الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أزمة الرأسمالية ومهام الماركسيين- الجزء الأول

بيان الدفاع عن الماركسية

2009 / 9 / 30
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


خلال الجامعة الصيفية العالمية للتيار الماركسي الأممي، التي انعقدت خلال شهر يوليوز الماضي، ألقى آلان وودز خطابا حول طبيعة الأزمة الحالية للنظام الرأسمالي، حيث تطرق لتحليل العلاقة بين الدورة الاقتصادية والصراع الطبقي، كما ناقش طبيعة الانتعاش الاقتصادي الذي يمكن انتظاره، بالنظر إلى الكم الهائل من التناقضات التي تراكمت داخل النظام.

الدورة الاقتصادية والصراع الطبقي

يعيش العالم في ظل أعمق أزمة عرفها منذ ثلاثينات القرن الماضي. وقد سبق لتروتسكي أن أشار إلى أن أحد أصعب وأعقد المهام التي تواجه الماركسيين هي الإجابة عن سؤال: "ما هي المرحلة التي نمر منها؟"

ليس هناك من شيء يمكن اعتباره الأزمة النهائية للرأسمالية. فقد شكلت دورة الازدهار والركود سمة ثابتة للرأسمالية منذ ما يزيد عن مائتي سنة. وسوف يبقى النظام الرأسمالي دائما قادرا على الخروج في النهاية حتى من أعمق أزماته الاقتصادية، إلى أن تتمكن الطبقة العاملة من إسقاطه.

هذا واضح. لكن السؤال الحقيقي هو: كيف يتمكنون من الخروج من الأزمة وبأي ثمن؟ والسؤال الثاني هو: ما هي العلاقة بين الدورة الاقتصادية، وبين وعي الطبقة العاملة؟ لقد سبق لتروتسكي أن أوضح مرات عديدة أن العلاقة بين الدورة الاقتصادية والوعي ليست علاقة أوتوماتيكية. إنها مشروطة بالعديد من العوامل، التي يجب تحليلها بشكل ملموس.

هناك مقالان رائعان كتبهما تروتسكي تطرق فيهما لهذه المسألة: المقال الأول هو "المد والجزر"، والتي يمكنكم أن تجدوه في "السنوات الخمس الأولى للأممية الشيوعية". والمقال ذو الأهمية البالغة الآخر كتب سنة 1932، أي أثناء الأزمة العميقة التي أعقبت انهيار البورصة في1929، تحت عنوان: "المرحلة الثالثة من أخطاء الكومنترن" (8 يناير 1930). إن هذين المقالين يستحقان أن يصيرا موضوعا لناقشات مستفيضة على جميع المستويات.

من المبادئ الأولية للمادية الجدلية القول بأن الوعي الإنساني محافظ بطبيعته. فمعظم الناس لا يحبون التغيير. إنهم يقاومون الأفكار الجديدة. وسوف يتشبثون بالأشكال والأفكار الموجودة في المجتمع حتى يضطرون إلى التخلي عنها بفعل الضربات الهائلة لمطرقة الأحداث.

يذكرنا الوضع الحالي للعالم الرأسمالي بما قاله تروتسكي سنة 1938. "إن المقدمات الموضوعية للثورة الاشتراكية العالمية ليست ناضجة فحسب، بل أخذت تتعفن! "، فقد كشف الوضع عن الإفلاس التام للرأسمالية من وجهة النظر التاريخية. هذا واضح للجميع. لكننا نوجد هنا أمام تناقض، أمام مفارقة عجيبة: إذا كان هذا صحيحا، لماذا ما تزال قوى الماركسية أقلية ضئيلة؟

الجواب عن هذا السؤال بسيط للغاية: إن الوعي يتخلف كثيرا عن الحالة الموضوعية. والمنظمات الجماهيرية للطبقة العاملة تتخلف كثيرا عن الحالة الواقعية. وقبل كل شيء تتخلف قيادة البروليتاريا، كثيرا عن الحالة الموضوعية.

إن هذه العوامل لا تسقط من السماء، بل هي نتاج لعقود وأجيال من الازدهار الرأسمالي، من التشغيل الكامل والتحسن النسبي لمستويات العيش. لقد شاهدنا هذا الوضع بشكل خاص في البلدان الرأسمالية المتقدمة، ليس لفترة قصيرة، بل لمرحلة طالت أكثر من خمسين سنة. هذا هو ما كيف وعي الطبقة العاملة في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة. تختلف الأوضاع، بطبيعة الحال، في بلدان ما يسمى بـ "العالم الثالث".

وعي الطبقة العاملة

من الخطأ الجسيم أن يعمل المناضلون الثوريون على الخلط بين ما يفهمونه هم، وبين الطريقة التي تنظر بها الجماهير إلى الأشياء. يجب عليكم أن تفهموا أن أغلب العمال والجماهير لا يمتلكون نفس الوعي الذي يمتلكه الماركسيون. إن التأثير الأول الذي تخلفه الأزمة العميقة والركود الكبير على الجماهير - ونحن الآن أمام أزمة عميقة- هو الصدمة. إن العمال مذهولون، ومصدومون، وهم لا يفهمون ماذا يحدث.

أغلبهم يعتقد أن الأزمة ستكون مؤقتة. ويستنتجون أنه إذا ما شدوا أحزمتهم وقدموا التضحيات، وطأطئوا رؤوسهم، فسوف تتحسن الأوضاع في النهاية، وسيعودون إلى الأوضاع السابقة. إن هذا الافتراض، من وجهة نظر معظم الناس العاديين، منطقي إلى حد كبير. تبدو هذه الأزمة شيئا غير طبيعيا، شيئا خارجا عن المألوف. والناس يريدون العودة إلى "أيام المجد الماضية".

إن "قادة" الطبقة العاملة والقادة النقابيون والقادة الاشتراكيون الديمقراطيون والشيوعيون السابقون والقادة البوليفاريون، جميعهم ينشرون الفكرة القائلة بأن هذه الأزمة حالة عابرة. يتوهمون بأنه بالإمكان تقديم حل لها من خلال إدخال بعض التعديلات على النظام القائم. وعندما نتحدث عن العامل الذاتي، أي عن القيادة، يجب علينا أن نفهم أيضا أنه ليست قيادة هذه المنظمات بالنسبة لنا عاملا ذاتيا، إنها جزء هام من العامل الموضوعي، ويمكنها أن تعرقل المسلسل لفترة من الزمن.

إن فكرة الإصلاحيين القائلة بأن كل ما نحتاجه هو المزيد من الرقابة والتنظيم، وهكذا يمكننا أن نعود إلى الأوضاع السابقة، هي، بطبيعة الحال، فكرة خاطئة. إن هذه الأزمة ليست أزمة عادية، إنها ليست أزمة مؤقتة. إنها تشكل قطيعة جذرية في السيرورة. لا يعني هذا استحالة العودة إلى الانتعاش الاقتصادي مجددا، فهذا حتمي عند نقطة معينة.

في الوقت الحالي يحاول الاقتصاديون والسياسيون البرجوازيون، وفي المقام الأول جميع الإصلاحيين، بيأس إيجاد نوع من الدواء للخروج من هذه الأزمة. إنهم يتطلعون لتحقيق إنعاش للدورة الاقتصادية من أجل تحقيق الخلاص. وهم يتحدثون بشكل مستمر عن "براعم الانتعاش الخضراء". إلا أن هذه "البراعم الخضراء" ما تزال لحد الآن جد هزيلة وغير مرئية تقريبا.

تعتبر الإجراءات التي اتخذتها جميع الحكومات الرأسمالية في العالم، إجراءات غير مسئولة إطلاقا، من وجهة النظر الاقتصادية الرأسمالية الأرثدوكسية. والتفسير الوحيد لهذه الإجراءات هو الرعب. إن الطبقة السائدة مرعوبة من العواقب الاجتماعية والسياسية للأزمة الاقتصادية. هذا هو السبب الذي يدفعهم إلى ضخ مبالغ هائلة من الأموال في الاقتصاد، وهم يخلقون مستوى ضخما وغير مسبوق من الاستدانة. وكما يعلم الجميع سوف يتوجب، إن عاجلا أم آجلا، أداء تلك الديون، الشيء الذي يشكل في حد ذاته وصفة لحدوث أزمة هائلة في المستقبل.

أي نوع من "الانتعاش"؟

من الواضح تماما أن حدوث نوع ما من الانتعاش في الدورة الاقتصادية مسألة حتمية عند نقطة معينة. لكنه من الواضح أيضا أنه لن يؤدي إلى حل أي من المشاكل التي تواجه الرأسمالية. بل على العكس، سوف يحضر لحدوث أزمة اقتصادية جديدة وأكثر عمقا، وسوف يحضر، في المقام الأول، لأزمة اجتماعية وسياسية أعمق. يحاول البرجوازيون بيأس استعادة التوازن الاقتصادي، الذي تحطم بالانهيار الذي حدث خلال السنة أو الثمانية عشرة شهرا الماضية، لكن المشكلة التي يواجهونها هي أن جميع الإجراءات التي اتخذوها لاستعادة التوازن الاقتصادي سوف تدمر تماما التوازن الاجتماعي والسياسي.

هناك مقال هام كتبه تروتسكي، سنة 1932، عند وصول الأزمة الاقتصادية إلى أدنى مستوى لها، عنوانه: "Perspectives for the Upturn" حيث يشير إلى تأثيرات الأزمة الاقتصادية على وعي الجماهير. وقد كتب قائلا:

"إن مشاعر السخط، والرغبة في الهروب من الفقر، والكراهية للمستغلين ولنظامهم، كل هذه المشاعر التي تم قمعها الآن وكبتها بسبب البطالة المخيفة والقمع، سوف تشق طريقها إلى السطح بقوة مضاعفة مع أول بادرة حقيقية لانتعاش صناعي".

إنها مسألة ملموسة جدا. فالعمال يرون أن المصانع تغلق أبوابها، ومناصب شغلهم مهددة، وأسرهم في خطر، والقادة النقابيون لا يقدمون أي بديل. وبالتالي فإن هذا سيكون له تأثير كابح على الإضرابات. لكن بمجرد ما سيحدث ولو انتعاش بسيط، ويرون أن أرباب العمل لم يعودوا يطردون العمال، بل صاروا يوظفون عمالا آخرين وأن الأرباح بدأت تتحقق، فإن هذا سيشكل محركا جبارا للنضال الاقتصادي.

على سبيل المثال، هناك فائض إنتاج عالمي من الصلب. هناك "الكثير جدا من الصلب" (في إطار النظام الرأسمالي). وهذا مرتبط بالانخفاض الحاد في صناعة السيارات. هناك حوالي 30 % من الفائض في قطاع إنتاج السيارات على الصعيد العالمي. صانعو السيارات يبيعون فائض مخزونهم، ويغلقون المصانع ويطردون العمال. لكن بمجرد ما سوف ينتهون من تصريف المخزون، سيبدأ الوضع في التحسن شيئا ما، مما سوف يشجع عمال السيارات على المبادرة بالنضال.

فلنعمل على أخذ مثال تاريخي: في الولايات المتحدة، ما بين سنة 1929 و1933، لم يسجل أي إضراب، ولم يتم تسجيل أي حركة باستثناء انتفاضات العاطلين. لكن وبمجرد ما حدث انتعاش بسيط، سنة 1933- 1934، اندلعت موجة هائلة من الإضرابات واحتلال المصانع، بما في ذلك إضراب مينيابوليس الذي قاده التروتسكيون.

كان لذلك تأثير فوري على المنظمات الجماهيرية في الولايات المتحدة. وأدى ذلك إلى تشكيل نقابة مؤتمر المنظمات الصناعية (CIO)، عبر انشقاق عن النقابة القديمة، الفدرالية الأمريكية للعمل. كانت (CIO) نقابة جد راديكالية نظمت القطاعات الغير منظمة من العمال. وسوف نشهد نفس العملية تتكرر مرة أخرى.

في نفس المقال كتب تروتسكي أنه على الثوري أن يكون صبورا. فانعدام الصبر هو أب الانتهازية والتطرف اليسراوي. وكتب أيضا أنه يجب إجبار كل واحد من أعضاء الحزب على الالتحاق بالنقابات. وأكد على ضرورة قيام الثوريين بخلق علاقات وثيقة بالمنظمات الجماهيرية، والنقابات على وجه الخصوص. ليس هذا من قبيل الصدفة، ففي ظل الأزمة يشعر العمال بالحاجة إلى المنظمات الجماهيرية للدفاع عن مصالحهم، وسوف تتأثر هذه المنظمات بالأزمة.

جهل البرجوازيين

قال تروتسكي في البرنامج الانتقالي إن البرجوازية تتجه نحو الكارثة بأعين مغلقة. تبدو هذه الكلمات كما لو أنها كتبت اليوم. إن البرجوازيين لا يفهمون شيئا؛ إنهم لا يفهمون ما الذي يحدث، إنهم يعيشون حالة رعب. وهذا هو السبب الذي يفسر لماذا هم يتخذون مثل تلك الإجراءات الغير مسئولة. إنها مؤشر عن اليأس.

وهذا بدوره ليس من قبيل الصدفة. لقد سبق للينين أن أشار إلى أن الرجل الواقف على حافة جرف لا يستطيع التفكير بعقلانية. والاقتصاديون البرجوازيون هم القسم الأكثر جهلا والأكثر غباء بين صفوف الرأسماليين. لقد تفاخروا طيلة السنوات العشرين الماضية وتباهوا بأنه لن يكون هناك مزيد من دورات الازدهار والكساد، وأن الدورة الاقتصادية قد ألغيت. إنها حقيقة فعلية، فخلال المرحلة الماضية كلها، وطيلة عقود من الزمان، لم يتمكن الاقتصاديون البرجوازيون أبدا من توقع ولو طفرة واحدة كما أنهم لم يتوقعوا ولو ركودا واحد.

وأود أن أضيف أن نفس الشيء ينطبق على الاقتصاديين الماركسيين. فعلى مر السنين سمعت الكثير من النظريات الرائعة التي طرحها العديد من الاقتصاديين الأذكياء الذين يزعمون أنه في مقدورهم التنبؤ بالدورة الاقتصادية. سوف أقول لكم شيئا: أتمنى لو أنهم كانوا على حق، وأن يخبروني سرا بالوصفة. سيصبح إذ ذاك بوسعنا أن نكسب الكثير من المال. لكن مع الأسف، لا بد لي أن أقول بأن التخمينات التي وضعناها بخصوص حركات الدورة الاقتصادية كانت في أكثر الأحيان مخطئة.

ليس هذا من قبيل الصدفة، فالاقتصاد ليس علما دقيقا، ولم يكن ولن يكون أبدا علما دقيقا. كل ما في مقدورك أن تعمله هو أن تشرح الاتجاهات العامة الكامنة للسيرورة وتستخلص تخمينا عاما بشأن توقيت الأحداث. لكن مع ذلك، يحق لنا أن نسخر قليلا من الاقتصاديين البرجوازيين. فقد عملوا على اختراع نظرية جديدة رائعة تسمى "فرضية كفاءة السوق". إنها في الواقع نظرية جد قديمة، وليس هناك أي شيء جديد فيها. فهي تعود إلى الفكرة القديمة التي تقول: "إن السوق إذا ما ترك لنفسه قادر على أن يحل كل المشاكل. وسوف يتمكن من تحقيق التوازن لنفسه بنفسه. فما دامت الحكومة لا تتدخل، ولا تشوه آلية السوق الجميلة هذه، فإن كل شيء سيصير، عاجلا أو آجلا، على ما يرام". وهو ما رد عليه جون ماينارد كينز قائلا: "عاجلا أم آجلا سنكون جميعا في عداد الأموات."

لا أستطيع مقاومة الرغبة في الاستشهاد بمقتطفين من تصريحات اقتصاديين برجوازيين لامعين، يشكلان رمزا للإفلاس. الأول هو باري إيشنغرين، المؤرخ الاقتصادي اللامع، الذي كتب مؤخرا: "إن الأزمة ألقت ظلالا من الشك على كثير مما كنا نفهمه عن الاقتصاد". والثاني هو بول كروغمان، الذي نال جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2008، أي في العام الماضي فقط، والذي قال: "لقد كانت نظرية الاقتصاد الكلي (macroeconomic theory) على مدى السنوات الثلاثين الماضية، في أفضل الأحوال عديمة الفائدة بشكل مذهل، وكانت في أسوء الأحوال ضارة بشكل فعلي". إذن هذا هو الواقع: يعترف الاقتصاديون البرجوازيون بأنهم لا يمتلكون أدنى فكرة عن الاقتصاد، أو عن أي شيء آخر.

كل النظام ينهار. وهم الآن يحاولون أن يطمئنوا أنفسهم بالحديث عن "البراعم الخضراء" للانتعاش. لكن إذا ما نظرتم إلى الأرقام سترون أن الاقتصاد الأمريكي ما يزال يواصل السقوط، خاصة في القطاع الصناعي. بالرغم من أن الانهيار يبدو أقل سرعة مما كان عليه في السابق.

الديون

لدي هنا أرقام أصدرها صندوق النقد الدولي. لقد توقع حدوث انتعاش سنة 2010. إن هذا تخمين، ويمكنه أن يكون خاطئا، إلا أنني سوف أذكر هذه الأرقام على كل حال. هاهي أفضل منظوراتهم للسنة المقبلة: الولايات المتحدة ستحقق 0,8 % من النمو؛ وستحقق اليابان 1,7 % (يمكن لمن يعرف ولو شيئا بسيطا عن تاريخ اليابان أن يرى أنها نسبة جد هزيلة)؛ وستحقق الصين (التي ضخت مبالغ هائلة لإنعاش الطلب) 8,5 %، وسيواصل الاتحاد الأوروبي السقوط بـ 0,1 %.

وبالتالي فإن ما نشهده أمامنا هو في أفضل الأحوال انتعاش هزيل جدا، لن يكون مصاحبا بتحسن في مستويات العيش، بل بهجمات شرسة على شروط العيش والاقتطاعات من الإنفاق العمومي والرفع من نسبة الضرائب التي ستسقط على كاهل الطبقة العاملة والطبقة الوسطى. هل يعتبر هذا سيناريو للسلام والاستقرار الاجتماعي؟ إن انتعاشا بهذه المميزات سيؤدي إلى تأجيج غضب الطبقة العاملة وستصاحبه موجة من الإضرابات والإضرابات العامة، كونوا متيقنين من هذا.

دعونا نتطرق الآن إلى مسألة الديون. حقيقة الوضع هو أن البرجوازية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، مرعوبة جدا من تأثيرات الركود العميق الشيء الذي يدفعها إلى ضخ الأموال والثروات في محاولة يائسة لتلافي تفاقم واتساع حدة الركود. وحسب صندوق النقد الدولي، سيصير الدين العمومي لأغنى عشرة بلدان، سنة 2010، 106 % من الناتج الداخلي الخام. بينما كان سنة 2007، يساوي 78 %. يعني هذا ارتفاع الدين الخارجي، خلال ثلاثة سنوات، بأكثر من تسعة تريليونات دولار. هذا وضع لا يصدق. وهو وضع غير مسبوق في التاريخ، ولا يمكن تحمله طويلا.

خلال سنوات الثلاثينات، لجأ هتلر إلى سياسات مشابهة من خلال برنامج كثيف للإنفاق العسكري. وفي الولايات المتحدة لجأ روزفلت إلى الخطة الجديدة، التي نقول عابرين إنها لم تؤدي إلى حل الأزمة في الولايات المتحدة. إن ما حل مشكلة البطالة في الولايات المتحدة ليس الخطة الجديدة، بل الحرب العالمية الثانية. ونفس الشيء يقال عن ألمانيا. كان على هتلر أن يدخل الحرب سنة 1938، لأنه لو لم يقم بذلك، فإن الاقتصاد الألماني كان سينهار. كان هذا هو السبب الجوهري للحرب العالمية الثانية: الحاجة الملحة للرأسمالية الألمانية لحل مشاكلها على حساب أوروبا.

عمل هتلر على حل المشكلة ببساطة عبر غزو أوروبا والاستيلاء على كل ثروات فرنسا ومنافسيه الإمبرياليين الآخرين. لكن منظور الحرب صار الآن مستبعدا. في أيامنا هذه، الرأسماليون الأوروبيون ينافسون الولايات المتحدة. من الذي سيقاتل ضد الولايات المتحدة؟ إن الفكرة في حد ذاتها مضحكة. لا يمكن أن تكون هناك حرب عالمية في ظل هذه الظروف. بطبيعة الحال، ستكون هناك حروب صغيرة في كل حين. الحرب في العراق حرب صغيرة، والحرب في أفغانستان حرب صغيرة، وهناك حرب صغيرة في الصومال. لكن حدوث حرب كبرى بين القوى الكبرى مسألة مستبعدة.

قلت إن أرقام الديون هذه غير مسبوقة، لكن الشيء الذي كان علي أن أضيفه هو إنها غير مسبوقة في زمن السلم. أما الحرب فهي مسألة أخرى. فبعد الحرب العالمية الثانية صار الدين العمومي البريطاني 250 % من الناتج الداخلي الخام. وكان الدين الأمريكي 100% من الناتج الداخلي الخام. كان ذلك نتيجة للحرب العالمية الثانية. لكنهم تمكنوا من حل مشكلة هذه الديون بفضل الازدهار الاقتصادي الهائل لما بعد 1945. لن أدخل في نقاش أسباب ذلك لأننا سبق لنا أن أشرنا إلى تلك الأسباب في وثائق أخرى (أنظر، تيد غرانت: Will there be a Slump?)

استمر ازدهار ما بعد الحرب حوالي ثلاثين سنة (حتى سنة 1974). لكنه لم يعد الآن على جدول الأعمال. ولا أحد يتوقع مثل ذلك المنظور. جميع الاقتصاديين البرجوازيون متفقون على أنه سيكون هناك مسلسل طويل ومؤلم من الصراع من أجل الخروج من الورطة التي هم فيها الآن. وبما أنهم لا يستطيعون الذهاب إلى الحرب، فإنه يجب على جميع التناقضات أن تنعكس داخليا على شكل صراع طبقي شرس. هذا هو المنظور الحقيقي للمرحلة المقبلة.

إن التراكم الهائل للديون يعني سنوات وعقودا من الاقتطاعات الكبيرة وفرض نظام تقشف قاس دائم.

يمكننا التعبير عن هذا بما يشبه معادلة: إن الطبقة السائدة في جميع البلدان لا تستطيع أن تتحمل استمرار التنازلات التي قدمت على مدى السنوات الخمسين الماضية، لكن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تتحمل المزيد من الخفض في مستويات معيشتها. هذه هي الوصفة لاندلاع الصراع الطبقي في كل مكان. في البلدان الرأسمالية المتقدمة (بما في ذلك بلدان مثل السويد وسويسرا والنمسا). إن الصراع الطبقي على رأس جدول الأعمال. إن هذا المنظور هو أفضل منظور من وجهة نظرنا.
آلان وودز
marxy.com










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - التروتسكيون
فؤاد النمري ( 2009 / 9 / 30 - 17:55 )
التروتسكيون خانوا الثورة الاشتراكية في العشرينيات وها هم يخونونها مع نهاية القرن . هؤلاء القوم الذين يكتبون باسم بيان الدفاع عن الماركسية ليس لهم أدنى علاقة بماركس وبالماركسية، يكتبون من خارج الماركسية وبصورة سطحية تدعو للغثيان . كيف يفسرون الأزمة التي أخذت بخناق أميركا الرأسمالية وهي في غمرة حرب كبرى في الهند الصينية في العام 1971
ألن وودز وتيد غرانت هما من صغار المثقفين البورجوازيين الوضعاء يكتبان من خارج الماركسية قبل أن يدركا ميكانزاتها الداخلية


2 - وضاعة التروتسكية و التروتسكيين
نزيه الزياني ( 2009 / 10 / 1 - 11:38 )
تقول أحد الأمثلة المتداولة بشكل واسع :-من خان مرة سيخون مرات عديدة -.هده المقولة تنطبق على التروتسكية والتروتسكيين بشكل جلي.وقال لينين - لقد كان الناس وسيظلون أبدا في حقل السياسة أناسا سدجا يخدعون أنفسهم ويخدعهم الاخرون , مالم يتعلموا استشفاف مصالح هده الطبقات أو تلك وراء التعابير والبيانات والوعود الدينية والأخلاقية والسياسية ..-انتهى كلام لينين . كانت التروتسكية ولازالت وستبقى ,خائنة للثورة الاشتراكية ومحرفة مزورة للماركسية وللخط البلشقي , ولازال التروتسكيون يلهثون وهم يلبسون جلباب وضاعة نبيهم تروتسكيوالتروتسكية . تروتسكي الدي مند ضهوره , كان عدوا لدودا للبلشفية وللثورة الاشتراكية , وعلى طول الخط , ولم يكن له يوما أي موقف سديد من أية قضية أو مسألة تهم الثورة الاشتراكية وسبل نجاحها , وهاهم أيتامه يكتبون وبشكل مفضوح يدعوا الى السخرية والضحك ,رغم ادعائهم الماركسية وتبني الماركسية , الا أن الحقيقة الساطعة والمدوية هو أنهم خارج الماركسية


3 - ... فليقل خيرا أو فليصمت
عامل ( 2009 / 10 / 1 - 14:09 )
ما يزال السيدان أعلاه يرددان نفس الأكاذيب والترهات التي كانت تنشرها آلة الدعاية الستالينية المهترئة، وهذا جد عادي، الشيء الذي أعتبره غير عادي على الإطلاق هو أن يشنفا أسماعنا دائما بهذه العبارات المقززة في كل حين وبدون أي سياق.
المقال أعلاه يتحدث عن الوضع العالمي وعن مهام المناضلين الماركسيين ويطرح وجهة نظر محددة ترى أن الرأسمالية أفلسيت بشكل نهائي وأننا نقف على مشارف مرحلة ثورية يتوجب علينا أن نحضر لها تنظيميا ونظريا الخ، فكان على السيدين الستالينيين أن يقدما لنا موقفا محددا مبنيا على معطيات ملموسة من الخلاصات النظرية والسياسية التي يدافع عنها كاتب المقال والتيار الذي ينتمي إليه بدل تلويث أسماعنا بالمصطلحات الحاقدة والافتراءات التي طالما رددتها آلة الدعاية الستالينية والتي بين التاريخ كذبها، فتبين الآن لكل من يريد أن يفهم التاريخ أن ستاين هو من قتل وهو من تحالف مع هتلر وهو من تحالف مع روزفلت وهو من تآمر على الثورات في الصين وإسبانيا ووو إلخ
أيها السيدان لكم الحق أن تنضحوا بما فيكم لكن لنا الحق نحن أيضا أن لا نشم رائحتكم فارحمونا
وشكرا


4 - عن التروتسكيين و حطاب النمري
عزير ( 2009 / 10 / 1 - 20:46 )
قد يكون أغلب ما يقوله فؤاد النمري عن تروتسكي و التروتسكيين صحيح ، و لكن ما هو عير صحيح البث هو أن يعتمد النمري في تحليلاته منهجا لا ماركسيا و هو يتناول أخطر القضايا الماركسية في عصرنا ، إنه يتناول كل القضايا السياسية و الإقتصادية بمنهج ليبرالي لا علاقة له بالماركسية ، و في نفس الوقت يوجه النقد لتروتيكي و غيره ، لا أدري هل النمري واع بهذا التناقض الصارخ في كتاباته أم يقوم بذلك عن غير وعي .
ملاحظتي موجهة للنمري رغم اختلافي الجوهري مع التروتيكيين مع العلم أن مجموعة من الأسماء تدافع عن طروحات النمري اللاماركسي.


5 - إلى عامل التروتسكي و إلى عزيز اللاتروتسكي.
سعيد ( 2009 / 10 / 2 - 00:02 )
إلى عامل التروتسكي
من حق النمري أن يقول على وودزكم بأنه من صغار المثقفين البرجوازيين الوضعاء , فهو -أي وودز -لم يقدم في المقالة أعلاه سوى الخزعبلات, فلناخد مثلا شرحه للازمة الحالية التي يدعي إنها أزمة رأسمالية, في ما يخص الديون:
“دعونا نتطرق الآن إلى مسألة الديون. حقيقة الوضع هو أن البرجوازية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، مرعوبة جدا من تأثيرات الركود العميق الشيء الذي يدفعها إلى ضخ الأموال والثروات في محاولة يائسة لتلافي تفاقم واتساع حدة الركود. وحسب صندوق النقد الدولي، سيصير الدين العمومي لأغنى عشرة بلدان، سنة 2010، 106 % من الناتج الداخلي الخام. بينما كان سنة 2007، يساوي 78 %. يعني هذا ارتفاع الدين الخارجي، خلال ثلاثة سنوات، بأكثر من تسعة تريليونات دولار. هذا وضع لا يصدق. وهو وضع غير مسبوق في التاريخ، ولا يمكن تحمله طويلا.-
قد يعتمد الماركسي على إحصائيات المؤسسات البرجوازية, ليس من باب السرد و الاستئناس أو الوقوف عند وصف الحالة التي وردت فيها الإحصائيات, بل جعلها أي الإحصائيات تتحدث و تكون سندا قاطعا لكشف سر تطور هده الحالة أو تلك هده الظاهرة أو تلك...
كان الدين العمومي لأغنى بلدان العالم العشر سنة 2007 يصل إلى كدا و في ظرف سنوات يتوقع الاقتصاديون انه سيصير 3كد


6 - إرحمونا
marxy ( 2009 / 10 / 2 - 00:26 )
لكي تتعلم منطق سقطت الطائرة يكفي أن تتابع ما يدبجه النميري
إن النميري و من لغى بلغوه -و ما أكثرهم في وطني- و لولاهم ما كانت حالتنا هاته.. في اللحظة التي كنا نعتقد بأنه سيسائل الموضع رأينا كيف سقطت طائرته الورقية إلى موضوع هو سب علني لا و أقل و لا أكثر.. بالأمس وصف تروتسكي باليهودي و كذا بالوضاعة و ها هو اليوم يتطاول على علمين من أعلام الماركسية... و بتطاوله هذا يكون قد ريح نفسه و كذا موريديه من بلية النقاش و الجدال.. لأنه و ببساطة عند مثل هاته التيارات و العصب التنظير والنقاش بدعة ما أنزلت بها استالينية..لغة العنف
التي كانت و باقية هي الوحيدة سيدي التي تجيزها
فما أقبحكم ايها السادة


7 - النمري ذو المنهج الليبرالي
عزيز ( 2009 / 10 / 2 - 15:33 )
كل من يقرأ كتابات النمري حول النظام العالمي الذي يتفق الجميع على أنه راسمالية إمبريالية ، سيرى من خلال تحليله أنه لا علاقة له بالماركسية و الماركسيين و هو يظل يستشهد بأقوال الإمبرياليين، و هو لا يوجد لهم النقد و إنما يستعين بهم لدعم أطروحاته اللاماركسية التي تدعي أن الرأسمالية انهارت مع انهيار الإشتراكية، هذا التناقض الصارخ في مقولته الليبرالية هذه لا يعدو أن يكون إلا تيها خارج الدياليكتيك الماركسي ، و هو يريد دعم مقولته الليبرالية هذه يقوله بكل بساطة أليس هذا ما يطمح إلية لينين ؟ إذن لقد تحقق طموح لينين فلسنا بحاجة لا إلى لينين و لا ستالين و لا ماو و غيرهم و علينا بالرجوع إلى ماركس ، هذا الطرح التبسيطي للدياليكتيك الماركسي لا يمكن إلا أن يكون من باب عدم الوعي به أو التحريف المطبق له ، الذي لا يمكن التساهل معه في عصر نشهد فيه الهجوم على الماركسية و الماركسية اللينينية بالأخص التي أعطت أسس النظام الذي نعيشه ، من خلال نفد الرأسمالية الإمبريالية في أطروحة لينين المعروفة و لا يمكن تجاوزها بالرجوع إلى أطروحات عصر المزاحمة ، و حيث لا يمكن تجاوزها إلا بتطوير عملية ممارستها في أرض الواقع يلجؤ النمري إلى المنهج الليبرالي في التحليل ، بترك القانون العام الذي يحكم النظام الرأسمالي و هو القيمة ا


8 - إلى السيد سعيد
عامل ( 2009 / 10 / 2 - 20:07 )
يقول السيد سعيد في رده على ما كتبته أعلاه، أن آلان وودز مجرد ... لست أدري ماذا، لأنه لم يكتب في مقالته سوى الخزعبلات وأخذ مثالا على ذلك موقف وودز من الديون، وبعد أن استشهد بفقرة من مقال وودز، قال ساخرا:

-هدا هو التحليل الماركسي؟عجبا...عجبا
ا بهذا سيتعرف العمال على أعدائهم؟؟
أبهده السخافات سيتم تنوير البروليتاريا حتى يتسنى لها قهر البرجوازية بشتى أصنافها؟؟
أكيد لا و ألف لا-

وأقول أنا: نعم يا سيد سعيد هذا هو التحليل الماركسي! عجبا لأنك لا تعرف أنه كذلك!! ونعم هذا جزء من العلم الذي سيتعرف به العمال على أعدائهم وبه سيتم تنويرهم حتى يتسنى لهم قهر البرجوازية، أكيد، بلى وألف بلى!!

أتعرف لماذا لاتعرف يا سيدي هذه الحقيقة البديهية؟ بكل بساطة لأنك وأمثالك يعتقدون أن العمال طبقة من الأغبياء الذين لا حاجة لهم لكي يعرفوا الأرقام والمعطيات الدقيقة لأن ذلك من اختصاص -من يفهمون- و-المثقفين- الخ، أما العمال فما عليهم إلا أن يطبقوا الترهات التي ستقترحونها عليهم بعدما تفرزونها بعد وجبة غذاء فاخرة.

لكن الماركسيين يا سيد سعيد لا يعتقدون ما تعتقده وهو ما جعل ماركس على سبيل المثال يكتب الرأسمال المليء بالأرقام والإحصاءات وهو من أوله إلى آخره موجه إلى العمال، وهو أيضا ما

اخر الافلام

.. حركات يسارية وطلابية ألمانية تنظم مسيرة في برلين ضد حرب إسرا


.. الحضارة والبربرية - د. موفق محادين.




.. جغرافيا مخيم جباليا تساعد الفصائل الفلسطينية على مهاجمة القو


.. Read the Socialist issue 1275 #socialist #socialism #gaza




.. كلب بوليسي يهاجم فرد شرطة بدلاً من المتظاهرين المتضامنين مع