الحكم !
هذه الحكاية وحكايات أخرى يحفل بها التراث الإنساني تؤكد أهمية قيام المؤسسة المجتمعية في البيت والمدرسة والحي بمراقبة الأطفال الذين هم رجال المستقبل .فالدول المتقدمة والتي سبقت عالمنا بخمسين عاما أو أكثر وعت هذه الحقيقة وعملت على استثمارها في عملية البناء الحضاري والمجتمعي. ومن خلال التجربة الأمريكية في التربية والتعليم والتي تعود إلى مئتين وثلاثين عاما يمكن القول بأن نظام التربية الأسرية ونظام التعليم هو من يقف وراء ما تحقق لأكبر دولة في العالم والتي يحكى إن اقتصاد إحدى ولاياتها يساوي ميزانية الاتحاد الأوربي أو إن أجواءها تستقبل خمسين ألف طائرة يوميا , في أمريكا كل شيء متوافر للطفل ، الطفل ابن الدولة وابن النظام مثلما هو ابن والديه ، والقانون هو الرحم الثاني والكبير للطفل حتى يلتحق بركب الكبار ، وحماية الطفل تأتي من خلال التشريعات والقوانين والأنظمة ، فالاسرة مجبرة قانونيا ومجتمعيا على إرسال ابنها إلى المدرسة على الرغم من إن الغالبية العظمى من الأمريكيين يعرفون أهمية المدرسة في تكوين الشخصية ويؤمنون بدورها ويتبرعون بشكل باذخ من اجل مدارس احيائهم وابنائهم وربما يتبرعون لبناء مدارس في بقاع كثيرة من العالم كأفريقيا والشرق الأوسط ، إن دافع الضرائب الأمريكي لا ينزعج إذا تعلق الموضوع بتمويل عملية شراء جهاز للمدرسة أو كاميرا حديثة بدل القديمة التي مر عليها عام! ولا يتوانى الأب الأمريكي عن دفع تكاليف نقل وإقامة إذا تأكد بأن المدرسة الجديدة ستعطي ثمارا أفضل لابنه ، إنها ثقافة شعبية عامة وليست تلقينية ، فهو يتعامل مع احتياجات ابنه بتفهم عال ، ومن خلال التراكم المعرفي يمكن القول إن الأب الأمريكي هو الأكثر استماعا لأطفاله ، ينصت لهم ويحاورهم ويناقشهم ويفتح معهم احاديث متواصلة عن الأشياء التي يحبونها والتي يكرهونها وهو يحرص على علامات ابنه في المدرسة وواجباته اليومية ، ومن النادر أن ترى طفلا امريكيا يلعب في الشارع ، أو أن تسمع إن طفلا تعرض للضرب من والده ، الطفل مشروع امريكا القادم فلماذا يضرب ، هكذا يقول عالم الاجتماعيات ( محمد )وهو تدريسي في المركز الإسلامي الأمريكي بولاية ( اركنساس )
مضيفا إن هناك قوانين تحرم القسوة على الأطفال وتمنع استغلالهم في الأعمال وهي قوانين محترمه تتفق مع تعاليم السماء والتقت عندها الأديان, ويساعد الأهل والجيران ومجلس التربية والتعليم والحكومة المحلية على تطبيقها وقد تصل عقوبتها إلى إعلان عدم أهلية الأبوين لاحتضان الأطفال فيلحقوا بمؤسسات تربوية تشرف عليها الحكومة حتى يتم تبنيهما من قبل عائلة جديدة ، ويؤمن المشرع الأمريكي إن الطفل له حضوره المادي والروحي القوي والذي يزداد قوة كلما انصتنا له ، يقول آدم سلامة وهو أكاديمي مصري حاصل على الجنسية الأمريكية :إن تربية الأطفال مهمة صعبة وشاقة في المجتمعات العربية لان المجتمع مقسم إلى نصفين ، قائد يصرخ ويزمجر و(يتنطط) ومرؤوس يعاني من وجع دائم في الاذن ,نصف يصدر الأوامر ونصف ينفذها دون معرفة , لهذا فأن غالبية البيوتات العربية هي عبارة عن معسكرات لاجئين , يتمتع الحراس فيها بكل شيء ويتركون بقاياهم للرعية ، وفي داخل كل واحد منهم يسكن هارون صغير وصدام كبير وشرطي لا يجيد القراءة ويراها ترفا وكفرا وتعاليا على الطبيعة ، لهذا اخترت الرحيل عن هكذا مجتمعات يستضعف بعضها البعض الآخر ، ويضيف سلامة : أنا سعيد لان ابني شريف وابنتي ساره ينظران إلي كصديق , يتحدثان معي ويشكوان وينتقدان ويفرحان ويشاركان في قرارات المنزل وعطلة نهاية الأسبوع وهما على إطلاع بدقائق الأمور , ومع الوقت أدركا بأن العبرة ليست في الحصول على ما نريد وإنما في الحصول على ما نستطيع الحصول عليه , ثم يضيف مازحا (يااخي سبحان الله العيال بأمريكا عندهم خمس سنين وبيتكلمو انكليزي!).
بينما يشير الأستاذ الياس كرم وهو باحث أمريكي من اصل عربي ومتخصص في التركيبة السياسية الأمريكية إلى إن أجمل القوانين التي اقرت في امريكا هو قانون 6 صباحا ـــ 9 مساء والذي منعت بموجبه القنوات المجانية من بث أية برامج أو مشاهد خادشة للحياء أو إباحية أو عنفية , والتاسعة مساء هي ساعة النوم عند الأطفال الأمريكيين ,وهو قانون اللياقة الذي يصر جميع الامريكيين على الالتزام به ويقومون بدور رقابي من اجل تنفيذه,
وقانون 6 صباحا ــ 9 مساء ليس له مثيل في العالم والأجمل منه هو الحرص المجتمعي على تنفيذه , ومن الطبيعي وأنت تسير في إي ولاية من الولايات الأمريكية الخمسين أن ترى أبا يغطي عيني ابنه إذا رأى مشهدا في الشارع قد يؤثر على نفسيته كحادث تصادم مركبتين أو دهس كلب أو مشاجرة بين شخصين ، انه قانون اللياقة العامة الذي أصبح جزأ من الشخصية المتحضرة ,
يقول آدم سلامة إن حضور اجتماعات المجالس التعليمية وندوات الأهل والمعلمين لا تقل أهمية عن الحضور في إي مناسبة كبرى , نحن نلبس أحلى ما نملك من ثياب ونجلس لساعات كي نستمع إلى المراحل التي قطعتها المدرسة في تعليم ابنائنا ، نحن نحاسبهم ونتبادل الآراء حتى في المنهج الدراسي فهم أبناؤنا والقانون يكفل لنا هذه الحقوق , ويضيف إن أي شخص في الحي الذي اسكن فيه إذا شاهد طفلا متغيبا عن المدرسة يسارع إلى إخبار أبيه في المرة الأولى أما الثانية فيقوم بإخبار السلطات !!
وبالعودة الى قانون 6 ص ـ 9 م الذي يعني حضرا لتجوال المركبات والأشخاص والأنفاس في العراق والصومال وافغانستان وغزة وجنوب السودان وجنوب لبنان وجنوب ايرلندا وجنوب اسبانيا والفلبين والجزائر والصحراء الغربية وكل جنوبات العالم المضطهدة وشمالاتها المتسلطة في كوريا والسودان فانه حاجة لا بد وان تسعى لتحقيقها المجتمعات العربية , ومن يتابع القنوات العربية الفضائية يدرك حقيقة ما يحصل ويرسم هوية الجيل القادم ، فمشاهد العنف ليس لها مثيل وما يسمى بـ ( افلام الرسوم المتحركة) اصبحت قصصا للجريمة والغدر والإسفاف والخيال العلمي غير الواعي إضافة إلى لغتها الركيكة والجميع يعلم أهمية اللغة السليمة بالنسبة للطفل ، فهي تصقل أذنه على تلقف المعنى ، ومن اجل طريق فارق الخمسين عاما علينا أن لا ننتظر حتى يكبر الأطفال ليفعلوا ما فعل الشاب قبل إعدامه .بنا وبقنواتنا الفضائية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. البنتاغون: أنجزنا 50% من الرصيف البحري قبالة ساحل غزة


.. ما تفاصيل خطة بريطانيا لترحيل طالبي لجوء إلى رواندا؟




.. المقاومة الفلسطينية تصعد من استهدافها لمحور نتساريم الفاصل ب


.. بلينكن: إسرائيل قدمت تنازلات للتوصل لاتفاق وعلى حماس قبول ال




.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تهدم منزلا في الخليل