الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في اشكالية الدين والعلمانية

عبد الرحمن دارا سليمان

2009 / 8 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


إذا كان إنتاج التعصب والتطرف والانغلاق الديني ، والتمسك بقراءات متزمتة ومحددة بخصوص الإسلام، يختلط فيها المذهبي بالطائفي والعنصري، مع التصورات والتفسيرات الشعبية للدين، وسيادتها على غيرها من القراءات الأخرى، خلال العقود الماضية ، يمثل تعبيرا عن بنية الدين نفسه، وأزمته العقائدية الداخلية، جملة وتفصيلا، كما يتصور البعض، فان السؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا سادت هذه القراءات الجاهلة والعنيفة منذ ثلاثة عقود فقط ، لدين عمره 14 قرنا ، دون سواها من قراءات ؟.

فهل كنا قبلها راقدين ونياما، ولا نعرف من أمور الدين والدنيا شيئا، ثم استيقظنا فجأة، عن طريق الصحوة الإسلامية المزعومة، على هذا التفسير البالي والمتخلف والمعادي للدين والإنسان والحداثة معا ؟ . أم هل صدق دعاة العلمانية المشوهة ، بأن هؤلاء المتخلفون عقليا ودينيا وثقافيا ، هم من يمثل الدين الإسلامي فعلا، بكل ما يتضمنه من قيم عليا، ومن معان إنسانية سامية، تؤكد على التعايش والتسامح والأخوة والمحبة، شأنها في ذلك، شأن بقية الأديان التي إن أخضعت للتحليل والتفكيك المعاصرين، لما اختلفت في دعوتها ورسالتها وجوهرها الأصلي والعميق ؟ .

العلمانيون الجدد ، يتجنبون الإجابة على هذه الأسئلة، ويحلو لهم ، تجزئة التاريخ والنظر إليه كمقاطع مستقلة عن بعضها البعض، ولا يربطها رابط أو نسق منطقي قادر على تفسيرها ، ويتناسون أن النقاشات والحوارات التي كانت سائدة بنفس الحماس والاندفاع والتعصب الحالي، في الخمسينات والستينات حول الماركسية واللينينية والماوية، ومن ثم حول القومية وحركات التحرر الوطني ، كانت خالية تقريبا من تأثير الدين ودور الإسلام السياسي وقتها، ومع ذلك لم تصل إلى نتائج جدية ومثمرة وقادرة على بناء مشروع وطني واضح، تتفاهم حوله كقوى يفترض فيها أنها علمانية التوجه والمسعى . بل ولم يكن الدين يشكل عائقا وتحديا أمام الدولة العربية الحديثة منذ تأسيسها وحتى فترة متأخرة .

المشكلة إذن ، لا تنحصر فقط ، في العلاقة بين الدين والعلمانية ، كما هي مطروحة اليوم ، أو في الاعتقاد المسبق بأن العلمانية لها عصا سحرية ستغير الحياة والسياسة والدولة والمجتمع معا، بقرار رسمي يصدر عن الجهات العليا عند استلامهم للسلطة، وبدون إن يبحث المجتمع والأفراد أنفسهم، عن ما يصلح حقيقة لهم، من نظم سياسية واجتماعية بديلة، تساعدهم على الخروج من المتاهة الفكرية، والاستقالة الأخلاقية، والتخبط الثقافي، والتحييد المتعمد والمقصود من قبل السلطات الحاكمة المستبدة، لدورهم الضروري والفعال في الشأن السياسي العام لبلدانهم، وحقهم في تقرير مصائرهم الإنسانية كسائر البشر والمجتمعات المتقدمة .

أي حين يسود اعتقاد فعلي بأن الديمقراطية هي الحل، بدلا من الإسلام هو الحل ، لدى الأوساط والنخب المثقفة أولا، وقبل الأوساط الاجتماعية البسيطة والمغلوبة على أمرها، سنكون عندها فقط ، قد تجاوزنا العقبة الأولى نحو التغيير، وتخطينا ثقافة الشعارات السياسية العريضة والفارغة، وانتقلنا من صراع الكلمات الميتة إلى صراع المعاني الحية، ومن استخدام الإنسان كرقم بارد ومبهم في قوائم الأحزاب المتنافسة للوصول إلى السلطة ، إلى بناء هذا الإنسان وتعمير ما تهشم من إنسانيته، بفعل الاستبداد والطغيان والقهر وسنوات الإقصاء والتهميش ، قبل الوصول إلى السلطة . ولا ينبغي أن ننسى بأن المد الجماهيري الذي اكتسبته الحركات الإسلامية في العقود الأخيرة، هو ذات المد الذي كان ماركسيا ومن ثم قوميا في عقود الخمسينات والستينات، وما ضياعه وعنفه وعدميته وانغلاقه وتعصبه الشديد ، إلا تعبيرا عن إحباط ويأس مطلقين نتيجة الفشل الذريع للسياسة والاقتصاد والتنمية في عموم المنطقة، بغض النظر عن قياداته التي تتلاعب بها الأجندات الإقليمية والدولية حاليا .

لن نستطيع الإجابة على تلك الأسئلة، مالم نتحرر من الأنانية والخوف وانعدام روح المسؤولية ومن قيودنا الداخلية الأخرى وما أكثرها .


هكذا يمكن أن تتحول وجهة ومسار المعركة من داخل المجتمع وبين فئاته ومكوناته المتعايشة بسلام منذ قرون، ومن مكانه الوهمي إلى مكانه الصحيح، ومن الجسد المعلول إلى سبب العلة والمرض ،أي نحو المصدر والمنبع الأساسي للمشكلة الدائمة والمزمنة منذ عقود طويلة، وهي : الدولة العربية التقليدية ، وما تتضمنها من فساد وانحطاط في القيم والأخلاق والضمير .









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - شكرا
نورا دندشي ( 2009 / 8 / 9 - 20:32 )
مقالة قيمة هذا ما نحتاج اليه في هذه المرحلة العصيبة لمعالجة القضايا الانية فما فائدة اجترار التاريخ وما فائدة العودة الى الوراء


2 - تحية وراي
ابراهيم البهرزي ( 2009 / 8 / 9 - 21:28 )
الاستاذ عبد الرحمن دارا المحترم
تحية طيبة
واذ اعتذر عن عدم ظهور ردي على تعليقك حول موضوعي رغم اجابتي -ربما لضيق وقت المحرر-فانني اكبر فيك هذا الطرح العقلاني-بالتاكيد لابد من وجود مفاصل خلاف بسيطة!!-ولكن اشارتك الى موضع الدين في عصور الاحتدامات السابقة في العقد الماضي او قبلها تؤشر على وجوب تدارك القصور في النظر الى الاثر الاجتماعي للدين -لا التدين-
الامر الواقع لا يمكن نسفه بالديناميت بل يمكن معالجة الغامه بيد خبير المتفجرات الحذرة ..
انها مخلفات عهود قديمة ضاربة في الفكر الجمعي وربما في الجينوم البشري ومحاولات الاختزال او البتر التي يلوح بها الطائشون ستؤدي الى تحريك حتى المتفجرات الراكسة في نسيان الموروث
البعض -وستقرافي هذا العدد من الاراء بهذا الصدد-يدعو الى سياسة العزل (الايماني )....مهما اختلفت فان الاخر شريك لك في الارض وعملية بتره ليست ناجحة في كل الاحوال..
بل انك تمهد له ان يمارس عملية بتر مضاد -بالنسبة للحمقى الذين لا يتعايشون مع نمط التفكير الديني الاجتماعي في حواضنه-لا يستطيعون تقدير رد الفعل الكارثي ,تبدو الامور بسيطة جدا بالنسبة لهم :
اسم مستعار
ولهجة ابادة فكرية !!
يا للبلاهة....
الم تكن مآزق الغرب في مواطن مجهولة اجتماعيا بالنسبة له


3 - جواب بسيط
بلند ( 2009 / 8 / 9 - 21:29 )
ترى لماذا هذا الكم الهائل من الاكتشافات والنظريات العلمية وكل هذه الاختراعات والاجهزة ومنها الكومبيتر الذي من خلاله نقرا كلماتك وارائك ظهرت في القرن العشرين وهذا القرن الذي نعيش فيه
ولم تظهر من قبل منذ نشوء الكون يا سيد عبد الرحمان


4 - تحية
سيمون خوري ( 2009 / 8 / 9 - 22:11 )
لقد سبقني في التعليق الصديق إبراهيم ،؟ له الشكر ولك وأكتفي بذلك .مع التقدير


5 - الأستاذ الفاضل ابراهيم البهرزي
عبد الرحمن دارا سليمان ( 2009 / 8 / 9 - 22:39 )
تحية احترام وتقدير

أشكرك على ملاحظتك القيمة والتي تصب حقا في جوهر ما نسعى اليه من تعميق الحوار والاستفادة من وجهات النظر المختلفة حول الموضوع قيد البحث . أتفق معك تماما في أن الدين وليس التدين ، كان ولا يزال ضاربا جذوره في العمق في تفكيرنا الفردي والجمعي على حد سواء ، الا أن المعني في المقال ، هو أن الأسلام لم يكن يمثل قوة سياسية ذات وزن يذكر في الخمسينات والستينات تسمح له باعاقة وعرقلة تطور وبناء الدولة الحديثة وتجديد مفهوم السياسة ، وهو في الحقيقة يمثل ردي على الاطروحات المتعلمنة والسائدة الآن ، في أن مفاهيم الاسلام جملة وتفصيلا ، تكمن وراء كل انحطاطنا وتخلفنا وهو ليس فهما قاصرا للدين فقط ، وانما يعفي السياسة والسلطات الحاكمة المستبدة والتي لا دين ولا أخلاق ولا قيم ولا أعراف ولا ضمير لها ، من أي مسؤولية تذكر . أليس غريبا أن يهمل المتعلمنون الجدد ، ماقامت وتقوم به دول العصابات والعشائر والعساكر والمافيات السياسية من ادوار قذرة في تفتيت وانهيار منظومة القيم الأجتماعية في البلدان العربية والاسلامية منذ عقود طويلة ، فالانحطاط والتخلف هما من نتائج الفشل في تأسيس الدولة العربية الحديثة على مبادئ المواطنة والقانون وفكرة المؤسسات . يسعدني ويشرفني الحوار مع شاعر وكاتب وصديق سأعتز بمع


6 - إحترام وتقدير
رشا ممتاز ( 2009 / 8 / 9 - 22:51 )
مقال عقلانى متزن
أتابع مجهوداتك ومقالاتك الرصينة منذ فترة
واصل سيدى فنحن بحاجة الى الف مقال لتقويم سلوك متطرف واحد
!
تحياتى


7 - بلند
عبد الرحمن دارا سليمان ( 2009 / 8 / 9 - 23:01 )
تحية طيبة

نعم ،ان هذا التطور العلمي الجبار هو بفضل العلمانية وانجازات العقل البشري بعد ازالة ونزع الطابع السحري والميثولوجي من تفكيره ، وهو لم يتم بين ليلة وضحاها ، ربما مروا قبلها في نقاشات وحوارات مثمرة كالتي نفعلها انت وأنا الآن ...لك تقديري ومحبتي


8 - صوت العقل
فدى المصري ( 2009 / 8 / 9 - 23:03 )
احي فيك هذا المقال الذي يعلو فيه صوت الاتزان في تحليل الامور ومسارها استنادا للمنطق والعقل كما تم الاشارة سابقا وقد اخترت هذه العبارة منك كنقطة انطلاق تمجيد نحو بناء جماعي تكاملي بين المواطنين :لن نستطيع الإجابة على تلك الأسئلة، مالم نتحرر من الأنانية والخوف وانعدام روح المسؤولية ومن قيودنا الداخلية الأخرى وما أكثرها .
فعلا اصبت استاذي بهذه الدعوة التي نفتقدها كثيرا في حياتنا

ولكن ألا تظن استاذي ان الديمقراطية وسيادتها التي ندعو لها بعيدا كل البعد عن ما هو ممارس فعلا حتى في ظل المجتمعات الاكثر تحررا ً ؟ لسبب بسيط اصطدام الحرية الفردية بأكثر من عائق يصعب تجاوزه

فعندما نستصيغ المعطى الحقيقي للحرية المسئولة التي تعي الجانب الجماعي قبل المصلحة الفردية عندها يمكن لنا ان نحقق مجتمع علماني يخضع لسلطة ونظام وضعي مدني يحمي حق الأنسان ويكرس كرامته كغاية من اي استغلال يقع بحقه او يسلب آدميته .


9 - ألأشكالية أوسع وأعمق بجذورها مما تدعون .
ماجد جمال الدين ( 2009 / 8 / 10 - 08:21 )
ألسيد عبد ألرحمن دارا سليمان
تحية طيبة
هذه ألقراءات ألجاهلة وألعنيفة لم تسد منذ ثلاث عقود بل هي إستمرت طيلة أل 14 قرنا ألماضية لأنها بدأت من هنالك أصلا كنتاج مجتمع ألبدوية ألهمجية ألتي تسلطت على رقاب ألشعوب ألمتحضرة نوعا .. وبألفعل كنتم راقدين ونياما حتى أيقظتكم قليلا رفسات هذا ألفكر ألديني وهو يعاني نزعه ألأخير .. وألحديث لا يجري فقط عن ألدين ألإسلامي ولو أننا نحاربه أولا لشراسته ألمميزة ولأننا نعيش في أحضان ألمجتمع ألمتخلف ألذي أنشأه .
ولن تستطيعوا أن تعيشوا بأوهامكم بسلام كما عشتم طيلة ألقرون ألماضية كما تمنيت في نهاية مقالك .

ألسيد إبراهيم ألبهرزي
مع كل إحترامي فإني أعتقد أن ألحمقى هم من لم يدرسوا ويدركوا مدى ألتأثير ألذي خلقته وتخلقه ألتطور ألعلمي ألتكنولوحي وألعولمة ألثقافية في وعي ألشعوب ، وأن ألفكر ألديني كله إلى زوال كنتيجة موضوعية لتعارضه مع تطور عقلانية ألبشر وكونه أصبح عقبة أمام تطور المجتمع ألبشري وحتى ألجنس ألإنساني في ألقرون ألقادمة .. وهذه ألأزمة ليست أزمة بلاهة وأسماء مستعارة ونزعة تحديات فردية هوجاء أو صراعات قبلية أو قومية مع مستعمر ما . وليس عندي مجال هنا للشرح أكثر .
مع تحياتي


10 - فدى المصري
عبد الرحمن دارا سليمان ( 2009 / 8 / 10 - 12:01 )
السيدة الفاضلة فدى المصري...تحية طيبة

الديمقراطية ، شأنها شأن العلمانية والحرية ، ليست مفاهيم ثابتة وجامدة ولا يمكن تحقيقها دفعة واحدة أو بمجرد توفرالرغبة فيها أو استيرادها كأية آلة أو بضاعة أخرى مع شرح طريقة الاستعمال . فهي مفاهيم واسعة وتتسع أكثر فأكثر مع الزمن ومع تطور الفكر الانساني الذي أنتجها في الأساس . الأصوليون يكفرون هذه المفاهيم ويقاوموا أي محاولة للتطرق حولها بلا وعي وبجنون ،في الوقت الذي هم غارقين في استخدام أدوات ومنجزات الحداثة، أي انهم يتلاقفون الثمرة ويرفضون الشجرة . الديمقراطية ليست مجرد أدوات وآليات وصناديق اقتراع . الديمقراطية ليست تقنية وانما ثقافة شاملة تنزع شيئا فشيئا الى اعادة بناء الاسس التي تقوم عليها الجماعات والافراد وأشكال تفكيرهم وتصوراتهم عن أنفسهم وعن بعضهم البعض. أما المتعلمنون الجدد ورغم أني لم أقرأ لحد اللحظة أي تصور واضح وجدي لديهم حول تلك المفاهيم ،سوى السباب والشتائم للطرف الآخر وبعض التصورات النظرية الفقيرة والتي لا علاقة لها بواقع مجتمعاتنا وقواه الحقيقية، يسعون بدورهم بوعي أو بلا وعي أيضا الى عرقلة نشوء وبناء تلك الثقافة في الحوار كما يجري اليوم أمامنا . أحدهما يسعى الى الغاء الآخر بصورة قطعية ونهائية وهي لا تعني سوى ادامة الاقتتال والم

اخر الافلام

.. زلزال تركيا وسوريا: حصيلة القتلى ترتفع إلى أكثر من 8300 وعمل


.. فرق الإنقاذ تواصل البحث عن ناجين وسط دمار كبير تسبب به الزلز




.. مؤتمر -ليب- في الرياض يواكب الحوسبة السحابية والذكاء الاصطنا


.. نجاة أم وابنتها من حادث سقوط مئذنة أثناء الزلزال بولاية قيصر




.. شاهد| تجدد الحريق في ميناء إسكندرون التركي وقوات الإطفاء تحا