الحوار المتمدن - موبايل


البنوك من أكبر العقبات أمام مستقبل التمويل الأصغر في السودان

محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي

2009 / 8 / 11
الادارة و الاقتصاد



لقد صاحب الكثير من المشاريع المقامة من أجل مكافحة الفقر وتحسين أحوال المواطنين خاصة الفقراء منهم،الفشل الذريع ولم تؤتي اكلها وثمارها، وما ذلك إلا نتيجة لقصور مزري في معالجة اصل المشكلة وإجتثاثها من جذورها، والتي تتمثل في السياسات الكلية للاقتصاد السوداني المجحفة والتي تقف ضد المنتج الصغير. أضف الي ذلك ان البرامج التي دعمتها الدولة عبارة عن اعانات قدمت للمواطنين الفقراء سرعان ما تبددت في مقابل الاحتياجات اليومية الاساسية ولم تتجه سياسة الدولة لمعالجة المشكلة من خلال تمليك وسائل الانتاج وادواته عبر تجميع جهود هؤلاء المنتجين المادية والفنية والبشرية ومن ثم تكون تلك المبالغ التي يتلقونها من الدولة عبارة عن اسهم في مشروع يمتلكونه ويديرونه ويوجهونه ويسعون لتنميته وتطويره في اطار اشراف الدولة واجهزتها المتخصصة، بدلا ان تذهب هذه الاموال والمبالغ المخصصة لهم إلى جيوبهم كاعانات ومنح وزكاة. في السودان تعرضت الفكرة التعاونية للتشويه والملاحقه وتكوين ثقافة معادية للتعاون فكرة وتنظيما لدى كلا من متخذ القرار وأيضا الجمهور مما ألحق أكبر الضرر بها وأدى لانحسارها إلى حد كبير. بالرغم من الكتابات المبكرة لمفكرين تعاونيين كانت تنادى بضرورة إعادة النظر فى آليات العمل وسبل الادارة التعاونية إلا أن جمود التشريع وجمود الهياكل التنظيمية والأطر الإدارية فى المنظمات التعاونية عطل أو منع الاستفادة من هذه الأفكار الاصلاحية التى أثيرت مبكراً. وبالرغم من أن السودان بلد زراعي، وبالرغم من أن القطاع الإقتصادي "خاصة الزراعة" شهد تغيرات مؤسسية هيكلية وظهرت أطر مؤسسية جديدة، وتشريعات منظمة، علاقات وترابطات أمامية وخلفية، تطورات فى التكنولوجيا والادارة شملت معظم جوانب النشاط الإقتصادي، على قاعدة التحرر من القيود الحكومية والانطلاق وفق آليات السوق، إلا المنظمات التعاونية التى ٌتركت أسيرة إدارات بيروقراطية متحجرة متمسكة بتشريعات جامدة تكرس اليد القوية للسلطة وموظفيها فى الاشراف والتوجيه أو قل فى الحصار والتدمير.
المرحلة التي يمر بها السودان، وفي ظل تزايد معدلات الفقر تتطلب إعادة النظر في المنظمات الريفية والفئوية (التعاونيات الريفية التي تدار وتمول بمعرفة الأعضاء، روابط وإتحادات المنتجين الزراعيين وعمال الريف، وصناديق الائتمان الريفية، وروابط النساء والشباب، والخريجين وغير ذلك من مجموعات الجهود الذاتية) وإعتبارها شكل أساسي من الأشكال الهامة لرأس المال الاجتماعي والريفي الذي يمكن من القيام بأعمال الجهود الذاتية الجماعية، والإستغلال الأمثل للتمويل الأصغر، وتيسير تحقيق التنمية في الريف والحضر.
إن من أكبر معوقات نمو وتطور صناعة التمويل الأصغر بالإضافة الي فقر وضعف ثقافة التمويل الأصغر في بلادنا ، التدخل الغير متوازن للدولة في هذا القطاع الحساس، وإدارته بعقلية البنوك التجارية الإستهلاكية البذخية والتي تظهر في التسهيلات التمويلية التي تمنحها هذه البنوك، علي تفاوت فيما بينها لعملائها، لأقامة المشاريع الإستهلاكية البذخية الإستفزازية. ويتمثل تدخل الدولة الغير متوزن في السياسات التي إنتهجها بنك السودان في ظل السياسات الإقتصادية الكلية والتي تقف حجر عشرة، ومعوق لكل منتج وبخاصة صغار المنتجين من المزارعين والحرفيين وغيرهم، وبصورة أخص قطاع المرأة والشباب.
فعلي الرغم من أن استراتيجية التمويل الأصغر ببنك السودان نصت على انه يجوز للمصارف تقديم التمويل الجماعي وخدمات التمويل الأصغر غير المصرفية بإستخدام التمويل الجماعي غير المباشر من خلال المنظمات غير الحكومية التي لديها برامج تمويل أصغر (وطنية/دولية) أوعن طريق وكلاء ذوي صفة قانونية لديهم ترتيبات إئتمانية مع المصارف، علي الرغم ذلك لم تستطع البنوك التجارية في السودان إنجاز شيئ يذكر في هذا المجال. أضف الي ذلك إن البنوك التجارية لم تستطع حتى الآن العمل بالضمانات الغير تقليدية المطلوبة للتمويل الأصغر ولن تستطع ذلك، بالإضافة لعدم التفهم والحماس أصلا لتقديم خدماتها لطالبي التمويل الأصغر. ان اى سقف يفرضه البنك المركزى للتمويل الاصغر لايجد الترحاب والقبول الكامل من قبل جميع المصارف العامله فى البلاد وان مبدا التخصص غير شائعا حاليا مما يودى الى طول وتعقيد الاجراءات ويترتب عليه ارتفاع تكلفة التمويل وعزوف العملاء عنه والبحث عن بدائل اخرى. وتشير الدراسات الى ضعف خدمات التمويل الاصغر فى البلاد والتى لم تتجاوز نسبته ال5%، كما ان النظام المصرفي بوضعه الحالي غير مصمم لخدمة احتياجات القطاعات الاكثر فقراً بالاضافة الى مسألة الضمانات التى تفرضها وعدم وجود تعريف مقبول للفقر والفقراء النشطين اقتصادياً من التحديات التى تواجه التمويل الاصغر فى السودان.
أما البنوك المتخصصة ففي غالبها ليست بأحسن حالا من البنوك التجارية، إذا إستثنينا منها البنك الزراعي السوداني بخبرته الطويلة، وبنك الإدخار ببداياته التأسيسية الجيدة. فمعظم البنوك المتخصصة قد دخلت في عباءة البنوك التجارية ولم تقدم شيئ يذكر من الخدمات المفترض تقديمها للفئات المحتاجة التي لم تتلقي من تلك البنوك سوي الشعارات البراقة، وخير مثال لذلك بنك التنمية التعاوني الإسلامي، ومصرف المزارع.
إن التموبل الأصغر كبرنامج لمحاربة الفقر فكرة عملية وعلمية لكن اسناد آلية تنفيذها للبنوك التجارية، والبنوك المتخصصة بصورتها الحالية، هو الفشل بعينه لأن هذه البنوك بعد أن منحت في كثير من الحالات أموالها كتسهيلات بضمانات ضعيفة ووهمية في بعض الحالات، ولا أمل في استردادها وتحاول الآن الحفاظ علي ما تبقي لها من الأموال التي هي حق المودعين أصلا، سوف لن تكون ذات فائدة لطالبي التمويل الأصغر.ولقد أثبتت التجربة العملية خلال الخمس سنوات الماضية أن هذه البنوك ذات التوجه الإستهلاكي البذخي، لا تصلح كأداة ووعاء لتقديم خدمات التمويل الأصغر، بل تضييق الخناق علي الفقراء راغبي التمويل الأصغر بحجة عدم تكرار التعثر فتفرض عليهم شروط قاسيه وضمانات لم يفرضونها أو يطلبونها أصلا من كثير من العملاء السابقين. نجاح فكرة التمويل الأصغر يتطلب من الحكومة أولا ابعاد بنك السودان نهائيا من قطاع التمويل الأصغر، إلا من بعض الجوانب الفنية، وذلك لكي يتفرغ للمشاكل والإخفاقات المتفاقمة للقطاع المصرفي ببلادنا، ومواجهة الأزمات التي يعيشها مع كبار المتعثرين في البنوك التجاريه بسبب فرماناته وتعليماته التي لا يجيد غير صياغتها. وفي نفس الإتجاه يجب أن تبتعد تلك الجهات التي لا علاقة لها بصناعة التمويل الأصغر، مثل ديوان الزكاة ووزارة الرعاية الإجتماعية، عن العمل التنفيذي والتخطيطي لسياسات التمويل الأصغر، وأن ينحصر نشاطها في الإطار الإجتماعي الذي أنشأت وقامت من أجله، لأن صناعة التمويل الأصغر عمل إقتصادي وإداري وإشرافي في المقام الأول، ولا يدخل في إختصاص وتخصص مثل هذه الجهات.
أن الوصول لأكبر عدد من العملاء من طالبي التمويل الأصغر والمحتاجين له، يتطلب إعادة النظر في السياسات الإقتصادية الكلية، ومن ثم وجود مكانة وإعتبار جديد للفقراء وصغار المنتجين بصورة أكثر تحديدا ووضوحا. وهذا يتطلب أيضا التركيز علي مايعرف بالتمويل الجماعي أو "التمويل بالجملة" والذي يمكن للجمعيات التعاونية ذات التأسيس الجيد أن تكون وسيلة مثلي لإستغلال التمويل الأصغر في التنمية ومكافحة الفقر، والإرتقاء بمستوي المواطنين الضعفاء إقتصاديا وإجتماعيا. إن أمر التمويل الأصغر ببلادنا الي جانب النظرة الإقتصادية الدقيقة والثاقبة، يتطلب قيادات ذات مواصفات كارازمية وإصلاحية عالية، والي أشخاص يتمتعون بصفات مثل تلك التي ظهرت في شخصية الإنسان العظيم بروفسور محمد يونس صاحب جائزة نوبل للسلام عام 2006. هذه الورقة محاولة للتعريف بالفكر التعاوني وأهمية التعاونيات بإعتبارها وسيلة وأداة ناجحة من أدوات محاربة الفقر عبر التمويل الأصغر. أن من أهم مقترحات هذه الورقة قيام مؤسسات التمويل الاصغر، والتعاونيات والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المحلي اضافة الى الصناديق الاجتماعية بتأسيس هيئة أو مؤسسة عليا تسمي الهيئة أو المؤسسة العليا للتمويل الأصغر، يتكون رأسمالها وتمويلها، بالإضافة الي مساهمات الجهت المكونة لها، نسبة من عائدات البترول والجمارك والضرائب ومن جبايات المحليات وأى عوائد أخرى. ويمكن لطالبي التمويل الأصغر التوجه لهذه الهيئة بطلباتهم للحصول علي التمويل الأصغر بعيد عن هيمنة وفشل بنك السودان والبنوك التجارية في الواقع الحالي. وعلي هذه الهيئة أو المؤسسة منح التمويل للفقراء دون التعقيدات البيروقراطية والشروط التعجيزية المجحفة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - العقبات التي تواجه التمويل الاصغر في السودان
عبدالرووف هواش ( 2011 / 8 / 15 - 08:15 )
بسم الله الرحمن الرحيم
اولا اشكر كل المشاركين في هذا المنتدي
اولا العقبات هي وجود فجوه كبيره بين مانحي التمويل والشريحه المستهدفه
ثانيا الضمانات وهي اكبر عقبه في التميل الاصغر
ثالثا عدم وجود احصاء دقيقه لعدد الفقراء في السودان كل الاحصاءات وهميه وغير مطابقه مغ الاحصاءات الاحري مثلا الرعايه الاجتماعيه تقول عدد الفقراء في الولايه الشماليه 5الف اسره الذكاه 3الف اسره حكومة الولايه تقول 7الف اسره

اخر الافلام

.. العراقيون يستقبلون رمضان بغصة وجيوب فارغة وظروف صحية واقتصاد


.. كندا وتركيا.. الصادرات العسكرية


.. مجلة المراسل: إنتاج لبناني سوري مشترك يعزز جودة المسلسلات وي




.. حسام صالح المتحدث الرسمي للمتحدة يشرح أسباب إعادة هيكلة الإن


.. حسام صالح : الأستاذ تامر مرسي دعى لإنقاذ العملية الإنتاجية و