الحوار المتمدن - موبايل


خمسٌ على هامش الوطن

شجاع الصفدي
(Shojaa Alsafadi)

2010 / 4 / 7
الادب والفن


لم يكن يملك ثمن علبة سجائر، لكنه من عائلة كانت ذات نفوذ وسطوة من خلال الافتراء على خلق الله الغلابة ، وفجأة تحوّل إلى مقاول كبير ، مسؤول يوقع فيمنح الأرض ، مسؤول آخر يغطي الإجراءات القانونية ويتولى صاحبنا مسألة البناء فيكون واجهةً تغطي الربح الطاغي الذي يعود على الثلاثي ، وبعد أن كان صاحبنا شحاذا أضحى مليونيرا ، يملك أبراجا ومؤسسات وتطور تدريجيا ليملك صرحا تعليميا ضخما !، وإذ به يحصل على الدكتوراه الفخرية ويتحكم بمصير آلاف الطلبة الجامعيين ويتملقه أساتذة الجامعة حملة الشهادات الضخمة وهو الذي لم ينهِ الابتدائية وبالكاد يفك الخط .
قيل ذات مرّة أن أحد الأساتذة أراد أن يحرج صاحبنا فقال له ما رأيك أن تصعد للمنصة فتلقي كلمة للحضور ، إذ يدرك الأستاذ أن صاحبنا لا يعرف الألف من عرنوس الذرة ، ولكن صاحبنا كان خبيثا وأتى رده ساخرا :
ما حاجتي للقول إن كنت أشتري مثلك بمئتي دولار فيقول ما أردت حيثما أردت .
وما زال صاحبنا يكبر ويكبر وأعماله تتسع والحياة في غزة تضيق وتضيق حتى تكاد أن تعصر كل من فيها إلا صاحبنا المبجل .

*****

قضى عمره مؤمنا بالقضية والوطن ، عاش الانتفاضة الأولى بكل ما فيها وكان يشبه الحجارة بالجواهر في يديه ، وبعد أوسلو تغير كل شيء وتغيرت ملامح الثورة فامتعض كثيرا وآثر أن يترك الجمل بما حمل ، غادر لسنوات ثم عاد ليجد الدنيا قد ساءت أحوالها ، والكلُّ ذئاب تنهش بعضها ، نكص على نفسه وابتعد إلى زاوية ضيقة قضى وقته فيها مختنقا ، وحين خرج من أجل لقمة العيش لم يستطع أن يتعايش مع المحيطين به ، وفجأة ساد الظلام ، أناس تقتل بعضها بعضا في شوارع المدينة ، هذا يذبح ذاك والآخر أحرص على قتل أخيه ، اختلطت الألوان وطغت عليها حُمرةٌ بائسة ، كاد أن يقضى عليه في غمرة الأحداث القاتلة ، ونجا بمعجزة ، عاد للنكوص ، فاتهموه بالهروب وقطعوا عنه كل وسائل الحياة عقابا على ما لم تقترف يداه .


*****

قبل أوسلو كان شيخنا الشاب الأغرّ يعطّر ذقنه ويشذبها وتكون لامعة مخضبة بالزيت تغطي ملامحه كلها ويسابق الريح إلى المسجد ، وحين عاد العائدون وتبوأ الكل مكانا لم يحلموا به ، فوجئ أبناء الحي ذات صباح بشيخنا وقد حلق لحيته ، وقص شعره قصة اشتهرت آنذاك ب" كابوريا " وعلق في رقبته سلسلة ذهبية لامعة وسميكة ، وارتدي الجينز الأمريكي وحذاء رياضي ذات ماركة شهيرة وقميصا مفتوح الصدر تبرز من خلاله عضلاته المفتولة ، ذهل كل من رآه ، ماذا دهاك يا شيخنا ؟
فأجاب : ضع رأسك عند مجرى تغيير الدول ، وأصبح شيخنا ضابطا في أجهزة الأمن! .
مرّت أعوام كثيرة في كنف أوسلو ، وابتعدنا نحن أشبال الحي وصرنا نعي ما يدور حولنا أكثر ، ورأيناه بعد فورة المعارك بين الأشقاء وقد لبس الزي العسكري الجديد وامتشق مسدسا وبندقية آلية حديثة جدا ، يترجل من سيارةٍ حديثة جدا مع مرافقيه ، وقد أصبح من ذوي النفوذ الكبير .
فتمنينا لو أننا بقينا صغارا لا ندرك شيئا مما يدور .


*****


كان صغيرا حتى تكاد لا تراه ، يتكلم بصوت أشبه بالهمس ليس أدبا بقدر ما هو ضعف ، قادته الصدفة ليعمل مراسلا في إحدى الوزارات ، تقرب من مسؤول كبير في الوزارة وأصبح خادمه الشخصي ، ينظف له البيت حين تسافر الخادمة لقضاء عطلتها الصيفية في بنغلادش ، ونظيرا لوفائه وخدماته رُقى ليصبح رئيس قسم ، فتجاوز عشرين عاما من الترقيات في عمره الوظيفي ، ومع الدرجة الجديدة كان عليه أن يثبت ولاءه أكثر ، فبدأ يطوّر خدماته وأصبح صوته الهامس أشبه بفحيح الأفعى التي تتأهب لنفث السم ، وأتقن صغير القدر رغبات ولى نعمته فأصبح يأتي له بالنساء ويقودهن بوسائل مختلفة لفراشه ،ويتعهد بالكتمان والوفاء كالكلب الوفي .
ومرة أخرى كافأه المسؤول بدرجة جديدة فأصبح مديرا لدائرة في العمل إضافة لعمله قوادا في البيت .
وبعد الأحداث الدامية اختبأ مرعوبا كالفأر المبلل خشية أن يدفع فاتورة خدماته لسيّده الذي فرّ هاربا للجانب الآخر من الوطن ، وبحث عن وسيلة لينقذ بها نفسه من التغيير القاتل الذي حلّ بالبلاد فما كان منه إلا أن بحث عن سيّدٍ جديد يعلن له الولاء لكنه ما زال يستكشف نوع الخدمات التي يمكن أن يحتاجها السيد الجديد .
*****


عادت من جبهة الخارج لا تملك شيئا سوى بعضا من علاقات كوّنتها خلال استضافتها للثوار في بيتها في إحدى الدول العربية ، عملت في إحدى الوزارات وكانت حينها تتمتع ببقايا من جمال قديم بدأ يتلاشى مع تقدمها في السن ، تقربت لأحد الكبار فنال ما نال منها واكتفى ، ومنحها مكافأة درجة وظيفية عالية في قفزة نوعية لا يمكن أن تحدث إلا في بلاد العجائب فكانت هي" أليس "في فلسطين العجائب .
انتقلت حينها من الوزارة حتى تتلافى الصراعات مع الحيتان ، وأصبحت مسؤولة في مؤسسة حكومية هامة للغاية ، وشيئا فشيئا استوطنت في هذه المؤسسة حتى أصبحت ملكا شخصيا لها ، وأصبحت الآمر والناهي ، تمنح الترقيات ، وتفعل ما تشاء .
وحين أدركت أن مرحلتها توشك أن تنتهي والقطار يقترب من محطته الأخيرة وقد أزف رحيلها ، وطدت علاقاتها بمؤسسات دولية وأسست مركزا ضخما بعد أن حصلت على خدمة أخيرة من أحد كبار المسؤولين بأن يمنحها قطعة أرض تبني عليها مؤسستها المنتظرة ، وكان لها ما أرادت ، وأصبحت مستضيفة الثوار ، تجيد مسك العصا من المنتصف فترضي الوسط وفق مصالحها ، وتتزلف لليمين لتحمي رأسها ، وتجامل اليسار بأنها ابنته ، وهكذا دواليك .


وما زال أصحاب القرار يتساءلون أين كان الخلل في منظومة التكوين، وما الذي أودى بالوطن إلى الهاوية ؟ !! ..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عزاء والدة الفنان أحمد خالد صالح بالشيخ زايد


.. حواديت المصري اليوم | فنان من طراز فريد.. نحات الموسيقى أحمد


.. أخطر أسرار الأسطورة الراحل عمر الشريف لأول مرة مع المخرج عمر




.. go live - مع الممثل ميلاد يوسف


.. رغم عشقه المسرح كان للتلفزيون نصيب من إبداعه.. رحيل الممثل ا