الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شكرا لساعي البريد!!!

محمد المراكشي

2009 / 10 / 8
كتابات ساخرة


البريد.. البوسطة..في يومه العالمي..
أنستنا السياسة ، و الزمن الردئ أن نتذكر و لو للحظة تلك اللحظات الجميلة التي كانت تغمرنا فيها فرحة طفولية نحن كما كبار عائلاتنا حين يطرق ساعي البريد باب المنزل طرقة واحدة قوية فيثير فينا الهلع ، فنقفز كلنا خائفين متفوهين بكلمة واحدة تقريبا...و البوليس هاذو!!
يهرع أحدنا إلى الباب ليجد رسالة وقد انزلقت تحت الباب ، فيلتقطها بسرعة و لهفة وفرحة ، ولكل تبريره ونيته..قد تنتظر أمك رسالة من أبيك الغائب بعيدا للعمل ..وقد تنتظر أنت رسالة تعارف من صديق جديد بعث لك ملتقطا عنوانك من مجلة أو جريدة..وقد تكون رسالة خطيرة من حبيب أو خطيب إلى أختك فتسارع هي الى التقاطها أو الى تحضير أجوبة لإستنطاق عنيف.. أو بكل بساطة رسالة من عائلة لك تسأل عن أحوالكم و تطمئن عن أحوالها..
ومهما يكن الأمر ، فهو فرحة على أي حال..
اختفت هذه اللحظات من حياتنا ، ولم يعد يأتي ساعي البريد الذي يشاركنا فرح استقبال حوالة بريدية تفك عنا حصار الخبز و الزيت و الشاي و لو ليومين من اللحم و الكبد!! تلك الحوالة التي لها أثر السحر على حياتنا ، كما لها فأل الخير على الساعي الذي تستقبل صالة البيت بفطور لذيذ ، أو تدويرة تعفيه من احتساء قهوة المساء على حسابه!!
لقد افتقدنا الفرح و الحزن معا ، فكما كانت تأتينا الرسائل بما لم نزود من أخبار الأعراس الجديدة و العرسان الفرحين المبتسمين بما يشبه البلاهة في صور من أبيض و أسود أما باقة ورد رمادية ،كانت تأتينا بأخبار الأزمة التي تدفع أخاك الكبير المتابع لدراسته في مدينة كبرى ،صبر كثيرا قبل أن يقذف في وجه والديك عبارة "لا يخصنا سوى النظر في وجهكم العزيز و بعض الدريهمات" ! فتسارع أمك باقتراض مبلغ من الجيران أو من بقال لتبعث به إليه كي لا يموت جوعا!!
لكن أصعب اللحظات هي تلك التي نقرأ فيها رسالة تخبرنا بموت عزيز علينا ، ليبدأ البكاء و العويل حتى قبل أن ينهي الصغير الذي يقرأ الرسالة عبارات العزاء..فتترك الورقة و تنسى و تهمل وسط الكم الهائل من الحزن بخلاف رسائل الفرح و الحب التي نحتفظ بها بعناية تحت الوسائد أو نستبدل مكانها كلما غيرنا ملابسنا إلى أن يتفقدها الله برحمته في آنية تصبين..فيضيع الدليل المادي للذكرى!!!
لكن للبريد نكهة أخرى في البرقيات، فنحن لم نكن أبدا نستعمل البرقيات التي يحتسب فيها موظف البريد الكلمات و الحروف كما يحسب الأنفاس..كنا نكره البرقيات ، فهي باهظة الثمن قليلة الكلمات ، لا سلام فيها و لا حنين ، ولا تستعمل إلا للإخبار عن مرض مباغث أو موت مفاجئ أو دعوة للحضور في الحين..
هو عالم آخر ذاك البريد القديم الذي كتبت على يافطته "البريد و المواصلات السلكية و اللاسلكية"، وهو ماكان يدفعك للتخيل عن تلك الأسلاك التي تحمل رسائلك و برقياتك وكلماتك التي يسمعها كل من في المصلحة أو حتى خارجها حين تصرخ في الهاتف الوحيد الموجود الذي يتناوب عليه الناس..وكم كان الأمر غريبا حين كنت تجد أن الربط بالهاتف بألمانيا أسهل من ربط اتصال بمدينة في بلدك..تنتهي المكالمة بسرعة في ما يشبه التآمر على حقك في الكلام كي تفسح المجال لشخص آخر ، و للموظف كي يشفط ما في جيبك ثمنا للمكالمة!! وتلجأ في بعض الأحيان التي يأتيك ثمن على حين غرة الى الاقتراض من أحدهم إن لم يكن الموظف ذاته لأنك لاتحمل المبلغ المطلوب...
اختفت كل هذه الحياة و لم يبق منها إلا ذكرى مضحكة و أليمة، فلم تعد الرسائل بما تحمله من رائحة الأحباب و عطورهم أو نسمات عرقهم تمر من أمام أعيننا و قلوبنا ،ولم يعد ذلك الفرح الذي يجعلك تنزع طابع البريد المختلف حين تأتي رسالة من خارج البلاد كي تضيفه الى طوابعك التي تتباها بها، ولم تعد تتضايق إذا طلب منك أحد أن تكتب له رسالة بالحرف لما يقول ضاربا عرض الحائط عربيتك التي تعلمتها !!
عوض الهاتف كثيرا من معاناتنا ، ولم تعوض رسائل الsms أو ورود الmms عواطفنا الصادقة في ومحبتنا البريئة التي كانت تحملها رسائل و بطاقات البريد!!
كل شيء كان ينتهي بعبارة سحرية و جميلة و اجتماعية :
"السلام،و الجواب في الحين "








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إصابة الفنانة سمية الألفى بحالة اختناق فى حريق شقتها بالجيزة


.. تفاصيل إصابة الفنانة سمية الألفى بحالة اختناق فى حريق شقتها




.. الممثلة ستورمي دانييلز تدعو إلى تحويل ترمب لـ-كيس ملاكمة-


.. عاجل.. تفاصيل إصابة الفنانة سمية الألفى بحالة اختناق فى حريق




.. لطلاب الثانوية العامة.. المراجعة النهائية لمادة اللغة الإسبا