الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إرهاب الاحتلال وإهاب المقاومة ومجموعة ال55

ناجح شاهين

2004 / 5 / 13
الارهاب, الحرب والسلام


منذ متى واجه البشر موضوع الحق والباطل، المشروع والمحرم؟ الإجابة واضحة: منذ زمن بعيد. نحن نمتلك الشرعية وعدونا يفتقر إلى كل شيء. نحن نمثل الخير وعدونا يمثل الشر. هكذا نغرق في النسبوية الشاملة؛ هكذا نستعيد على الفور بروتاغورس وجورجياس، وكل ذلك الإرث المراوغ والجميل من أيام القوس الذهبي الفلسفي اليوناني: إن كل ما تراه صحيحا هو صحيح، بالنسبة إليك بالطبع. لكن هنا بالذات علينا أن نبكي الزمان الوضعي بدموع سخينة. فقد سعى معلمو الوضعية الأنجلو ساكسون خصوصاً إلى القول دائماً بأن الحقيقة الموضوعية المقاسة بدقة متناهية –بميزان الذهب نفسه- متوافرة على الدوام. وعلينا فقط أن نتبنى المنهج المعروف في علوم الطبيعة فنصل كل شيء. في الواقع أن كل ما لا نستطيعه قياسه هو وهم أو أسطورة أو قضية زائفة. لكن والحق يقال لا يوجد لدينا طريقة للتوفيق بين نظريات العالم الأنجلوسكسوني وممارساته. وعندما يتعلق الأمر بمسألة كالإرهاب نفتقر إلى أية طريقة لتوضيح الموقف. إذ كيف سنتمكن من تحديد الإرهاب الخير من الإرهاب الشرير؟ الواقع أنني لم أعد أعرف. وبالنظر إلى عدم تضلعي في قوانين العالم الأنجلو أمريكي العلمية والثقافية فإنني قد تهت كثيراً في مجاهل النظرية والتطبيق باحثاً عن إضاءة فيما يخص الإرهاب، لكن دون جدوى. فقد كثر الإرهاب العربي وخصوصا العراقي والفلسطيني إلى درجة أرهقت العالم الحر. وقد حار الرجل الأبيض في كيفية منعنا من تدمير شروط الحضارة التي تفخر أولاً وقبل كل شيء بأنها حضارة إنسانية ترعى حقوق الإنسان بالذات.
هناك لكي ننصف بني جلدتنا فئات من المثقفين العراقيين والفلسطينيين ( مثل جماعة ال55 المشهورة بمواقفها المناهضة للعنف الفلسطيني ضد المدنيين الإسرائيليين) التي تنبهت إلى مخاطر العنف العربي بحق الأمن والسلام وحقوق الإنسان التي تتحقق يومياً بعد يوم وعلى امتدد العالم أجمع. هؤلاء المثقفون خرجوا بشجاعة نادرة، أو قل عز نظيرها، وأعلنوا في الصحف المرة تلو المرة وعلى نفقة الاتحاد الأوروبي أو السفارة الأمريكية أو البنك الدولي -لا أذكر على وجه الدقة- أعلنوا أنهم ضد الأعمال الإرهابية التي لا يوجد ما يسوغها أبدا. وقد بدا واضحاً لهؤلاء المثقفين الأكثر خبرة بالشرائع والقوانين في أحدث طبعاتها الصادرة في لندن ونيويورك أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو اختلاف بسيط حول الحدود يمكن لوم الطرفين فيه. ويجب البحث عن حل وسط يستند إلى الحوار المرتكز على التفاهم بل حتى الحب المتبادل أيضاً. لقد فشل أصحاب الآفاق الضيقة في رؤية كل ذلك الفيض من التسامح لدى مثقفي المنظمات الأهلية الفلسطينية ولكن شارون على الأرجح قد تمكن من تفهم كل ذلك. ولهذا بالضبط نجده يغدق فيضاً من الحب والهدايا تنال غزة منها نصيب الأسد غير أن الضفة والحقيقة يجب أن تسجل لم تحرم منها تماماً.
القصة المؤلمة أكثر هذه الأيام هي بالطبع قصة العراق. وهناك لا مجال للزعم بأن الولايات المتحدة تريد استيطان الأرض أو اقتلاع السكان، وهي لديها من الأرض الخصبة والجميلة الموروثة عن الآباء والأجداد، والمفتوحة بدماء الشهداء الذين خاضوا حرباً مقدسة ضد الوثنيين المدعوين بالهنود الحمر وطهروا دنيا الرب من أدرانهم. لا يستطيع إذن أحد أن يزعم أن الولايات المتحدة رائدة الأخلاق وحقوق الإنسان في العالم الحر قد جاءت إلى العراق بغرض غير تحرير العراقيين من وحشية النظام السادي الديكتاتوري البطريركي لصدام وحزب البعث. وقد كان الهدف وما زال واضحاً كالشمس: إنه تحرير العراق والعالم من تهديدات ذلك الطاغية. ومثل كل جراحة ضرورية لا بد من بعض الألم. وكعينة من الألم نذكر مقتل أكثر من ألف مدني في الفالوجة منذ قرابة الشهر عن طريق الصدفة. أما التعذيب في السجون ومنه أبو غريب فليس له تفسير مقنع. ولكن من المؤكد أن مؤامرة كبرى – ألسنا نعزو كل شيء للمؤامرة- قد ُنسجت خيوطها بمهارة من أجل تشويه صورة الولايات المتحدة وجنودها الذين أصر رؤساؤهم على أن ما يجري هو مجرد سوء فهم في أسوأ الأحوال. ولا بد أن المساجين العراقيين الملاعين قد رتبوا كل شيء. والحبكة ليست صعبة التصور.
الحق أقول لكم إن دخول الجمل في سم الخياط أهون من دخول مجموعة ال55 في مهاترات تتسبب في إغضاب الممول الغربي. ولعل هذا يفسر إلى حد كبير الصمت الواضح والفاضح جداً الذي يترافق مع ما جرى في العراق وغير العراق. إننا لم نسمع أي شيء. وحري بنا أن نتخيل ما كان سيجري لو أن حزب الله فعل عشر أو حتى واحد في الألف من ذلك مع أسرى " جيش الدفاع الإسرائيلي" . الصحيح أن حزب الله مثل الجبهة الشعبية وحماس والجهاد لم يتمكن من " الفرار " من تهمة الإرهاب التي اصطادته أمريكياً وإنجليزياً وأوروبياً وأخشى – إلى حد كبير – عربياً. لم أسمع شيئا البتة في باب الدفاع عن حزب الله الذي قاتل بالضبط ضد جيش نظامي بينما ذلك الجيش النظامي المحتل قتل المدنيين اللبنانيين. إن مقاومة ذلك الجيش المحتل تعتبر إرهاباً، وأفعال الجيش المحتل في أراضي الغير - وهي هنا لبنان- تعتبر دفاعاً عن النفس. لم نسمع أصحاب البيانات الفلسطينية خصوصاً والعربية عموماً يقولون شيئياً بخصوص ذلك كله.
إننا نعلم بالطبع ودون أن يكون علمنا يقينياً كعلم السيد بوش بخصوص أسلحة الدمار الشامل العراقية وعلاقات صدام المزعومة بابن لادن الوهابي، نعلم علما أرضيا متواضعاً يستند إلى الوقائع الحاضرة والماضية، أن رحلة الأنجلوسكسون باتجاه العراق لا تجد تسويغها في منح العراقيين الحرية من حكم الطاغية. وهذا على الرغم من أننا نتفق معهم في أنه طاغية، ندرك مثلما يدرك كل الناس في العالم المستعبد بالذات أن الرحلة هي لغايات البحث عن الكنوز مثلما كانت رحلات السلف من أوروبا باتجاه القارة الأمريكية الجديدة. كنا نتمنى على الأمريكيين لو يكملون المعروف ما دام باب الاحتلال التحريري – كم هو عجيب التناقض، لكن هذا غيض من فيض من تناقضات العم سام – قد شرعت أبوابه، ويحررونا من أنظمة أخرى طالما قمعت الناس بأسماء وأشكال مختلفة، وهي في أسعد حالات الحب مع الإدارات الأمريكية المتتابعة بما فيها الحالية.
لكن هذا كله لغو وباطل. نحن نعرف بطلانه وغيرنا كذلك، وخصوصاً الأمريكيين. ولأسفنا الشديد فإن المواطن الأمريكي البسيط المخدر بماكينة إعلام ولا ألف ليلة لم يهتم لكل مصاب العراقيين وصنوف التعذيب الأسطورية التي ألحقت بهم. قال: المهم أن يعود الجندي الأمريكي وزميله البريطاني سالماً ومنتصراً. لقد شعرت بالرعب من ذاك المواطن البريء والمسالم والذي لا ناقة له في الحرب ولا جمل لأن ريعها إنما يعود لجيوب شركات السلاح والبترول التي يقطر رأسمالها دماً من رأسه حتى أخمص قدميه.
كنت أود أن أقترح على أبناء جلدتي المثقفين الفلسطينيين من جماعات "الغير حكومية" المناهضة للعنف هذا النداء الحالم: أستحلفكم بالله، وجهوا رسالة لهذا المواطن الأمريكي، فقط سلوه عن سر هذه الاستهانة بدماء العراقيين وكرامتهم. لا تسألوا الشركات الكبرى والمؤسسات الكبرى فأنتم على الأرجح تعيشون من فائض صدقاتها ومكرماتها!
الكاتب أكاديمي فلسطيني يعيش في رام الله








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش الإسرائيلي يستدعي ألوية احتياطية لجنوب لبنان.. هل فشل


.. بالخريطة التفاعلية.. جيش الاحتلال يقتحم مخيم جباليا بشمال قط




.. من غزة | مجمع الشفاء يعود إلى الحياة


.. الاحتلال يكثف قصفه المدفعي على المناطق الجنوبية بلبنان




.. مسيرة أوكرانية طراز -إف بي في- تدمر مسيّرة روسية في الجو