الحوار المتمدن - موبايل


هل الفلسطينيون متسسللون في أرضهم؟

سنية الحسيني

2010 / 4 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


لم تعَدْ السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو الأرضي الفلسطينية المحتلة بالجديدة أو بالغامضة بالنسبة للفلسطينيين، فلقد ألف الفلسطينيون طريقة الحكومة الإسرائيلية في تحقيق أهدفها بفرض سياسة الأمر الواقع. هذه السياسة التي زادت حدتها وتصاعدها بعد اتفاق السلام الفلسطيني الإسرائيلي عام 1993 والتي تحاول إسرائيل من خلالها فرض حقيقة السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 والقدس بشطريها الشرقي والغربي، وتحديد ملامح للدولة الفلسطينية المستقبلية التابعة والخاضعة والمحكومة بالشروط الإسرائيلية.

ولم تستطع السياسة الفلسطينية التي اعتمدتها السلطة الوطنية، والمتمثله برفع العرائض والشكاوي إلى المنظمات الدولية وحكومات الدول الغربية والتي نادراً ما تحركت فعلياً لانصاف الفلسطينيين، تاريخياً تعطيل مخططات السياسة الإسرائيل تجاه قضايا تخص الفلسطينيين أو الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأنها غالباً ما كانت تصطدم بالآلية التي اعتمدتها إسرائيل لاحتواء سياسة رد الفعل الفلسطينية والمعتمدة على التدرج والخطط المرحلية إلى أن يتحقق الانجاز.

وعادة ما تسعى إسرائيل لتحقيق سياسة مبرمجة تحمل أهدافاً واضحة تحقق مصالحها القومية دون الافصاح عن تلك المصلحة، وغالباً ما تحقق أهدافها بشكل تدريجي مرحلي وليس مرة واحدة. ويمكن للمتابع التحقق من تلك السياسة الإسرائيلية الممنهجة والمتدرجة في قضيتي الاستيطان والقدس. فإسرائيل التي بدأت العمل في مدينة القدس بوتيره بطيئة وحذره، تسير اليوم قدماً بخطا ثابته لتحقيق حلم إسرائيل بالقدس الكبرى كعاصمة موحدة "شرقية وغربية"، وتقتطع أكثر من 20% من مساحة الضفة الغربية، في ظل صمت أو استسلام أو لا مبالاة.

كما لم تخرج عمليات الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية عن تلك السياسة الإسرائيلية التدريجية المرحلية، فارتفع عدد المستوطنات في الضفة الغربية اليوم إلى 130 بالمئة منذ 1993، وزاد عدد المستوطنين من 110.000 مستوطن عام 1993 إلى ما يقارب 300.000 مستوطن في منطقة الضفة الغربية وحدها دون القدس، حيث يرتفع العدد عن نصف مليون مستوطن اليوم إذا وضعت القدس ضمن الحسابات، لأن عدد المستوطنيين المتواجدين حالياً ضمن حدود بلدية القدس قد تجاوز الـ 250.000 مستوطن، بعد أن كان لا يتعدى 150.000 مستوطن عام 1993. وكلها مناطق يفترض أن تنسحب منها إسرائيل حسب قرارات الشرعية الدولية.

ولم تخرج السياسة الإسرائيلية بضم عدد من المقدسات الإسلامية الواقعة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى قائمة التراث اليهودي، الا لفرض السيطرة والوجود داخل تلك المناطق الفلسطينية ذات الكثافة السكانية العالية وفرض الأمر الواقع بالتواجد والسيطرة الإسرائيلية، في ظل أي تسوية سياسية محتملة، نفس الهدف الذي تسعى إليه إسرائيل بزرع المستوطنات الإسرائيلية في قلب التجمعات الفلسطينية الموجودة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والوضع القائم في مدينة الخليل أكبر مثل على ذلك.

وقد لا يخرج القرار الإسرائيلي الأخير والذي يحمل الرقم (1650) والصادر بتاريخ 13/9/2009 والذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 13/4/2010 والقاضي بمنع المتسللين، عن تلك السياسة الإسرائيلية المبرجة والهادفة إلى مصادرة حق الفلسطينيين في أرضهم. إلا أن هذا القرار يعد تصعيداً جديداُ لأنه يحرج السلطة الفلسطينية، ويعرض شرعيتها للمساءلة؟
لقد جاء هذا القرار العسكري الإسرائيلي ليعطي الحق لإسرائيل بتنفيذه داخل الأراضي الفلسطينية وليس داخل القدس أو المناطق التي لا تخضع لادارة السلطة الفلسطينية، كما جاء هذا القرار ضد السكان المدنيين الفلسطينيين والذين لا يحملون صفة "المطلوبين"، تلك الصفة التي كانت تعطي الحق لإسرائيل لمطاردهم داخل حدود أرضي السلطة الفلسطينية، حسب الاتفاق الموقع بين الجانبين. وسع القرار العسكري الجديد من شريحة المطلوبين ضد إسرائيل ليصبح بموجبه شريحة كبيرة من الفلسطينيين المدنيين عرضة للاعتقال أو الابعاد. يشير هذا القرار صراحةً بأن إسرائيل صاحبه القرار السياسي والأمني الوحيد في أراضي السلطة الفلسطينية، لأن لها الحق بموجب هذا القرار بتحديد من يتواجد في تلك الأراضي، بل وطرد الفلسطينيين عن أرضهم بموجب أوامر عسكرية، ذلك الحق الذي يؤول فقط لصاحب السلطة الفعلي على الأرض، الأمر الذي يعني أنها تمارس سلطاتها كدولة محتلة بشكل صريح بعد صدور هذا القرار، وهو ما عبر عنه صراحةً رئيس الوزراء الفلسطيني (سلام فياض) حينما قال "أن هذا القرار تكريس وتعميق لسلطة الإحتلال".

وكان هذا القرار قد صدرعام 1969 تحت رقم (329) إلا أن جيش الإحتلال الإسرائيلي قام بإعادة تفعيله بإجراء تعديلات جديدة عليه بتاريخ 13/9/2009. وتم الكشف فعلياً عن القرار الجديد المعدل رقم (1650) قبل يومين فقط من نفاذه، رغم أنه انتظر ستة شهور كاملة قبل وصوله إلى مرحلة التنفيذ، كما جاء الكشف عنه بشكل غير رسمي أو اعلان واضح من قبل الحكومة الإسرائيلية، بل أنكرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أي وجود له عندما طلبت الأردن إيضاحات بشأنه، وذلك لكي تضمن الحكومة الإسرائيلية تمريره ثم تنفيذه دون اعتراضات أو ضجة كبيرة.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد طبق القرار الصادر عام 1969 معتبراً أن "المتسلل" هو كل من دخل المنطقة "المحتلة" بشكل غير قانوني وكان في دولة معادية مثل لبنان وسوريا والأردن ومصر، فجاء تعديل القرارعام 2009 وحدد أن المتسلل هو كل من لا يمتلك موافقة إسرائيلية بالإقامة في أراضي الضفة الغربية المحتلة، بعد أن أصبح من المستحيل اليوم الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل غير قانوني، أي دون إذن أو تصريح من إسرائيل. ومن المعروف أن أغلب الفلسطينيين الذين يدخلون إلى الضفة الغربية سواء من الأردن عبر جسر اللنبي أو من قطاع غزة عبر معبر إيرز يدخلون بتصاريح مرور فقط، تمكن هؤلاء الفلسطينيين من العبور عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 "إسرائيل"، ولم تطلب الحكومة الإسرائيلية قبل صدور هذا القرار حيازة أي نوع من تصاريح الإقامة.

وكان قد أكد (نفى أفيخاي أدرعي) المتحدث باسم جيش الإحتلال الإسرائيلي عن وجود اتفاق سابق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل يسمح ببقاء مَن تواجد في الضفة الغربية من أبناء قطاع غزة وغيرهم من غير سكان الضفة الغربية إلا أن ذلك الاتفاق انتهى عام 2000 على حد قوله، الأمر الذي يعني أن إسرائيل قد اتخذت قراراً عام 2009 بتحديد عدد الفلسطينيين المتواجدين بالضفة الغربية، وتقليص هذا العدد بالشكل الذي يتناسب مع مصالحها. وكانت قد اعترضت تسع منظمات حقوقية إسرائيلية على القرار العسكري الإسرائيلي الجديد في رسالة وجهتها إلى وزير الدفاع الإسرائيلي (أيهود باراك) على أساس أنه صيغ بطريقة عامة تسمح نظرياً للجيش الإسرائيلي بتفريغ الضفة الغربية من سكانها الفلسطينيين.

فإسرائيل التي تسعى ليل نهار لاستقدام المهاجرين إلى دولتها، وتحارب باستماته من أجل استمرار بناء المستوطنات وتوسيعها، داخل حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، دون أن تسمح لأي جهة مهما كانت بالتدخل في مخططاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة على اعتبار أنها الورقة التفاوضية القادمة حتى وإن كانت هذه الجهه هي الولايات المتحدة الأمريكية حليفتها الكبرى، تسعى اليوم من خلال هذا القرار القديم الجديد إلى إخراج أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من الضفة الغربية، والسيطرة على أعداد الفلسطينيين المتواجدين فيها، لتعطي المبرر بضرورة إبقاء مستوطناتها المنتشرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي يفترض أن تخليها إسرائيل في ظل أي إتفاق جديد، وذلك حسب قرارات الشرعية الدولية. كما تعمل إسرائيل اليوم بتسارع ملحوظ في القدس والضفة الغربية تحقيقاً لفرض الأمر الواقع وحقائق جديدة على الأرض يصعب تغيرها عملياً، واضعة الشروط الفعلية للتفاوض على الأرض، ومحددة ملامح ومقومات الدولة الفلسطينية القادمة. يأتي ذلك الاجراء التصعيدي الجديد في ظل محاولات الولايات المتحدة الأمريكية اعادة احياء العملية السلمية، والتصريحات الأوروبية بضرورة حل القضية الفلسطينية وإعلان الدولة الفلسطينية.

عمل التعديل الجديد للقرار على ادراج الأجانب الذين يدخلون إلى الضفة الغربية دون تصريح من إسرائيل كالأجانب الذين يدخلون للتضامن مع الفلسطينيين، والأجانب المتزوجين من فلسطينيين في الضفة الغربية ولم يحصلوا على هويات فلسطينية، ليجيز بذلك القرار الجديد امكانية تطبيقه على مواطني الدول التي تجمعها بإسرائيل علاقات دبلوماسية، وليس فقط على مواطني الدول المعادية كما كان يشير القرار الصادر عام 1969. فجاء هذا القرار الجديد وخلص إسرائيل من الإزعاج الذي يسببه لها ناشطي السلام الأجانب الذين يتضامنون مع الفلسطينيين بطردهم من المناطق الفلسطينية تحت حجج التصاريح والإقامات.

وسيتم تطبيق هذا القرار الإسرائيلي على فئات عديدة منها الفلسطينيين القادمين من قطاع غزة بتصاريح دخول، أو الفلسطينيين الذين فقدوا لأي سبب من الأسباب حق الإقامة في الضفة الغربية، ولا يستثني هذا القرار فلسطيني القدس الشرقية، في حين يستثنى منه حملة الجنسية الإسرائيلية. وبناءً على ذلك سيتحول عشرات الآلاف من الفلسطينيين ذو الأصول الغزية إلى مجموعة من المتسللين والتعامل معهم كسكان أجانب في وطنهم، بما يعرضهم للمحاكمة والسجن لمدة تتراوح بين 3 إلى 7 سنوات، ودفع غرامات مالية كبيرة أو ترحيلهم ونفيهم إلى قطاع غزة أو إلى خارج حدود وطنهم، بمن في ذلك الغزين الذين ولدوا في الضفة الغربية وأبنائهم حتى وإن كان أحد والديهم من أبناء الضفة الغربية. وما يزيد من تعقيد الأمور أن إسرائيل هي من يسيطر على الطرق التي تصل مدن وقرى الضفة الغربية، وتنتشر في العادة نقاط تفتيش وحواجز عسكرية إسرائيلية لفحص وثائق العابرين. كما أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يستطيع إغلاق وتمشيط ومداهمة المناطق الفلسطينية في أي وقت من الأوقات، مما يعرض جميع الفلسطينيين المقصودين بهذا القرار للإحتجاز حتى وإن ظلوا في أماكنهم ولم يتنقلوا عبر مدنهم وقراهم في الضفة الغربية.

إلا أن حكومة إسرائيل ستمهل الفلسطينيين المنوي طردههم وترحيلهم 72 ساعة، كما ستمنحهم حق الاعتراض خلال ثمانية أيام من صدور قرار الترحيل، أمام لجنة عسكرية تشكلت خصيصاً للنظر والتحقق من مدى وجود "أسباب إنسانية" تتيح لها منح الاذن للفلسطينيين بالبقاء في بلادهم. وكانت إسرائيل قد رحلت بالفعل في وقت سابق لهذا القرار عشرات الطلاب الفلسطينيين الغزيين الملتحقين بجامعات في الضفة الغربية إلى قطاع غزة ضاربة عرض الحائط مستقبلهم الدراسي، وعلى اعتبار أن مستقبلهم العلمي لا يندرج تحت "اعتبارات إنسانية" لدى إسرائيل. وعلى الرغم من أن إسرائيل كانت قد رحلت خمسة وثمانين فلسطينياً غزياً إلى قطاع غزة وخارج الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العامين السابقين وقبل صدور هذا القرار، إلا أن إعادة تعديل وتفعيل القرار يجعل جميع الفلسطينيين المشمولين بالقرار يعيشون حالة من القلق وعدم الإستقرار في بلادهم، مهددين بفقد وظائفهم أو دراستهم أو حتى عائلاتهم في أي لحظة من اللحظات، فهذا القرار يمنح إسرائيل الفرصة لإبعاد الكثير من الفلسطينيين عن بلادهم، كما يحرمهم من حقهم في اختيار مكان إقامتهم في بلادهم.

وعلى الرغم من تصريحات وزارة الخارجية الفرنسية بقلق بلادها من قرار إسرائيل، ودعوتها إلى احترام حرية الفلسطينيين في الإقامة أينما شاءوا، وعلى الرغم أيضاً من دعوة الجامعة العربية في بيانها الصادر عقب اجتماع على مستوى المندوبين الدائمين للدول العربية برفض هذا القرار وعدم التعامل معه أو الإنصياع له، وعلى الرغم كذلك من قرار مجلس الجامعة العربية تكليف المجموعة العربية باتخاذ الإجراءات اللازمة لعقد جلسة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث مخاطر هذا القرار واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقفه ولعرضه أمام المحاكم الدولية المختصة، إلا أنه يبقى السؤال الأهم من يستطيع حقاً أن يوقف هذا التصعيد الممنهج والمتنامي بتجبر من قبل إسرائيل؟

إن هذا السؤال يطرح نفسه في ظل التصعيد الإسرائيلي الخطير تجاه الأراضي الفلسطينية، وفي ظل تجاهل إسرائيل الصارخ للإرادة الدولية ولنداءات حليفة إسرائيل الكبرى الولايات المتحدة، وللعالم العربي بأكمله. إن إسرائيل التي لم تتوانى في ضم مقدسات إسلامية إلى قائمة التراث اليهودي ضاربة عرض الحائط بمشاعر جميع مسلمي الأرض، وتعلن أن القدس موحدة عاصمة لدولتها مستهترة بالإرادة الدولية وقرارات الشرعية، وتصر على المضي قدماً بسياسة الإستيطان وتصر على البناء في القدس الشرقية متحدية إرادة ورغبة حليفتها الإستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، تجعل الفلسطينيين الغزين المقيمين على أرضهم دون تصريح من قبل دولة الإحتلال ينتظرون بيأس ساعة إبعادهم أو طردهم دون أمل بمعجزة تغير واقع ضعفهم وعجزهم، وتجعل جميع الفلسطينيين يفقدون الأمل بالدولة المستقلة الحرة التي حلموا بها يوماً، فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. وقال الله تعالى: " لا يغير الله ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم". صدق الله العظيم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اتنقادات دولية لقرار طهران رفع نسبة تخصيب اليورانيوم


.. محاولات لوقف العنف الدامي في إقليم دارفور بالسودان


.. نشرة الصباح | التحالف يحبط محاولات حوثية لاستهداف المدنيين ف




.. شاهد: دعوى على نحّات في فرنسا لاستلهامه شخصية -تان تان- في ت


.. اليونان وليبيا.. استئناف محادثات ترسيم الحدود البحريّة | #غر