الحوار المتمدن - موبايل


علي جعفر العلاق/ مراثي الانا/ مراثي الممالك الضائعة

علي حسن الفواز

2009 / 9 / 5
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


يواصل الشاعر علي جعفر العلاق الانشغال بالافصاح عن حساسيته المفرطة في الكتابة الشعرية، ينكشف عبر ما تجسّه مجسات رؤيته على عالم تحتشد فيها كائنات الطبيعة والاسطورة، كتابته تتدفق شعريتها محمولة على شفرات تترمز فيها فجيعة الاحتشاد عبر ماتتركه من أثر على صوره واستعاراته، تلك التي تمثل هاجسه القلق دائما، وسؤال المفتوح المحرص على تدفق شعريته النوعية، مثلما تمثل اضافة لتاصيل رؤيته لموروث شعري، يجدد ثيابه العائلية، يساكنه بالتحقق والاستغراق في شجونه، او ربما يجعله احتماله المفتوح على استغواء قابلية استثنائية للكتابة، تلك التي قد تكون انشدادا الى تبئيرات صوتية واستعادية يستحضرها بنوع من التشهي والتعرف، اوربما تكون مقدمة يقف عند عتباتها باحثا عن صوته القديم، صوته العالق باساطير المكان والبطولة واللذة، تلك التي يستحضرها بقوة وكأنها شفرة روحه المشبوبة وسط عالم تضيع كنوزه وتتسع خرائبه، عالم يواجه سلسلة من الغيابات التي تبدأ بالحرب والاحتلال والمنفى والموت وتنتهي عند اتساع المراثي التي تتحول الى نواح او اغاني محتشدة بالاسى، يستحضر فيها انكساره، او يستعيدها (اضرحة من حنين)كما يسميها.
في(ممالك ضائعة) مجموعة مختاراته الشعرية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر/بيروت في طبعتها الثانية، ياخذنا علي جعفر العلاق الى خيارات قصدية يرسم من خلالها مساحات ما يستحضره، ومايهجسه، ومايتوه امامه شاحبا، باحثا عن ممالك او اوطان او بقايا عتيقة لذاكرة عالقة بالرماد، تلك التي تتحول رؤى قاتمة، لاينفك عنها الاّ عبر المزيد من النواح والبوح والبحث عن فتنته الضائعة، فتننة البلاد والعشب والانثى والندى..
ينحني العلاق عبر لغة شفيفة، ندية، رشيقة، مموسقة بمهارة وخبرة، على ما يستشرفه في رحلة بحثه تلك عن ممالكه، من اسرار واسماء ورموز واساطير رافدينية واسفار اوديسوسية، يصطنع لها طقسا مقابلا هو الشبيه بطقوس الاستعادة التي كان ينشدّ اليها السومريون وهم يستعيدون ارواح شعرائهم وابطالهم وخلانهم الموتى، اذ يستعيد الشاعر اوروك والرصافة والجنوب وغرناطة، يصطنع لها الاناشيد والليالي التي ترشّ عليهم غبار الاغاني القديمة.
في قصائد المجموعة الكثير من الحنين، لكنه ليس نوستاليجيا، بقدر ماهو رغبة عارمة في تلمس ماهو خبىء، مندس، يجسّه عبر الكشف والشهادة واحساسه المرعب بالفجيعة، وعبر ما يمكن ان يمور به سفره الشخصي المتماهي والمتخيل مع لذات غائبة، وامكنة هاربة، و(حقول غضة تفوح من حنجرة المغني) تلك التي يستعيدها عبر ما تبثه مثيولوجيا اسفاره، فردوسه المفقود، ايامه المكسوة بالحنين، قصة خليقتها الدامية، اسفار كائنه الخائب، الفاقد لخلّّه ومكانه، ومركبات غنائمه.
العنوان/العتبة النصية(ممالك ضائعة) هو الموجّه الاسمي الوصفي الى بيان قصدي يوحي عبر اشارته الى رؤيا مايمكن ان يراه البعيد، الغائب من هواجس هي بعض تخيلاته القهرية ازاء ما يتلبس المكان/البلاد/البيت من اغترابات، تلك التي تتحول من تفاصيل غائمة ومتشظية الى اشياء حميمة، مهيجة، ومن اماكن عابرة الى ممالك عبر تفخيم مثيولوجي، وضائعة عبر الايهام بما تواجهه من غزو، وتعسف، وقهر وعزلة.
هذا التوصيف التخيلي يدفع الشاعر لاستحضار خزين طاقته الصوتية، نداءاته، ايقاعاته التي ترهن نفسها لبنيات عروضية متعددة الطيف، تكشف عن قلق الشاعر، حنينه، انشداده العذب الى فكرة المكان الغائب، والخلّ الغائب، والمرأة الغائبة، والرموز والاقنعة والاساطير اليومية والتاريخية التي يمارس عبر ما تتزاحم فيه، احتجاجه، هوسه الاستعاري، شهوته المعلولة بعلّة غائبة كما يقول الفقهاء...
مختارات الشاعر في(ممالك ضائعة) تبدو وكأنها الاقرب الى الاشتغال على الجانب الثيمي الذي يثيره هذا الغياب من افكار وموضوعات وظواهر للاسى، اذ تحمل الكثير من قصائد المجموعة هذا الهاجس، الذي يتحول الى نزوع دلالي وتصويري لتأكيد فكرة الغياب الانطولوجي، الغياب الذي يستعيد علاماته رمزيا عبر تواليات صوتية باثة، تخرج القصيدة احيانا من صوتها الخفيظ الى نبرتها العالية، نبرة النداء، الاستعادة، الاستحضار، الرثاء، مثلما يستعيده عبر تشكلات صورية ضاجة بما يوحي بالعزلة(نار الرعاة،نار القرابين، رماد الاناشيد، بكائية، ذئاب الريح، مرثية الملاك) واخرى ضاجة بما يتناهى اليه من الصوت الموحي (صهيل، النهر، صهيل الندى، جرس، حراثة، ابتهال) فضلا عن صور اخرى ضاجة بما يرسم للوعة مشاهدها( نواح بابلي، الاناشيد الموحلة، قفا نبكي، المغني، لوعة الذئب، اغنية الممالك الضائعة)
عبر هذا السفر التصويري يكتب الشاعر مراثيه، يفصح من خلالها عن وجعه الخبيء، وعن رؤيته الملتبسة بهاجس الفقدان والتي توهمه برؤية مايراه الغائب، تلك التي يتشكل عبرها احساسه العميق والحميمي والاستعادي بشفرات موروثه السحري(الامكنة، المثيولوجيا، اليوميات، النساء) والذي يصنعه الشاعر بمستويات استعارية باهرة، وبتركيب صوري يوهمنا بنوع من توهجات سردية هذا الشعر..
هذا الموروث هو ما يخص الشاعر، ما يستلّه من قاموسه وتخيلاته ايضا، اذ يجعله بموازاة قاموس اساطيره العراقية، تلك التي يزاوج فيها الشاعر بين(أناه) الباحثة عن خلود استعادي وبين كلكامشه الفاقد والفقيد في آن، اذ هو يقدم لنا اشياء متقابلة لرحلتين رحلته/ورحلة كلكامش/عودته، اذ تبدو الرحلتان وكأنهما اسفار للرؤيا والتأويل، مشبعتان في ما يراه وما يكشفه عبر الحفر ولاشارة الى المخبوء الذي يقوم على استشراف افق اخر، تسنده شهوة اصواته ورؤاه الباحثة، تلك التي تحتشد فيها طاقة الشاعر المسكونة بمراثيه واحتجاجه و نشيده ، اذ تتحول هذه الطاقة الصوتية الهائلة الى توليدات تتزاحم فيها قوة المخيلة مع براعة اللغة كما يسميها فوزي كريم، حيث(لجوئه الملفت الى استخدام الاوزان الخليطة التي تصعّد ترقيص اللغة، وتجعلها اكثر خفة وحبورا وعليانا) كما يقول زهير او شايب.

هكذا
عدت وحدك
لامركبات الغنائم، ولا
مطر العازفين،
فاين خيول الفجيعة
او عشبة الوهم
اين هي العربة؟
هل حملت
الينا الندى، أم نشيدا
من القش
والجثث المتربة؟

المختارات الشعرية بقصدية ما انصرف اليها الشاعر تصور لنا انفعال الشاعر بما يراه، وما يجس به، يرسم من خلالها عوالمه واحاسيسه، وهو يلجّ كل شيء(الامكنة المنفى، والامكنة التاريخ، والامكنة الاسطورة) بحثا وتوغلا، وتأملا، اذ لايجد الشاعر سوى لغته الضاجة بالاصوات لتنقذه من خطيئة الامكنة الخؤونة، الامكنة التي يستعيد محمولها اللغوي بنوع من التعويض، او نوع من الرثاء، وهو مايجعله في قصائد هذه المختارات اكثر نزوعا لتوظيف هذه المراثي والاستعادات في بلوغ ما يسنكه من بشارة ونذير والوقوف خارج اللحظة الطللية الى لحظة استعارية، يستبطن من خلالها شهوة اللغة الفادحة، تلك التي تدفعه للمزيد من الاستعادة، تلك التي يرثي فيها، نفسه، انثاه/ليلاه الشاردة، جنوبه البعيد، اصدقاءه الموتى والاحياء، عالمه الموحش، كائنات الطبيعة التي يستحضرها وكأنها انيس للوحشة(وحشة مالك بن الريب)عبر رثاء تاريخه، فردوسه المفقود، امكنته، بلاده، اساطيره البعيدة

لاشجر
يطلّ من قيثارنا الاعمى
ولا نهر يقود اغنياتنا
الى سريره، بل مدن
تغرق في
نشيدها المظلم
من يكسر باب ليلها؟
لافكرة مبتلة
ولا امرأة
قبائل
تئن في عظامها الريح،
فلا حلم
ولاقصيدة نسهر
عند بابها...


هذه القصائد تحمل معها ايضا قوة التجربة التي خصبتها المعرفة والوعي المفتوح على تاريخ محتشد بالاسئلة. اذ تبدو الكتابة الشعرية وكأنها انهماك طري في ملامسة اللغة، اللغة الغامرة بشخصانية متدفقة، يستغور من خلالها الشاعر جسد الكتابة بوصفها نصا مشكّلا، نصا مفتوحا على شهوة الجسد الانثى، والجسد اللغة، والجسد الموروث، اذ تذهب به الكتابة الى حيث توهجات التجربة الشخصية، التجربة التي تلتقط، تتلمس، ترى بحدوس مغايرة، تلفت النظر الى علاماتها الفارهة، تلك التي تحوز دهشتها على تنويعات لغوية غارقة بالتأمل، يندمج فيها الحسي بالذهني، اذ تكشف عن مستويات غائرة للموروث تاويلا ومعرفة وغناء.
في قصائد (ممالك ضائعة) ياخذنا علي جعفر العلاق الى مساحاته الشخصية، تلك التي يتشكل فيها منظوره الخاص الى الموروث المصنوع لغويا، اذ هو يقدم لنا اشياءه مسبوكة في اطارها التعبيري الذي تحتشد فيها طاقة صوتية هائلة، حيث(لجوئه الملفت الى استخدام الاوزان الخليطة التي تصعّد ترقيص اللغة، وتجعلها اكثر خفة وحبورا وعليانا) كما يقول زهير او شايب.
يكتب العلاق بلغة المحترف، يرمم الفراغ من حوله، حتى تبدو القصيدة وكأنها لعبته الشخصية، او توليفته المكتشفة التي يرهنها لقصدية وعيه كما يقول الظاهراتيون.
انشغال الشاعر بتأصيل هذه التجربة/اللعبة تضعه تماما امام تاريخ طويل من التجارب/الالعاب التي جاءت استجابة لمغامرات هي جزء من وعيه بالتجاوز، حيث تقف الكتابة امام انزياحات الشكل، وامام لمعان الدلالة وسيولتها. فاي المغامرات اختار الشاعر وهو المسكون باللغة، ومستويات تحققها البصري/الصوري واللوني والتشكلي.
حاول الشاعر على ما احسبه الانحياز الى خياره الشخصي، الانحناء على صوته الخاص، كشوفه التي تضع التاريخ امام شك فلسفي، او امام اسئلة فاضحة، اذ يضع الشاعر تلك الاسئلة في سياق من يبحث عن خلاص او تطهير او رؤى تدفعه الى البحث عن اللامتناهي، البحث عن الوجود الذي يتسع لحريته الغاوية والمغوية، تلك التي تصيبه بهوس اللاطمئنان ابدا، هذا الهوس الذي يجعله ادويسيا دائما في رحلاته وفي بحثه عن الامكنة الوطن، والامكنة الحب، والامكنة الموت..















التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس الأمريكي يعلن عن فرض حزمة من العقوبات على روسيا.. كيف


.. التوتر بين أوكرانيا وروسيا: ما الهدف من زيارة زيلينسكي إلى ب


.. فرنسا: شاهد جانبا من زيارة الرئيس الأوكراني وزوجته إلى قصر ا




.. تبون يحذر: -الجزائر ضحية مخططات ومؤامرات-


.. حرب اليمن: يوم دموي عاشته مدينة مأرب