الحوار المتمدن - موبايل


جدلية القامع والمقموع في الديمقراطية العراقية

كريم الوائلي
(Karim Alwaili )

2010 / 2 / 6
ملف: الانتخابات والدولة المدنية والديمقراطية في العراق


في زمن قيادة ما يسمى بالحكومات الثورية في البلاد العربية .. مصر والعراق وليبيا والسودان والجزائر .. كانت الحكومة تضطلع بكافة المهمات التشريعية والتنفيذية ، بل انها هي التي تقوم بعمليات التفكير وتحدد آليات السلوك ، ولذلك فهي تمتلك كل شيء الارض ومن عليها ، وتقدم الخدمات التي ينبغي ان تصفق لها الجماهير ، وتنحني امام اعجاز ابداعها الشعوب . وهذا من شأنه ان يجعل مخيلة الشعوب منطفأة وعقولها معطلة ، لانها في استراحة تامة ، إذ لا مبرر لاي تفكير يعارض ما تريده السلطة لانه سيؤول الى هامش الحياة ان لم يكلف صاحبه الموت الزؤام .
وقد دلت على ذلك شعارات كشعار لاصوت يعلو فوق صوت المعركة ، والمعركة معركة الحزب والثورة ، فصوتها هو الصوت الاوحد ، وكشعار لا ثوري بدون نظرية ثورية ، وما دامت النظرية الثورية لدى الحزب والحكومة فأن اي تفكير واي ثورية خارج سرب السلطة يُعد تغريداً ممجوجاً ، وانَ مصيره الفناء ، ومصير صاحبه الهلاك.
وامست السلطة في بعض هذه الانظمة مقدسة لدرجة تضاهي قداسة الالهة والانبياء .. ، وكما انَ لله تسعاً وتسعين اسماً كذلك للقائد الاوحد تشابه في الخصائص وتماثل في المسميات .
وليس من قبيل المصافة ان تكون الفنون كالرسم والنحت والموسيقى والغناء والادب كلها في خدمة ما تريده السلطة ويتحول اغلب الفنانين بفعل الترغيب والترهيب الى مجرد ادوات او (قراقوز)تحركه ايادي اجهزة الاستخبارات ووكلاء الامن ، ولذلك تنشط الفنون في احد اتجاهين :
اولهما :- ما يمجد الحاكم وما يمجد حاشيته واعوانه وهو المتفشي .
وثانيهما :- يميل الى الغموض والضبابية والترميز كي يعبر عن جور القمع والكبت والحرمان ، بمعنى اننا ازاء فنين : فن السلطة وفن المقموعين ، وازاء بلاغتين بلاغة الوضوح والمباشرة والتقريرية وهي بلاغة السلطة ، وبلاغة العمق والرمز وتلك هي بلاغة المقموعين .
وفي ضوء هذا اصبحت العلاقة بين الحاكم والمحكوم واضحة ومحددة ، ويعرف كل طرف من اطرافها طبيعة عمله ووظيفته ،فالسلطة تشرع وتأمر .. والشعب يتلقى وينفذ في اطار سلطة بطرياركية ، تماماً كعلاقة الاب المستبد بابنه المقموع .
ولقد قاد هذا الى اختفاء او الغاء دور المجتمع المدني والغيت مؤسساته واصبحت الدول تسمى بأسماء حكامها ، مصر ناصر والسادات ومبارك وسوريا حافظ وبشار ، وعراق قاسم وعارف وصدام .. في محاولة لطمس هوية البلدان ونسبتها الى افراد حكام .
ولا تفرح الشعوب بحدوث تغيرات جديدة ما دامت تصدر عن المنظومة نفسها ، يتغير حاكم ويتلوه اخر .. والفرق بالدرجة وليس بالنوع ، إذ تظل طبيعة التفكير وآليات التنفيذ هي هي دون تغير بذكر .
اما إحداث تغير جوهري في المنظومة الفكرية والسياسية والاقتصادية مهما كان نوعه ، سواء أكان لصالح الشعوب ام لا ، فانه يحتاج الى وقت كي تتمكن الشعوب من استيعاب دروسه ومحاولة تغيير العادات المترسخة لدى الحكام والمحكومين على السواء.
وليس من السهل ان يتغير الحاكم في رؤيته وطبيعة سلوكه لمجرد حدوث تغيير تم بطريقة فوقية ، كما انه ليس من السهل ان تغير الشعوب رؤاها وطبيعة ممارساتها وانماط سلوكها لمجرد ان قوة داخلية او اجنبية رغبت بذلك .
ان التغير الحاصل في العراق منذ عدة سنوات إنما هو تغير في القشرة ولم يبلغ العمق بعد ، إذ لا يزال من يمثل موقع القيادة يحمل الكثير من رواسب الماضي ولا يزال يحتفظ بالكثير من سمات الاب الديكتاتورببطرياكيته المعهودة على الرغم من تأكيده ديمقراطية الحوار والسلوك . ولا يزال الشعب يؤدي دوره السابق في تبعية مطلقة للسلطة بمراكز قواها المختلفة .
ولا ريب اننا نلتقي بجدل بيزنطي لم تفرغ منه الاطراف السياسية المختلفة وفي احيان كثيرة مثل الجدل الذي يتساءل هل الدجاجة من البيضة ام البيضة من الدجاجة ! ! ففي الوقت الذي يحترق فيه الشعب ارهاباً وجوعاً تقر قوانين المشاركة لحماية طبقة الاوزون .. في شبه جلسات صوفية ! !
ان واقعنا السياسي المعاش به حاجة الى قدر من الجهد في اعادة تأهيل الحاكم . كي يتخلى من كافة رواسب الماضي .. بعيداً عن الحزبية والقبلية والمناطقية والانتقال من الجزئي الضيق الى الكلي المطلق اعني الوطن ..
كما ان الشعب به حاجة هو الاخر الى تأهيل كي يدرك ان تغيراً ما قد حصل وعليه ان يمارس دوره .. ليس بالرفض واقرار سياسة الامر الواقع .. وانما بتأسيس مؤسساته المدنية والتخلي تماماً عن حالة ان الدولة تؤدي كل شيء .. وتفعل كل شيء .. وتفكر نيابة عنا .. ! !








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عودة على المناظرة الأخيرة بين المرشحين لرئاسة الولايات المتح


.. الولايات المتحدة: اتهامات متبادلة بالفساد والكذب في آخر مناظ


.. بعد تبادل الاتهامات .. انتهاء المناظرة الرئاسية الأخيرة بين




.. المناظرة الرئاسية الأخيرة بين ترامب وبايدن


.. المناظرة الأخيرة بين ترامب وبايدن