الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


■ واضحون وملتبسون

أنسي الحاج

2009 / 10 / 12
الادب والفن


١٠ تشرين الأول ٢٠٠٩
لا أحبّ الدوغمائيين، علماً أن وجودهم ضروري لسببين على الأقل: أوّلهما أنه قد يتبيّن أنهم على حق، والآخر لكي يبدو تناقض المتناقضين علامة تفتيش حرّ بإزاء أصحاب الثوابت الذين يحتاجون إلى المتناقضين لإثبات جدّيتهم ومتانة ما يظنّونه مسؤوليتهم عن العالم. كنت أحسب المقتنعين، أصحاب اليقين، أشدّ الخلق خطراً، إلى أن خبرتُ المبشّرين، لا المبشّرين وكفى، بل المبشّرين المصرّين على الإقناع، بل الإفحام، أي أن يخرس الخصم تماماً. وقد لا تجد مشقّة في منازلة هؤلاء إلّا حين يتمتّع الواحد منهم بالصوت المغاوري العميق أو الجهوري العريض فتتخدّر به أو ترتعد فرائصك.
ونادراً ما تجد دوغمائياً مكتفياً بيقينه الذاتي، فلا بدّ له من توسّع، وإلّا أخَذَتْه الريبة بنفسه وراح بنيانه يتعرّض للانهيار. ان دماغه يعتاش من التهام أدمغة الآخرين.
شاهدتُ البارحة شريطاً وثائقيّاً عن الكاتب الفرنسي فرنسوا مورياك، سمعته فيه يعترف، بصوته الأبحّ المقصوص، أنه ليس شخصاً متناقضاً في نظر كارهيه فحسب بل أيضاً في نظر نفسه، لكنّه ـ وأضافها بشبه اعتذار ـ لا يعتبر ذلك نقيصة بقدر ما هو بحثٌ دائم وقلِق عن الحقيقة.
وفي حالات معيّنة يمكننا أن نضيف إلى أسباب التناقض الرغبة في إعجاب الجميع.
كان مورياك آخر كاتب فرنسي كاثوليكي شهير ومُعْلَن. وربّما غير فرنسي أيضاً. فلم يعد كاتب أو فنّان (آخر مشاهيرهم في هذا المعنى سلفادور دالي) يجرؤ أن يكون غير يهودي. حتى الذين ليسوا يهوداً. فهذا هو التحرّر في الوقت الحاضر. والتمدّن. والحداثة. وما بعد الحداثة.
ظلّ مورياك أحد المهيمنين على الرواية الفرنسيّة إلى أن نهشه جان بول سارتر في دراسة شهيرة عاب عليه فيها أنه يرسم أقدار شخصيّاته سلفاً، فلا حريّة تقرير مصير لديه... وجرّ سارتر وراءه كالعادة سيول المقلّدين ولم يلبث مورياك أن انكفأ عن كتابة القصّة.
وعندما نذكر سارتر لا مفر من أن يُذكر كامو. ثنائي حتميّ. قبلهما راسين وكورناي، وفولتير وروسّو، وموسّيه وفينيي... وغالباً ما كان الواحد في هذه الثنائيات يكره الآخر. سارتر، مثلاً، لم يرحم كامو إلّا حين رثاه. وقد تبادل فولتير وروسّو الكراهية بشغف شديد. ولا نعلم الكثير عن أدبائنا المعاصرين فلا تزال المجاملات والأكاذيب تكتنف سِيَرهم، وقد قيل بعض الخبر عن توتّر بين جبران والريحاني، وبعدهما بين أبو شبكة وكرم ملحم كرم، وبين الأخطل الصغير وأمين نخله، والأخطل الصغير وجريدة «المكشوف» بزعامة فؤاد حبيش، وبين خليل حاوي وبعض أركان مجلة «شعر»، والسبحة تكرّ لولا أنّ بعض حبّاتها لا يزال على قيد الممارسة، وسيفاجأ الأبرياء حين يكتشفون يوماً أن كثيرين ممّن جمعت بينهم الألسن والأقلام على أساس ثنائي لم يجمع بينهم شيء على الصعيد الأدبي، خارج الصدفة الزمنيّة أو الزمالة السطحيّة، وما بقي سوء فهم وضغائن...
ذلك، ولم نحسب بعد حساب الفنّانين. كأنْ يقال قيصر الجميّل ومصطفى فروخ، أو فروخ وعمر الأنسي، أو زكي ناصيف وتوفيق الباشا، أو الأول أو الثاني وفيلمون وهبة. وما أدرانا ما كان بين هذا وذاك، وذاك وذلك. وسوف يبقى الأخوان رحباني لغزاً إلى أن يفكّه سحر السَحَرة.
لا نجد مثل هذا الغموض في الآداب الغربيّة. لأندريه بروتون مؤلّفات مشتركة مع بول إيلوار ورونيه شار أو بينه وبين فيليب سوبو. عندما جمعت مارغريت بونيه آثاره وصدرت عن دار غاليمار الباريسيّة في سلسلة «لا بلياد»، توصّلت، بعد تمحيص المخطوطات وغيرها من الوثائق، إلى فرز كل سطر بل كل كلمة وتحديد الكاتب، وذلك من دون تخمين أو تكهّن بل بالبرهان القاطع. على أمل أن نبلغ بدورنا هذا المستوى من الدقّة والحرص فلا يسطو أحد على أحد ولا تضيع حقيقة. حتّى لو استهتر أصحابها بحقوقهم، وهذا من شيم الكرام.

■ احتياط
أقسى ما في الأمر، عندما تتعذّر الصلاة على صاحب المحنة، إذ يجفّ حلقه من فرط الفزع. صَلّوا سلفاً.









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة نادية مصطفى تكشف أخر تفاصيل قرار استقالة الفنان هاني


.. كلمة أخيرة - مجلس إدارة نقابة المهن الموسيقية يرفض استقالة ا


.. فنان ليبي يرسم بيديه وقدميه في نفس الوقت.. وبأصابع يديه العش




.. دبوس إيه اللي بيخدر في ثواني.. لميس الحديدي تعلق على فيديو ا


.. المخرج عم يتّهم الست سعاد انها سرقت الكاميرا ??????????