الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


غابرييل غارسيا ماركِز يتحدث عن خوليو كورتسار

خيري حمدان

2010 / 4 / 1
الادب والفن


نقلها للعربية بتصرف: خيري حمدان

-1-

الأرجنتيني الذي أحبه الجميع
المرة الأولى التي زرت خلالها براغ كانت قبل 15 عامًا، وكنت برفقة كارلوس فووينتوس وخوليو كورتسار. وبسبب خوفنا المشترك من الطائرات فضلنا السفر بالقطار من باريس حتى براغ. تجاذبنا أطراف الحديث وانقسم الليل ما بين الألمانيتين. عبرنا بحرًا من البنجر، وتركنا خلفنا مصانع لما هبّ ودبّ من المنتجات، وكانت هناك بقايا من حروب مروعة وقصص حب درامية. قبل أن نقرر النوم سأل فووينتوس كورتسار كيف دخلت آلة البيانو في أوركسترا الجاز؟ طرح السؤال بعفوية ولم يكن يحمل في طياته تأويلات أو معلومات أخرى. كان الهدف من السؤال معرفة سنة استخدام البيانو وصاحب المبادرة، لكن الإجابة تحولت إلى محاضرة لامعة استمرت حتى الصباح، رافقتها كؤوسٌ كبيرة من البيرة وشرائح البطاطا الباردة وقطع اللحم المجفف. كورتسار الذي كان يعرف جيدًا كيف يصب كلماته ويسوقها، وضع بين أيدينا شرحًا تاريخيًا وجماليًا مدعومًا بمعارف عميقة وتبسيط مذهل، بدءًا من فجر انطلاق الجاز حتى هوميروس جاز القرن العشرين تيلونيوس مونغ (عازف وملحن موسيقي أمريكي من أصل يوناني). كان كورتسار يتحدث بصوت فخم وكانت أصابعه تفرقع معبرة هي الأخرى عن معرفته الواسعة بعلوم الموسيقى. لن أنسى وكارلوس فووينتوس ما حيينا تلك الليلة التي قضيناها في القطار.

بعد انقضاء عشرون عامًا قابلت كورتسار وقد انحنى أمام حشد من الناس في ماناغوا، ولم يكن قد تسلح بشيء سوى بصوته الجميل، وكان يشرح إحدى قصصه الصعبة "ليلة مانتكيا نابوليس"، كانت هذه قصة دراماتيكية لملاكم، أدار له الزمان ظهر المجن. كان يرويها بطريقة لصوصية بدائية، حتى تتمكن الطبقات الدنيا وفقراء بيونس آيريس من فهمها. كانت هذه القصة التي اختارها كورتسار ليقصها على الحضور من فوق منصة، رُفِعَت في حديقة مضيئة واسعة، وكان قد تجمع حوله أناس من كافة الطبقات، عمال وشعراء ونجارون وثوار مع أتباعهم ومعارضيهم. كان المنظر مهيبًا وكان من الصعب متابعة ما يقصه كورتسار في تلك اللحظة. كان قد تمكن من التوصل إلى مرحلة من التوحد مع جمهوره إلى الحدّ الذي لم يعد يهمه إذا ما كانت الكلمات التي يتفوه بها مترابطة، وإذا ما كان يعني غير ما يقول! كان الحشد قد وصل إلى خدر مطلق وهو يستمع لصوته الساحر وكأنه قادم من العالم الآخر.

هاتان الحادثتان تركتا في نفسي أثرًا كبيرًا، ومن الممكن أن تحددا الأبعاد القصوى لشخصية كورتسار. عمليًا تمكن كورتسار من سحرنا بثقافته الواسعة وصوته العذب وذاكرته المذهلة، ومزاجه المرح ونكاته الخطرة، خلال رحلتنا من باريس إلى براغ، ما جعله أحد أكبر مثقفي العالم على الإطلاق. وكذلك الأمر حين التقى جمهوره في تلك الحديقة العامة، وبالرغم من حذره أن لا يتحول هو شخصيًا إلى عرض مسرحي، إلا أنه تمكن بحضوره الطبيعيّ الخارق، المصاحب في الوقت ذاته لرقّة ومهارة في الخروج عن المألوف أن يأسر قلوب جمهوره. وفي كلتا الحالتين، أثبت خوليو كورتسار بأنه الرجل الذي ترك أثرًا كبيرًا عليّ طوال الحياة.

أتذكر المرة الأولى التي قابلته خلال خريف حزين من العام 1956، كان هذا في مقهىً باريسي ذي اسم انجليزي، وكان كورتسار يجلس في ركن من المقهى يكتب ويبدع، تمامًا كما كان يفعل جان بول سارتر على بعد 300 متر منه في مقهىً آخر. كان كورتسار يستخدم دفترًا مدرسيًا وحبرًا سائلاً يصبغ أصابعه في نهاية المطاف. كنت قد قرأت (بيستياريو) الكتاب الأول الذي صدر لكوستار (ويتحدث عن مصارعي الحيوانات المفترسة خلال العصور الوسطى)، كنت قد قرأت كتابه في فندق رخيص يقطنه لاعبو كرة القدم المأجورين والمومسات العابثات، وبعد أن انتهيت من قراءة الصفحة الأولى أدركت بأنني أمام كاتب أتمنى فقط أن أجاريه في كتاباته عندما أكبر. أحدهم قال لي بأنه يفضل الكتابة في مقهى "Old Navy" الواقع على شارع "سين جيرمين"، وفي ذلك المقهى كنت في انتظاره لأسابيع طويلة متتالية، حتى تمكنت من رؤيته في إحدى المرات وهو يدخل المقهى وكأنه طيف أو رؤية، كان أطول رجل رأيته، وكان له وجه طفل عابث، وكان يرتدي رداء أسودًا طويلاً غير متناسق، وبدا في تلك اللحظة كأرمل عثّ، أما عيناه فكانتا متباعدتان بشكل ملفت للنظر وكأنهما عينا ثور، عينان شيطانيتان ومائلتان، كانتا من الممكن أن تكونا ملكًا للشيطان لولا أنهما كانتا خاضعتان لسلطة القلب.

قابلته بعد سنوات مجددا، بعد أن أصبحنا أصدقاء مقربين. وكأنه لم يتغير نهائيًا، وكأنه قد تقمص شخصية قصته "السماء الأخرى"، تقمص دور رجل من أمريكا اللاتينية بلا هوية أو اسم محدد، يقوده الفضول لحضور حفل فصل رأس بالمقصلة. كورتسار كان قد رسم شخصية هذا الرجل بدقة متناهية وكأنه هو بذاته واقفًا أمام المرآة. الغريب أنني لم أتجرأ من الاقتراب من كورتسار في المقهى بعد ظهر ذلك اليوم. كنت أراقبه وهو منهمك بالكتابة لمدة ساعة كاملة متواصلة، دون راحة أو تفكير، ولم يضع شيئًا في فمه سوى بعض المياه المعدنية. واستمر على هذا الحال حتى بدأ الظلام يخيّم على الشارع أمام المقهى، عندها توقف عن الكتابة ووضع قلم الحبر السائل في جيبه، ثم خرج متأبطًا الدفتر، كان يبدو كأكسل وأطول تلميذ موجود فوق الكرة الأرضية. الشيء الوحيد الذي تغير فيه هو لحيته التي باتت كثّة وخشنة. قبل أسبوعين كانت أسطورته تبدو حقيقية، فقد كان يعتقد الجميع بأنه مخلد ولا يتوقف عن النمو ويبدو دائمًا في مرحلة ثابتة من مراحل العمر. لم أتجرأ أن أسأله أبدًا إذا ما كانت هذه الأسطورة حقيقة، كما لم أسأله عن ذلك اليوم الخريفي خلال العام 1956، حين رأيته في المقهى ولم أجد لدي الجرأة لكي أتحدث معه أو انظر في عينيه. وأعلم بأنه وأينما تواجد فيما بعد، سيقول لي اذهب إلى الجحيم، وذلك بسبب خجلي الذي لم يجد له تبريرًا!

مُثلنا العليا تفرض علينا احترامها، ومحبتها، وتقدريها وبالطبع تفرض علينا قدرًا كبيرًا من الحسد. كورتسار كان قادرًا على استحثاث جميع هذه المشاعر، ولا يتسنى هذا حقيقة سوى لعدد قليل من الكتاب. ربما كان يمتلك كورتسار هذه الجاذبية فطريًا. إنه الأرجنتيني الذي جعل العالم كله يعشقه ويبادله الحب. ومع أنني أعتقد بأن المحكومين بالفناء قد ماتوا كما هو حال كورتسار، إلا أنه يتوجب عليه أن يموت مرة أخرى وذلك خجلاً من حالة الذهول التي بهرت العالم، الذهول الذي كان السبب الأساسي في موته. لا يوجد هناك من يخشى الموت بالقدر الذي كان يخشاه كورتسار، وذلك في حياته الخاصة وفي كتبه، ونقرأ هذا الهاجس في وصف حالات الموت ومراسم الدفن. بل أكثر من ذلك، كنت أعتقد أيضًا بأن حالة الموت غير لائقة بالنسبة لكورتسار. في مقطع من كتاب "السفر ليوم واحد في ثمانين عالَم" نقرأ بأن مجموعة من الأصدقاء وقعوا في فخ الحاجة الماسة للضحك لأن أحد رفاقهم تعرض على ما يبدو لوضعية غبية هي "الموت". لهذا ولأني عرفته وأحببته، لا أجد في ذاتي الرغبة في المشاركة في العويل والنحيب لموت خوليو كورتسار. أفَضّل أن أستمر بالتفكير به حسب ما رغب هو نفسه دون شك، بتعافٍ غير معهود، وواقع أنه قادر على البقاء بسعادة وحبور، وحقيقة أنه يمكنني التعرف عليه شاكرًا له لأنه ترك للعالم عملاً إبداعيًا قد يكون غير مكتمل بعد، لكنه عمل في منتهى الجمال وقادر على البقاء والخلود كما هي الذكرى التي تركها كورتسارخلفه.

الجزء الثاني: غابرييل غارسيا ماركِس يتحدث عن نفسه في لقاء صحفي مع فيكتور رودريغيس نونيوس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة -وقفة-.. زلة لسان جديدة لبايدن على المسرح


.. شارك فى فيلم عن الفروسية فى مصر حكايات الفارس أحمد السقا 1




.. ملتقى دولي في الجزاي?ر حول الموسيقى الكلاسيكية بعد تراجع مكا


.. فنانون مهاجرون يشيّدون جسورا للتواصل مع ثقافاتهم الا?صلية




.. ظافر العابدين يحتفل بعرض فيلمه ا?نف وثلاث عيون في مهرجان مال