الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أنا وجدي

آلان كيكاني

2009 / 10 / 26
الادب والفن


استفقت اليوم في الصباح الباكر , كما كل يوم , على زعيق مزامير السيارات وهدير محركاتها وصياح الباعة المتجولين في الأزقة القريبة من بيتي , ضغطت على زر التشغيل في جهاز التحكم بالتلفاز عن بعد وأنا لا أزال ممدداً على سريري أملا في سماع صوت فيروز الذي ألجأ إليه كلما ساء مني المزاج , لكن كانت هناك قناة إخبارية تنقل على الأثير مباشرة مشاهد لقتلى وجرحى ناجمة عن انفجار سيارة ملغمة في إحدى بقاع العالم , كبست زر القناة التالية فكانت تبث ندوة لعلماء البيئة عن ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد في القطب الشمالي وما ينجم عنه من ارتفاع منسوب البحار والمحيطات , الأمر الذي يقلص مساحة اليابسة ويهدد الحياة على سطح كوكبنا الأرضي , أما القناة الثالثة فكانت ترسل برنامجا عن القحط والجفاف والتصحر وانتشار المجاعة في العالم . أطفأت التلفاز ومددت يدي إلى سماعة الهاتف كي التمس من مدير الجهة التي أعمل فيها إجازة ليوم واحد ناسيا أن خط الهاتف مقطوع منذ أيام لأسباب مالية .
نهضت من الفراش ارتدي ثيابي , فقد قررت اليوم زيارة جدتي في القرية التي رأيت فيها النور لأول مرة منذ أربعين سنة والواقعة على سفح جبل شاهق لنحتفل سوية بيوم ميلادي الأربعين وطمعا بقضاء يوم واحد في عزلة وانفراد بعيدا عن ضوضاء المدينة وهوائها الملوث .
اعتلت السيارة التي تقلني ربوة في أحد أطراف المدينة فلاحت ملامح أبنيتها العالية وهي تسبح في غمامة سوداء من الدخان والغبار , ثم شق الميكروباص طريقه وسط الازدحام إلى الطرف الآخر من المدينة , مسحت وجهي بمنديل ورقي أبيض فاستحال لونه إلى الأسود. في الطريق رن جهازي الخليوي خمس مرات وكان السؤال الأول بعد التحية في كل مكالمة هو : أين أنت ؟.!
نزلت من السيارة على بعد ميل من منزل جدتي وسلكت سيرا على الأقدام طريقا صخريا يؤدي إليه , استهواني على الطريق قضاء حاجتي في العراء خلف أشجار كانت هناك , الأمر الذي اعتدت عليه في الطفولة حين كنت أعيش مع جدتي , عندما قضيت نصف حاجتي أفزني رنين جرس هاتفي المحمول فانتصبت واقفا كالملسوع , كانت النغمة تنبئ باستلام رسالة , فتحتها وقرأت التالي : عزيزي المشترك , الرجاء تسديد فاتورتك وإلا سنضطر إلى قطع خط جوالك .
أمام بيت جدي القديم المبني من الحجر والمسقوف بأعمدة خشبية والمحاط بالأشجار والزهور استقبلتني جدتي بحفاوة , جدتي التي تجاوزت التسعين والأرملة منذ خمسين سنة فقد فصلت أيادي القدر جدي عنها وكان له من العمر سبعين .
تأبطت جدتي يدي وجالت بي أرجاء البيت تطلعني على الأثاث والأدوات مما كانت تستخدمه وجدي : عدة أوان من الآجر وطست وإبريق من النحاس تقبع على رفوف في المطبخ , وعدة طنافس ووسائد وأفرشة ولحف بالية تتراكم فوق بعضها في غرفة وحيدة هي للنوم وللضيوف , وفي إحدى حيطانها تجويف على هيئة بوابة تسدها صفيحة من الخشب فتحتها وكان فيها كل ما استخدمه جدي من ملابس في حياته : عدة سراويل فضفاضة وجوارب وسترات من الصوف الخالص حاكتها جدتي له , وفي زاوية من الخزانة كان كتابه المقدس الوحيد الذي كان يروي به عطشه الروحي .

طلبت من جدتي أن تحدثني عن جدي فقالت : كان يقضي وقته من طلوع الشمس إلى مغيبها في الحقل إما حارثا أو باذرا أو حاصدا , وفي فترة الظهيرة كنت أحمل له الزاد إلى الحقل , رغيفان من خبز التنور وحبتين من البصل ودن صغير من اللبن الرائب , يهوي حبة البصل بيده فيغديها فتات يرش عليها قليلا من الملح ثم نتناولها بنهم مع الخبز واللبن , ثم يجمع قليلا من الحطب ويشعل فيها النار ويضع عليها إبريق الشاي .
بعد هنيهة من الصمت سألتها مازحا : وفي الفراش يا جدتي ؟
قهقهت جدتي من فمها الأدرد ككهف هجره سكانه وهزت رأسها وقالت : كان الفراش يتذمر من حركاته , يا بني.

ضحكت فتموجت طبقة الشحم الكثيفة على كرشي المقببة كالفطر تموج ماء راكد قهقهت عليها رياح عاتية , وإذ قهقهت طقطقت علبتا الفياغرا وخافض الكولسترول في جيبي , نظرت إلى الحائط في الصدر , كانت صورة جدي معلقة عليه , قديمة كأنها التقطت من خلف السديم تفرست فيها وأطلقت تنهيدة طويلة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تحياتي
د.لمى محمد ( 2009 / 10 / 27 - 06:25 )
معبر جدا ...تحياتي


2 - شكرا لك
د آلان كيكاني ( 2009 / 10 / 27 - 09:57 )
شكرا لك زميلتي العزيزة الدكتورة لمى على مرورك الكريم على صفحتي هذه, وهو بحق يشجعني على كتابة المزيد
مع خاص الإحترام
د.آلان كيكاني

اخر الافلام

.. مهندس الكلمة.. محطات في حياة الأمير الشاعر الراحل بدر بن عبد


.. كيف نجح الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن طوال نصف قرن في تخليد




.. عمرو يوسف: أحمد فهمي قدم شخصيته بشكل مميز واتمني يشارك في ا


.. رحيل -مهندس الكلمة-.. الشاعر السعودي الأمير بدر بن عبد المحس




.. وفاة الأمير والشاعر بدر بن عبد المحسن عن عمر ناهز الـ 75 عام