الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إدارة منضبطة تساوي ديمقراطية ناجحة

عباس عبود سالم
كاتب وإعلامي

2009 / 12 / 18
الادارة و الاقتصاد


رغم عراقة وقدم الجهاز الإداري العراقي، إلا انه عانى من تقلبات السياسة العراقية منذ مطلع الستينات من القرن الماضي، وتفاقمت أزمته، وتراجع أمام صعود موجه حكوميا، للقطاع الخاص منتصف الثمانينات، حيث تشكل هذا القطاع في غالبيته من مقربين للسلطة التي مكنتهم من شراء مؤسسات، ومنشآت، ومصانع، كانت مملوكة للدولة.
ثم توالت تراجعات الجهاز الإداري خلال حقبة الحرب مع إيران، ومن بعدها الحصار، الذي تدهور خلاله المستوى المعيشي والاجتماعي لموظفي الدولة، للحد الذي أصبحت على أساسه رواتبهم ومدخولاتهم لاتعادل شيء ذا قيمة تذكر.
لذلك حصلت صور مؤلمة للملتزمين، والمنضبطين، من موظفي الدولة، الذين عانوا حربا شرسة قضت على وجودهم وقدرتهم على العمل بكفاءة، واسهم هذا الوضع بنمو طبقة من المستفيدين من مراكزهم الوظيفية لصالح عملهم الخاص، وتحولت الوظيفة الإدارية من خدمة اجتماعية للمواطنين وتكليف وطني، إلى سلوك انتهازي ووسيلة للإثراء السريع باستخدام المركز الوظيفي في الدولة.
والأخطر انه بعد زوال سلطة صدام، التي ارتبط حكمها بارتكاب أخطاء كبيرة، أثرت سلبا على كفاءة الجهاز الإداري، لم يتمكن من تولوا الحكم بعد نيسان 2003م من النهوض بكفاءة، ونزاهة، وحرفية، الجهاز الإداري، الذي لم يكن متحررا من الارتباط بحزب البعث، وبعد سقوط البعث لم يتحرر من الولاءات السياسية، في وقت كنا بأمس الحاجة إلى جهاز إداري، مهني، أشبه بالجهاز الإداري الياباني، الذي أنقذ بلاده من الانهيار، وكان سببا في صعود اليابان الى مصاف الدول الكبرى.
الأخطر ان الجهاز الإداري تحول إلى عبء على الدولة والحكومة، من حيث كثرة العدد، وقلة المهارات، وانعدام التدريب الصحيح، وإبعاد أصحاب المهارات، وسيطرة المحسوبين على الأحزاب، وأصحاب المصالح التجارية، وتشكيل (لوبيات) داخل المؤسسات والدوائر الحكومية تقوم على منافع اخرى، لاسيما الهياكل المرتبطة بالصالح العام، مثل وزارة التجارة، والكهرباء، والنفط، وامانة بغداد ومؤسسات ووزارات أخرى.
كان من نتائج التحول الديمقراطي في العراق، ان تتحول الإدارة من الوضع الصارم إلى الوضع المرن، ومرونة الديمقراطية العراقية وصلت إلى حد الفوضى، وفقدان ملامح التوصيف، والتخصص، والضبط، والتسلسل الإداري، واطاعة الأوامر الإدارية.
لا بل الأكثر من التخلخل، وعدم الالتزام، والتسيس، أغرقت الصحف، ومواقع الانترنت، بوثائق سربت من دوائر ومؤسسات الدولة، لتعلن بشكل غير قانوني، وأصبحت أسرار الدولة، بمتناول كل الأطراف والقوى، والأحزاب، والدول، ووسائل الإعلام الأخرى، بالشكل الذي تحول الى امر معتاد، مع ان المادة الرابعة (سابعا) من قانون انضباط موظفي الدولة، نصت على وجوب كتمان المعلومات، والوثائق، التي يطلع عليها الموظف بحكم وظيفته او أثنائها، إذا كانت سرية بطبيعتها، او يخشى من إفشائها إلحاق الضرر بالدولة حتى بعد انتهاء خدمة الموظف او إحالته على التقاعد.
ولو تصفحنا قانون انضباط موظفي الدولة، سنكتشف انه يشتمل على نقاط بحاجة إلى تفعيل، لا ان يبقى مجرد حبر على ورق، وان الجهاز الإداري للدولة بحاجة إلى طبقة مديرين، يضعون على عاتقهم خدمة الدولة والمجتمع، قبل ان يفكرون في إشباع غرائزهم للإثراء، وانتهاج سلوك ارتجالي يشبه سلوك رجال السياسة، الذين يبحثون عن الائتلافات، وكسب الأصوات، وتضخيم نقاط الضعف لدى المنافسين او الحكومة، والتقليل من أهمية نجاحاتها، ليحصلوا على مكسب سياسي دون أي اكتراث بمحدد وظيفي او رادع إداري.
والمطلوب من الجهاز الإداري للدولة، من معاون الملاحظ إلى الوزير او وكيل الوزير، ان يتصرف بشكل مختلف عن ما يتصرف به السياسي، فإذا كانت السياسة لدينا عمادها التنافس فان الإدارة تقوم على الانضباط والالتزام، والابتعاد عن الارتباط بجهات أخرى.
وعلينا ان نعلم ان اكثر دول العام إفراطا في الديمقراطية والحرية، هي الأكثر حرصا على بناء جهاز إداري شديد الانضباط، وبالغ القوة والصرامة، وإطاعة القوانين، لتحقيق بيئة سياسية اجتماعية صالحة لممارسة الديمقراطية والحرية بسلاسة وانسيابية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل نتوقع طروحات حكومية جديدة في البورصة في الربع الأول من ال


.. كلمة أخيرة - إيهما أفضل للاقتصاد.. الطرح في البورصة أم طرح ل




.. صندوق النقد الدولي يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 202


.. -بوينغ- توقف إنتاج طائرتها الشهيرة 747 بعد أكثر من نصف قرن ع




.. المشهديّة | ألمانيا في أميركا اللاتينية.. سباق اقتصادي مع ال