الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


دولاب الزمن الحاضر

حسيبة عبد الرحمن

2004 / 5 / 21
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


ها نحن نقف من جديد أمام محكمة أمن الدولة في دمشق، نترقب السهام التي ستطلق من جعبة المحكمة الاستثنائية بحق أكثم نعيسة... نستذكر وقوفنا الطويل ولغطنا إلى حين سماع هدير سيارة (القفص) عندئذٍ يلف الصمت المكان ولحظات الانتظار الوجلة والعيون الخائفة والمتطلعة إلى فتحات السيارة _ النوافذ_الحديدية الصدئة والغارقة في الأخضر الداكن الضارب نحو السواد حيث تطل عيون الأخوة ،الأحبة، الأصدقاء والسيارة تعبر وتشق الجمع الواقف وسط صراخ الشرطة العسكرية ونهرها لنا باليد واللسان لنبتعد عن مسار السيارة وهي تدخل الشارع الجانبي تتبختر بضخامتها وأهمية ما تحمل من سجناء مقيدين بأساور حديدية سميكة عيار 24، أساور تدمي معاصمهم وقلوبنا معاً في جو محفوف بالبصاصين المتأهبين للانقضاض على من تسول له نفسه بإطلاق كلمة ما تنتقد ما يجري .... ذلك كان قبل عقد ونصف العقد وكان أكثم نعيسة أحد المقيدين يحمل فوق كتفيه وزر الانتماء إلى لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، التهمة الحديثة العهد آنذاك .
يا لسخرية الأقدار !!! المكان هو المكان، التهم هي التهم وكأنها انسلت من الإضبارة العتيقة ذات اللون الداكن والمغطاة بغبار الزمن إلى إضبارة جديدة بلون فاتح وهكذا فالزمن يعيد نفسه مرة على شكل ملهاة وأخرى على شكل مأساة كما قال ماركس في مقدمة كتابه ( لويس بونابرت).
وهانحن نقف الوقفة ذاتها ننتظر وصول السيارة العسكرية التي تقل أكثم نعيسة بعيداً عن المسلحين الذين أبعدونا عنوة بعد أن أخذوا أماكنهم منذ الصباح الباكر وسيطروا على مداخل ومخارج المكان !!!! ...و هانحن ننتظر إطلالة وجهه.
يطل وجه أكثم المتعب والمرهق بقامته الطويلة المتكئة على العسكر المرافقين له وهو يجرجر رجليه نحو الباب الداخلي لمحكمة أمن الدولة_ طريقة جديدة من أجل راحة المعتقل وتغطية سخيفة لحالته الصحية!!! _ أثناء الدخول والخروج وابتسامة منهكة تحاول أن تفر من مبسم مريض ومن جنود مدججين بالسلاح لتصل إلينا وتستر اليد التي أصيبت بالوهن نتيجة إصابة أكثم بجلطة دما غية، ابتسامة متعبة ترد على أصوات تصفيقنا له وترد أيضاً على اعتقاله لكن أصوات قرقعة السلاح والصراخ _ ابتعدوا_ علت وتعلو صوت تصفيقنا....
وما أشبه الأمس باليوم السجين هو السجين لكنه هذه المرة منفرداً متوحداً، المحامون هم المحامون طعّموا بجيل شباب يحاول كسر الخوف والرهبة من الوقوف والدفاع أمام محكمة أمن الدولة المتعددة المواهب والمهام فهي الحكم والخصم والعدل بنفس الوقت .
ولكي نكون موضوعين ومنصفين في وصفنا فقد لمسنا تغير!!!.... سيارة القفص بدلت بسيارة عسكرية عادية ليس هذا فحسب وإنما تركت يدا أكثم نعيسة طليقتان !!! ولهذا أهميته في ضرورة التقاط المهتمين بالشأن العام وحقوق الإنسان التحسن الجوهري في مجال حقوق الإنسان في سوريا خصوصاً والمحكمة تحاكم رئيس لجان الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ...!!!.
و نحن لا نزال نقف وننتظر خروج أكثم نعيسة لنطمئن عليه ونسمع محاميه وهو يصور لنا مناخ الاستجواب الذي لم يتغير هو الآخر ، مناخ تخويفي معجون بتهديد مبطن وعلني ونحن نسمع و نتبادل النظرات المتهكمة على هذا الزمن وصمت هو أبلغ من الكلام في حالات كثيرة كهذه ...وما أشبه الأمس باليوم !!!
السجين هو السجين والمحامي هو السجين والتهمة هي التهمة ونحن "السجناء" لا نزال نقف ننتظر وصول السيارة العسكرية التي تحمل أكثم نعيسة ويطول الاستجواب هذه اليوم حتى المساء فالتهم خطيرة جداً ومدروسة جداً ومغطاة قانونياً جداً جداً جداً..............جد..............جداً
وعلى قاضي محكمة أمن الدولة تقصي الحقيقة والحكم بالعدل...ونحن قد جربنا حكمها بالعدل بما لا يزيد عن ألف معتقل من معتقلي الرأي وحكم عليهم بالعدل والقسطاط بمعدل عشر سنوات إلى 15 عام وحكم على عبد العزيز الخير ب22 عاماً والتهمة هي إساءة التصرف للحريات الواسعة الممنوحة بموجب قانون الطوارئ والأحكام العرفية وتجاوزها... فكان لابد من درس تأديبي لكل من تسول له نفسه بتجاوز قانون الطوارئ الذي هو للطوارئ !!! ومع الأسف الشديد أكثم نعيسة لم يتعظ من الدرس ولذا كان لابد من اعتقاله ليتعظ هو وغيره بضرورة وجود قانون الطوارئ والأحكام العرفية لاكما يشاع عنها _سيف مسلط فوق رقاب المعارضة والشعب ممن تسول له نفس في التحرك من أجل مصلحة الوطن فالوطن بأيد معصومة عن الخطأ لا يجوز التطاول عليها وانتقادها قدس الله سرهم جميعاً وسر بركاتهم ونجانا من غضبهم آمين!!!!
وما أشبه الأمس باليوم ونحن ننتظر الجلسة القادمة ...وأمل بقرار سياسي ما يوقف المحكمة ويطلق سراح أكثم نعيسة يداعبنا وبذلك أكتفي بكتابة قصة قصيرة عن اعتقال أكثم نعيسة بدل أن تتحول القصة القصيرة إلى رواية لا يعلم إلا الله ما هي نتائجها !!!!...
استخدمت الزمن الماضي في الحاضر عمداً

حسيبة عبد الرحمن
روائية وناشطة - سورية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لقطات جوية ترصد آثار الدمار الهائل الذي خلفه الزلزال التركي


.. التغير المناخي يلقي بظلاله على جبال الألب • فرانس 24 / FRANC




.. بكين تؤكد أن منطادا صينيا حلق فوق أميركا اللاتينية • فرانس 2


.. تكاثف الجهود الدولية لمساعدة تركيا وسوريا بعد زلزال مدمر خلف




.. إسرائيل تعلن مقتل 5 فلسطينيين خلال عملية عسكرية نفذتها في أر