الحوار المتمدن - موبايل


قوى اليسار -الكافرة-

محمد حسين الأطرش

2010 / 3 / 25
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي



أن نشارك في بحث أسباب فشل القوى اليسارية من تحقيق نتائج إيجابية في انتخابات البلدان العربية فإن ذلك يقتضي دراسة طويلة وشاقة تحتاج لعدد كبير من الإختصاصيين وفي كل دولة على حدة للوقوف بشكل دقيق على الأرقام وتوزعها المناطقي وطبيعة عمل تلك الأحزاب وممارسات أفرادها على أرض الواقع وكيفية تعاطيهم مع ما يدور من حولهم. لكن يمكن لأي مواطن أن يستخلص مما حوله بشكل عام أن سبب فشل القوى اليسارية في تحقيق نتائج إيجابية في البلدان العربية ليس فقط في الإنتخابات وإنما في كافة الميادين إنما يرجع لوهن أصاب تلك الأحزاب بسبب أمراض داخلية ولضربات خارجية ساهمت في تحجيمها بشكل كبير.
لقد كان للأحزاب اليسارية طيلة عقدين ونصف تقريبا بدءا من أوائل الخمسينات قدرة كبيرة على استقطاب ما يمكن تسميته بالنخب العربية في كافة المجالات بحيث أصبحت المدن العربية وجامعاتها ومصانعها خلايا نحل أسست لأحزاب كبيرة ومؤثرة وفاعلة ولكن معظم تلك الأحزاب قامت في الطبقة الأولى منها على التطلعات للسلطة والوصول للحكم إما عن طريق المشاركة أو فكرة الثورة التي تطيح بالنظام القائم. فحصل في الحالة الأولى زواج "عرفي" مع الأنظمة ارتضت فيه قيادات تلك الأحزاب حصة من السلطة القائمة غالبا ما أفضت بعد مدة قصيرة إلى فقدان الثقة كلية بين قيادات الأحزاب وقواعدها وهو ما تكرر في أكثر من مرة مما دفع العديد من الحزبيين العقائديين إلى الإبتعاد كليا عن الحركة الحزبية التي صاروا يرون فيها مجرد محاولة للبعض للوصول للسلطة. أما في الحالة الثانية، فإن النزعة الثورية غالبا ما انتهت، وبفضل ديمقراطية الأنظمة العربية، إلى معتقلات اتسعت مع الأيام وامتدت عبر السنين وبات من في الخارج لا يبغون إلا السلامة فاقدين الأمل بالقدرة على تغيير الواقع.
من جهة آخرى، كان من المفترض أن تكون تلك التجارب الحزبية فرصة لممارسة نوعية من حيث التنظيم وانتقال المسؤوليات لكن الواقع كان غير ذلك إطلاقا حيث تحول الحزب إلى مؤسسة شبيهة بالشركات الخاصة التي ينتفع به بعض القيمين في حين يبقى المحازبون مجرد أرقام تحتسب عند التجديد للرئيس أو لمكاتب اللجان حتى أن بعض الأحزاب تحولت إلى شركة مساهمة خاصة تنتقل رئاستها من الأب إلى الإبن وبشكل سلس وهادئ لأن المعترضين على ذلك يتحولون لخونة يجري فصلهم سريعا. بمعنى آخر إنقضت المعاول الداخلية لقيادات الأحزاب لتهدم وتنهش قاعدة الحزب. وهكذا دُفع الكثير من الحزبيين إلى الكفر بالإحزاب التي سرعان ما ضمرت وانكمشت.
من ناحية آخرى، كان للحزبيين اليساريين في تاك الفترة دورا كبيرا في إعطاء صورة سلبية للمجتمع آنذاك نظرا لغياب رؤية حزبية وطنية أو محلية وإنما استعادة صورية لأفكار حزبية لم يولوا أنفسهم مجرد الجهد في تعريبها وجعلها صالحة وفقا للمجتمع الذي ينتمون إليه وذهبوا إلى الحد الذي جعلوا فيه من شكل القبعة أو السيجار شكلا من أشكال الإنتماء. ناهيك عن استعمال مفردات مستوردة على خطابهم السياسي كان يمكن لمن يتابع دورة حزبية مكثفة أن يفهمها لكن الغالبية كان يصعب عليهم معرفة مداها أو بعدها. تلك الفجوة في الخطاب وتلك الممارسات الغريبة عن المجتمع ساهمت في تسهيل الضربات الخارجية التي نجحت في إخراج هذه الأحزاب من السياق العام للمجتمع.
كانت المجتمعات العربية ما تزال تحبو مبتعدة عن الظلمات التي عاشتها لقرون عديدة فكان من السهل التصويب على الأحزاب اليسارية ومحازبيها على أنهم أهل ضلال وكفر. فقد قدمت لهم الشيوعية والإشتراكية على أنهما الإلحاد بعينه وأن من يؤمن بهما كافر. فهؤلاء يؤمنون بما يقول لينين وماركس وبأن الله غير موجود. وفي هذا المجال لم يقصر الشيوعيون أنفسهم في تأكيد هذه الصورة. وإذا كانت سنوات الخمسين والستين والسبعين قد وصمت هؤلاء بالكفر إلا إنها لم تدعوا إلى قتلهم ولكن تم الإكتفاء بالإبتعاد عنهم.
صورة الكافر لم تغب إلى اليوم من الذاكرة الشعبية وبقيت راسخة حتى ظهور التيارات الدينية المتشددة التي صارت تجيز لنفسها حق الحساب والعقاب. أكثر من ذلك إن فشل التجربة الحزبية تلك ساهم في إرجاع عدد كبير من هؤلاء الحزبيين إلى خيام العشيرة ومضارب الطائفة موليا وجهه باتجاه الطريق الأقرب للسلطة وغنائمها.
فشل الأحزاب اليسارية صورة من الفشل العام في الدول العربية للخروج من النفق الذي دخلته والمتمثل بأخطر أعراضه الغياب التام لسلطة الرأي العام. ففي الوطن العربي لم يعد ثمة مظاهرات للتغيير وتحسين الأوضاع، فالنخب المثقفة ملك السلطان. في الوطن العربي لم يعد من مكان إلا للمظاهرات بفتوى شرعية. والفتوى مُلك السلطان.
فكيف بعد ذلك تستطيع الأحزاب اليسارية "الكافرة" أن تحقق نتائج إيجابية في إنتخابات البلدان العربية؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - سبب إضافي
علي ( 2010 / 3 / 25 - 22:27 )
أدى مع غيره لفشل القوة اليسارية وهو كثرت المتكلمين من أدعيائها دون أن يقولوا شيئا ، وبمعنى آخر الظاهرة الصوتية

اخر الافلام

.. ...شراكة أمنية بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطاني


.. -أبل ووتش سيريس 7-.. تعرف إلى مميزات وسعر ساعة أبل الجديدة


.. الحكومة الجديدة في لبنان.. نجاح أم فشل؟ | #حوار_بلس




.. ما هي خيارات النجاح والفشل للحكومة اللبنانية الجديدة؟ | #حوا


.. كتاب -الثائر- يحتفي بمشوار 50 عاماً للمخرج المصري الكبير علي