الحوار المتمدن - موبايل


نقابات وباشاوات (1)

صلاح الانصارى محمد

2009 / 10 / 9
الحركة العمالية والنقابية


لم تتمتع الحركة النقابية المصرية خلال تاريخها النضالي الذي يرجع إلى 1899 حينما نشأ ت جمعية لفافى التبغ ( السجائر) ومرورا بالعديد من الاتحادات النقابية أخرها الاتحاد العام لنقابات عمال مصر والمستمر إلى الآن 00 لم تتمتع هذة الحركة بالاستقلالية الكاملة ؛ إلا فى فترات زمنية قصيرة كانت تنعم باستقلالية منقوصة ؛ فقد تدخل فى شؤنها وأدار أمورها أحزاب سياسة عديدة من أول الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل ومحمد فريد ومرورا بحزب الوفد والأحرار الدستوريين والحزب الشيوعي المصري –فى العشرينات من القرن العشرين- وانتهاء بالحزب الوطني الديمقراطي الآن وكان خضوع الحركة النقابية على مدار تاريخها إما طوعا أو كرها 00راغبة أو مرغمة0
وتزعم الحركة النقابية باشاوات قبل ثورة 23يوليو 1952وما نود أن نلقى الضوء علية هو النبيل "عباس حليم" سليل الأسرة العلوية ويهمنا أن نبين علاقة النبيل عباس حليم بالملك فؤاد والسياسة ومن جانب أخر علاقته بالعمال والنقابات0
فى يوم 4 يوليو 1922 أصدر الملك فؤاد الأول المرسوم الخاص بتنظيم الأسرة المالكة والذي صنف أعضاؤها إلى قسمين تبعا لدرجة القرابة من الجالس على عرش مصر؛ ويضم الأمراء وفى طليعتهم الأمير " فاروق " , والأميرات بينما يضم القسم الثاني النبلاء والنبيلات ؛وقد لعب العديد من هؤلاء دورا فى الحياة الاجتماعية فى البلاد؛ غير أن قليلا منهم تصدوا للعمل السياسي بكل محاذيره لمن هو فى وضعهم , إذ لما كان جلالة الملك هو الذي يقوم بالدور الرئيسي فى ذلك العمل من خلال الأدوات العديدة التي اصطنعها ؛ لم يكن مرغوبا أن يقوم اى من أبنائها بلعب اى دور مواز للملك أو خارجا عن نطاقه ؛غير أن البعض سواء من الأمراء أو النبلاء شذ عن هذة القاعدة وخرج عن الحظيرة الملكية !

منهم النبيل عباس حليم حفيد الأمير " محمد عبد الحليم " احد أبناء محمد على باشا مؤسس الأسرة العلوية0

يقول الملف السري لسيرته المحفوظة بوزارة الخارجية البريطانية انه من مواليد 1897؛خدم خلال الحرب العظمى (العالمية الأولى) فى صفوف القوات التركية ثم القوات الالمانية00 ملاكم جيد وسباح ولاعب تنس وقد بذل جهدا واضحا فى الاهتمام بالرياضة ورعايتها واستمر حتى أكتوبر 1930 رئيسا لنادى السيارات المصرى0

نشر عباس حليم فى أكتوبر 1930 بيانا طالب فيه الملك بإعادة حزب الوفد إلى الوزارة وحذره من أن رفض مثل هذا الطلب قد يؤدى إلى دفع مصر إلى هاوية الحرب الأهلية ؛ وكان رد الملك حرمان عباس حليم من لقب ( النبالة) والحقوق المترتبة علية ومنها المخصصات المالية؛ وأصبح عباس حليم افتدى ؛ وقد اكتسب تعاطف وشهرة وشعبية كبيرة وأصبح بمثابة الشوكة فى حلق الملك فؤاد0
وقد مكنته ثروة زوجته الثانية وهى ابنة مدحت يكن باشا من الاستغناء عن المبلغ الذي كان مخصصا له من الملك فؤاد , ويذكر ان زوجته الأولى إنجليزية الأصل توفيت فى ظروف درامية0بعد تجريده من النبالة اتجه نشاطه لرعاية العمل النقابي العمالي ؛ وهو منظم جيد للنقابات ؛ وان كانت الشرطة لا تقل عنة نشاطا فى قمع العمال0
* الاستلحاق الحزبي للحركة النقابية
بعد فترة من الفراغ التنظيمي ؛ تكتلت بعض النقابات وكونت خلال النصف الأول من عام 1928 ( الاتحاد العام لنقابات عمال القطر المصري) وتسلل حزب الوفد إليه ؛ وجعل احد محامى الوفد ويدعى احمد اغا رئيسا له – ونشأ نزاع ما بين احمد اغا والدكتور محجوب ثابت الذي اختاره العمال مستشارا للاتحاد ؛ وأعلن سكرتير الاتحاد ( فصل احمد اغا من رئاسة الاتحاد0 بسبب المحاولات السياسية التي يريد بها توجيه العمال إلى جهة سياسية خاصة (حزب الوفد) 0

وأدت هذة الخلافات إلى تدهور الاتحاد وتلاشيه ؛وكانت تلك هي فرصة حزب الأحرار الدستوريين ليدخل ساحة العمال مجربا حظه فى هذا الميدان الخصب!
وكانت فكرة حزب الأحرار هي سد الباب أمام حزب الوفد وفى نفس الوقت يستفيد من العمال فى مناوراته الحزبية ولضمان كتلة تصويتيه فى الانتخابات البرلمانية ؛ وقد شجع ذلك مناصرة عدد من النقابات لم يجدو فى حزب الوفد ما يحقق أمالهم فارتأوا التغيير 0

وهكذا ظهر اتحاد جديد يرأسه داود بك راتب وهو احد أقطاب الحزب 0
وفى 30 ابريل 1930 اتخذوا مقرا للاتحاد فى ميدان العتبة الخضراء وضم الاتحاد عددا من ابرز النقابيين وقتئذ مثل محمد حسن عمارة واحمد المصري من نقابة الحلاقين –لا يوجد فى مصر الآن نقابة للحلاقين- ومحمد إبراهيم زين الدين وكامل عز الدين من نقابة النقل وغيرهم0ولكن فى 17 ديسمبر اجتمع بعض قادة الاتحاد وقرروا عزل داود راتب ؛ وتنصيب النبيل عباس حليم رئيسا للاتحاد !
ونستخلص من التفسيرات التي أوردها الأستاذ جمال البنا فى كتابة (الحركة النقابية المصرية عبر مائة عام)
اكتساب عباس حليم إعجاب الجماهير نظرا لموقفة من الملك وتجريده من النبالة وانه فى ظل حكومة صدقي باشا التي كانت تحكم البلاد (بالحديد والنار) وكانت قد ألغت دستور 1923 وأعلنت دستورا جديدا يقيد حق الانتخاب ويقصره على فئات معينة بقصد حرمان العمال من مزاولة حقهم الانتخابى00وفى هذا الصدد أصدر حزب الوفد بيانا لاستنكار هذا الدستور الجائر ؛ولا يغيب عنا أن حزب الوفد كان يعتمد على أصوات عامة الشعب من العمال والفلاحين فى كسب معاركه الانتخابية0ووقع على هذا البيان (عباس حليم) ونشرت الصحف ذلك بعناوين بارزة 0 هذة الأمور جعلت بعض قيادات الاتحاد يفكروا فى شخص عباس حليم بعد أن لمع نجمة فى معارضة صدقي باشا والملك فؤاد فضلا عن تجربته فى تمصير الأندية الرياضية وإدخال العمال فيها .
فالقيادات النقابية فى ذلك الوقت لم تفكر أن تدير دفة الاتحاد بنفسها بعد أن ضاقت بالأحزاب اختارت رجلا لم تكن لدية رغبة أو تطلع إلى مثل هذا العمل خاصة أنه يملك شركة اى انه صاحب عمل ! لكن قيادات الاتحاد ربما رأت فيه أملا يحقق الخير أو ربما أرادت أن تستقوي بة0
وعلى كل حال فقد كان عباس حليم زعيما بلا جمهور وكان العمال جمهورا دون زعيم نقابي منهم !
قوبل هذا الانقلاب بارتياح فى اغلب صفوف حزب الوفد لأنه نزع من منافسه حزب الأحرار الدستوريين هذة الورقة الرابحة؛ وفى نفس الوقت فان اختيار عباس حليم بالتحديد وهو احد أفراد الأسرة المالكة بصرف النظر عن تجريده من رتبة النبالة سيثير ضيق القصر – اى الملك فؤاد- وهو خصم الوفد فى السلطة الدستورية0فالانقلاب فى إجماله كان فى مصلحة الوفد ولهذا تقبلته هيئة المحامين التي كانت مسئولة عن العمال ؛ وأعلن احمد اغا (المفصول من الاتحاد) تنازله لعباس حليم عن رئاسة الاتحاد 0

فى يوم 17 ديسمبر 1930 عقد مجلس الاتحاد جلسة مستعجلة حضرها داود راتب وفى هذا الاجتماع تحدث سيد عزمي وقال أن الاتحاد فى حاجة إلى زعامة وطنية مخلصة ؛وانه يرشح النبيل عباس حليم ؛ وحدث هرج فى الاجتماع ولكن غالبية الحاضرين تمكنوا من صياغة محضر وجمعت التوقيعات عليه ثم توجهوا بالمحضر فى الفجر إلى قصر عباس حليم فى جاردن سيتي وهو- حي الباشاوات والسفارات وأثرياء مصر- قابل عباس حليم وفد العمال وهم محمد إبراهيم زين الدين وسيد عزمي وكامل عز الدين وعرضوا علية قرار تولية رئاسة الاتحاد – لم يفكر الرجل وكأنه كان فى انتظار أن يقود الاتحاد –فقبل رئاسة الاتحاد قائلا انه يساعد رجال الرياضة والعمال أولى بهذه المساعدة 0
ومن يومها تطور الصدام بين السلطة وعباس حليم ولم يكن من المنتظر أن يسكت راس الأسرة الحاكمة على (النبيل الشارد) أكثر من ذلكما قرر معه أن يدخله إلى بيت الطاعة ؛توطئة لإعادته إلى الحظيرة الملكية .
وبيت الطاعة لم يكن سراي النبيل فى جاردن سيتي بالطبع وإنما هو سحن الأجانب حيث تم حبسه 14 يوما على ذمة التحقيق امتدت إلى 24 يوما على وجه التحديد ؛ ويبدو أن تأديب النبيل الشارد لم يكن ليمر بسهولة فقد قامت الدنيا ولم تقعد ؛ حتى أصبح هذا الاعتقال حديث العام والخاص فى المجتمع 0

إلى اللقاء فى الحلقة الثانية من نقابات وباشاوات وحكاية النبيل الشارد عباس حليم مع اتحاد نقابات عمال القطر المصري 0








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المغرب/النقابات لعبت دورا أساسيا في الإطاحة بالعدالة والتنمي


.. المغرب/النقابات تنتظر تنفيذ الحكومة الجديدة لإصلاحات اجتماعي


.. تحذير أممي.. 97% من سكان أفغانستان سيصبحون فقراء خلال 2022 إ




.. ...هيومن رايتس ووتش: العمال اليمنيون في السعودية معرضون


.. إضراب واحتجاجات في فرنسا ضد إجبارية التلقيح