الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المثقف والحوار الكردي –العربي

جورج كتن

2004 / 7 / 27
اخر الاخبار, المقالات والبيانات


للمثقفين الكرد والعرب وخاصة منهم ذوي الاهتمامات السياسية دور كبير كنخب في تحليل الأوضاع المحلية والعالمية واستنتاج الأولويات التي يمكن أن تنهض بأوضاع شعوب المنطقة، وأظن أن الجهد الرئيسي، بعد تجربة مديدة طوال نصف القرن المنصرم، يجب أن ينصب على مسألة إشاعة الديمقراطية في كافة جوانب الحياة المجتمعية.
ففي مجال العلاقات العربية-العربية فإن الوحدة العربية لم تعد أكثر من شعار لا يمت بصلة للأوضاع القطرية العربية التي تزداد تباعداً وتمايزاً، مما أدى لنشوء أوضاع ومصالح خاصة لكل قطر عربي، ومما جعل إصرار بعض النخب على رفع الشعارات القومية العربية عبارة عن هروب للأمام وإهمال وتغاضي عن التعامل مع الأوضاع المتدهورة والمتخلفة في كل قطر على حدة، فالمدخل الوحيد لاتحادات مستقبلية لن تكون ممكنة إلا على قاعدة الوحدة الوطنية الحقيقية في كل قطر، المبنية على التعددية وحل الخلافات والتعارضات داخلها بالطرق الديمقراطية السلمية. كما أن من البديهي أن "الاشتراكية" أيضاً لم تعد مطروحة على جدول الأعمال لأسباب ربما باتت معروفة للكثيرين.
يبقى الانتقال للديمقراطية الطريق الأهم لإعادة كافة المواطنين للمشاركة في القرار والفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وبالتالي المشاركة في البناء والإعمار والتنمية، لجسر الهوة التي تزداد اتساعاً بيننا وبين العالم في شتى المجالات. حصول ذلك، يمكن من الانتقال إلى اتحادات أوسع، التي ليس من المهم أن تتم عندها على أساس الهوية القومية، بل يمكن أن تضم قوميات متعددة ومتجاورة، وتجربة الاتحاد الأوروبي أكبر دليل على أن الديمقراطية واقتصاد السوق المترافق مع تأمينات اجتماعية، هي الطريق نحو اتحادات تضم عدداً كبيراً من القوميات.
ربما ينطبق ذلك بشكل أو بآخر رغم الفوارق على العلاقات الكردية-الكردية، إذ نلاحظ أن الحركة الكردية في كل قطر تسعى للحصول على حقوق الكرد في إطار الدول التي تتواجد فيها –العراق، سوريا، تركيا، إيران-، مع تأجيل مسألة التوحيد القومي، التي هي من أصعب المسائل في الوقت الراهن، وتظل حلماً يراود كثيرون، ليكون التنسيق بين الأطراف الأربعة للحركة هو أقصى ما يمكن الطموح إليه، كما هو الحال أيضاً بين الدول والشعوب العربية. لكنه رغم أن الحركة السياسية الكردية لا تسعى للانفصال في دول تواجدها الأربعة، بل تسعى لحقوق قومية وديمقراطية ضمن الإطار الوطني،فإنها تتحمل بعض المسؤولية في عدم القدرة على رفع تهمة العمل للانفصال عنها وإقناع الأطراف الأخرى ببرنامجها، مما يتطلب المزيد من الجهد لتبديد المخاوف والهواجس والأوهام.
من هذا المنطلق أرى من الضروري قيام علاقة قوية تربط الكرد والعرب في كل قطر، خاصة العراق وسوريا، للعمل للحصول على الحقوق المشتركة، والحقوق القومية الخاصة بالكرد داخل كيان كل دولة، على أساس أولوية الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية. والمدخل لهذا التحالف، إن صح التعبير، الحوار بين النخب السياسية المثقفة، يقطع مع الأفكار والثوابت القديمة وتاريخ الصراعات والمآسي بين الشعبين، ويتوجه لمستقبل الشعبين في عالم متغير يسير نحو عولمة عابرة للقوميات والحدود والدول والجغرافيا وربما التاريخ، نحو كون أكثر ترابطاً وتقارباً، عالم تجاوز الثورة الصناعية والحداثة نحو عهد المعلوماتية والفضائيات والشركات متعددة الجنسيات والمواطن العالمي ومؤسسات المجتمع الدولي التي يزداد باطراد تدخلها في جميع شؤون العالم... بينما نحن العرب والكرد ما زال تفكيرنا وأهدافنا وثقافاتنا ووسائلنا وخياراتنا وأولوياتنا وصراعاتنا، لم تتجاوز إلا في القشور، مرحلة الانتقال من البداوة إلى المجتمع الزراعي.
هذه الهوة الشاسعة إذا لم نجتزها أو نضيقها على الأقل، نخاطر بمصير شعوبنا وبالمزيد من التهميش وتوسيع الهوة، والمآسي والكوارث والهزائم، وهدر الوقت والطاقات بلا طائل وراء أهداف تجاوزها الزمن، فالخطوة الأولى لوضع شعوبنا على طريق التنمية الحقيقية، إنهاء الاستبداد والانتقال للديمقراطية التي تضع جهود كافة المواطنين لمواجهة التخلف واللحاق بالعصر. الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل هذه تبدأ من نقد الأفكار القديمة والتراث القديم، وفتح الأعين جيداً لرؤية العالم الجديد المتكون أمامنا، والتخلي عن جمرات قديمة نقبض عليها، حرقت أيدينا دون أن تفيدنا في شيء، فيما عدا المزيد من التخلف والتهميش. مثل هذا الأمر لن يحصل دون حوار هادئ وعقلاني ومتسامح وصبور مع الرأي الآخر، لا ينتقل لمعاداته واتهامه لمجرد طرحه أفكاراً لا نوافق عليها، مهما كانت هذه الأفكار، طالما أنها لم تتحول إلى أعمال تسيء للآخرين.
هذا الحوار لم يعد من الممكن حصاره أو قمعه في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات، وستفرض نتائجه نفسها في النهاية حتى على الإعلام الرسمي الذي أصبح هو المحاصر والمهمش، والدليل على ذلك عشرات بل مئات آلاف متابعي وشاغلي المواقع الالكترونية السياسية والفكرية، وملايين متابعي الفضائيات المحلية والعالمية، بالمقارنة مع الأعداد الهزيلة لمتابعي وسائل الإعلام الرسمية، مما جعل الإعلام الحديث في متناول الجميع بشكل متزايد، بعد فشل كل محاولات حجبه. وأرى أن الإعلام الكردي غير غائب، على الأقل، عن الساحة الثقافية في المجال السياسي الذي يهمنا، وفي طرحه للقضية الكردية بالتحديد، ولو أنه استغرق في هذه الخصوصية أكثر من اللازم على حساب الاهتمام الموازي الضروري بالمسائل المشتركة المحلية الهامة، وقضايا العالم المتغير حيث تتقرر مصائرنا كشعوب متخلفة شئنا أم أبينا، إذا لم نسارع لتطوير أوضاعنا لنكون مشاركين ولو صغاراً في اللعبة الدولية.
أما أحداث القامشلي رغم بعض الأخطاء – مثل إعلانات محدودة عن كيان خاص كردي، وتخريب المؤسسات الذي يمكن فهمه كتنفيس عن احتقان طويل، لكنه درس للمستقبل في حصر الاحتجاج في إطار الأعمال السلمية-، فإنها أخرجت الحركة الكردية من إطار محاولات تهميشها، وأظهرتها كرقم صعب لا يمكن تجاهله بعد الآن، وشريكاً في الوطن له همومه الخاصة بالإضافة للهموم المشتركة للمواطنين جميعاً، فإذا كان هناك من استشعر خطراً من هذه الأحداث وربما خوفاً لدى البعض، أو استنفاراً لدى البعض الآخر ضد الحالة الكردية، فإن ذلك يجب ألا يقابل بالمثل في الجانب الكردي، بل بالسعي لإعادة الحوار بحكمة بعيداً عن الانفعالات وردود الفعل، إلى مستوى الجدل الموضوعي للوصول إلى القواسم المشتركة، وليس الجدل من أجل تحطيم الآخر أو تسفيه آراءه. ونظن أنه بمثل هذا الأسلوب وفي إطار العمل المشترك من أجل الديمقراطية والتنمية، فإن القضية الكردية ستنجز مهامها بشكل أفضل.
إن فتح صفحة جديدة في الحوار الكردي العربي يبدأ بتجاوز المآسي القديمة وعدم تحميلها لمجمل الشعب، بل لأصحابها الحقيقيين: أنظمة وأحزاب وديكتاتوريين.. يحاسبوا مع مرور الزمن على ما اقترفت أيديهم، وبالتعامل مع الرأي الآخر والطرف الآخر باحترام، ومقارعة الحجة بالحجة. بينما ما هو سائد للأسف أن أي كان يطرح وجهة نظر عربية من المسألة الكردية غير مقبولة، يسارع عدد من الكتاب لتحقيره وربطه بأطراف داخلية وخارجية، وهو موقف ينهي الحوار قبل أن يبدأ. وبالطبع في الجانب الآخر نفس الموقف من كتاب عرب، لا يقصرون في اتهاماتهم وعدائهم للرأي المخالف الكردي، ولا يختلف ذلك فيما بين المثقفين العرب أنفسهم أو فيما بين الكرد ربما.
أزمة المثقف السياسي الكردي والعربي هي في غالبيتها ذاتية، تتعلق بتخلف النخب عن مواكبة عصر العولمة وما يفرضه من مفاهيم ومواقف ومناهج وأساليب. والازدواج في الحالة العربية والكردية هو بين التشبث بالأفكار القديمة التي تعشعش في أذهان النخب لا تريد مغادرتها، وبين الوقائع العنيدة التي تفرض نفسها لتحول الكون مائة وثمانين درجة، غير عابئة بالنظريات والأيديولوجيات والمفاهيم التي تخلفت عن العصر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. طائرة إيرانية تفشل في الهبوط في مطار بيروت بعد مقتل نصر الله


.. كيف يتلقى أطفال غزة التعليم في مصر؟




.. مقتل زعيم حزب الله حسن نصر الله : بطولات و انتكاسات و مصير م


.. من هو حسن نصر الله ؟ • فرانس 24 / FRANCE 24




.. اغتيال نصر الله: نحو مشهد إقليمي جديد؟ • فرانس 24 / FRANCE 2