الحوار المتمدن - موبايل


الولايات المتحدة حقائق لا تحقق الأمنيات

سنية الحسيني

2010 / 6 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


على الرغم من اختلاف أولوية السلام على أجندة كل من الطرف الأمريكي والإسرائيلي، إلا أن العلاقات بين الحليفين تبقى إستراتيجية وأقوى من مجرد اختلاف أجندات، حيث يبقى التفاهم ولغة التحالف هي حاكمة لتلك العلاقة التاريخية الحميمة. وتظل إسرائيل أقرب الدول الحليفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط على الأقل. وقد لا يكفي أن تكون التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين بالنسبة للولايات المتحدة قضية أمن قومي أمريكي، لكي تنجح، لأن إنجاح أي تسوية سياسية يحتاج إلى رغبة وحاجة طرفيها، وليس بالضرورة لمصلحة الوسيط.

لعل اعتبار الرئيس أوباما حل قضية الشرق الأوسط بمثابة قضية أمن قومي، يقدم تفسيراً للتحرك السياسي الذي تقوده الإدارة الأمريكية اليوم باتجاه تلك المنطقة عموماً والعملية السلمية خصوصاً. فحرب الولايات المتحدة على "الإرهاب" غيرت الكثير من حيثيات اللعبة السياسية في المنطقة قد يكون أهمها ترابط قضايا دول المنطقة وتشابكها بشكل ملفت وخطير. فما يحدث في أفغانستان والعراق وإيران يؤثر بصورة أو بأخرى على الأوضاع في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن وباقي دول المنطقة، مما دفع القيادة العسكرية الأميركية إلى الربط بين ازدياد قتل الجنود الأميركيين في أفغانستان وباكستان والعراق وبين القضية الفلسطينية. وعلى الرغم من اعتبار الإدارة الأمريكية السابقة أن التسوية السياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين تخدم المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة، إلا أن أولويات سياستها الخارجية كانت غارقة في تفاصيل حروب الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق.

لقد أعطت إدارة الرئيس الأمريكي الحالي أولوية لتسوية سياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بما لا يقل عن الأولوية التي أعطتها لوقف انتشار الأسلحة النووية وإصلاح العلاقات الأميركية مع العالم الإسلامي، في محاولة لإعادة ترميم ما خلفته حروبها على الإرهاب. فبعد أن اعتبرت الولايات المتحدة كدولة احتلال تحارب قوى وحركات ودول إسلامية تراها الولايات المتحدة متمردة، أعلن الرئيس أوباما مؤخراً عن عقيدة أمنية جديدة تعتبر حروب بلاده على الإسلام والمسلمين لم تعد قائمة. وفي ظل تصاعد حدة العداء للولايات المتحدة بين شعوب دول المنطقة، أعطت إدارة الرئيس أوباما اهتماماً غير مسبوق بالتسوية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
تبنت الإدارات الأمريكية المتتالية مقاربة تقوم على إدارة الصراع العربي- الإسرائيلي بدلاً من حله، ويعود ذلك بالأساس إلى عدم قدرتها على توفير مقومات الحل. ولكن يبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستختلف وجهة إدارة الرئيس أوباما عن الإدارات السابقة في مقاربته لحل الصراع وتوفير مقومات هذا الحل، وهل ستنجح بالفعل في ذلك؟

تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل رغبة في تحقيق اختراق على أساس أنها الرقم الصعب في معادلة التسوية السياسية، ولأن مقومات حل الصراع تأتي عبر إسرائيل. وتزداد الأمور تعقيداً على الولايات المتحدة في ظل وجود رئيس وزراء إسرائيلي قوي يحظى تحالفه بأغلبية في الكنيست لم يحصده رئيس وزراء إسرائيلي منذ مدة طويلة، وتأييد شعبي كبير كما تشير استطلاعات الرأي العام الأخيرة في إسرائيل. ولا ترى إسرائيل مانعاً من خوض غمار المفاوضات طالما تجد فيها مخرجاً يمكن أن يخلصها من عزلتها السياسية ويعفيها من تحمل مسئولية تعثر المسيرة السلمية، وخاصة بعد أن واجهت إسرائيل انتقادات شديدة باتهام تقرير غولدستون لها بارتكاب جرائم حرب، وتورطها في قضية اغتيال محمود المبحوح وتداعياتها، وأزمة العلاقات الإسرائيلية- التركية الأخيرة.

وسعياً من الولايات المتحدة لإحداث اختراق في عملية السلام الفلسطينية_الإسرائيلية بلورت إستراتيجية تعتمد على التحرك خطوة تلو الأخرى، بمعنى عدم الانتقال إلى الخطوة التالية قبل انجاز طرفي التفاوض للخطوة التي تسبقها، والابتعاد عن سياسة الغموض البناء التي اُعتمدت طوال عهد المفاوضات سابقاً. وكانت أولى خطوات الإستراتيجية الجديدة إصرار الولايات المتحدة على ضرورة تجميد إسرائيل للاستيطان، لتمهيد الطريق للانتقال إلى خطوة المفاوضات غير المباشرة.

رفضت إسرائيل تقييد البناء في القدس الشرقية، موجهة صفعة للولايات المتحدة بإعلانها عن بناء 1600 وحدة استيطانية أثناء زيارة نائب الرئيس الأمريكي بايدن إلى إسرائيل. واعتبر محللون إصرار إسرائيل على موقفها من الاستيطان في القدس نية إسرائيلية واضحة للتخريب على استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين حول التسوية الدائمة، خصوصاً بعد تدفق تصريحات كبار المسئولين الإسرائيليين حول حق إسرائيل في البناء في القدس، وعدم وجود أية إمكانية لتقسيم المدينة. وعلى الرغم من ذلك بدأت المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأطلقت الولايات المتحدة صيغة غامضة للتحايل على عدم استجابة إسرائيل لوقف الاستيطان.

وعلى الرغم من فشل الولايات المتحدة في إقناع أو إجبار إسرائيل، واعتقاد البعض أن العلاقة بين الطرفين تمر بأزمة دبلوماسية، أكد الرئيس الأمريكي أن الصداقة بين واشنطن والقدس هي "أكثر من حلف استراتيجي". إن ذلك يعتبر اعترافاً صريحاً بعدم قدرة الولايات المتحدة على فرض حل على الإسرائيليين أو الوقوف أمام طموحاتهم وأهدافهم، حتى في ظل اختلاف رؤية الطرفين للحل. إن مقومات حل الصراع تمتلكها إسرائيل بالدرجة الأكبر، في ظل الوضع الدولي والإقليمي والفلسطيني القائم، وتعد قدرة الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل خارج حدود رغبتها أمر مشكوك فيه، فدعم ومساندة الولايات المتحدة لإسرائيل يبقى ثابتاً تأكده الشواهد والدلائل لا مجرد تصريحات.

وكانت إسرائيل قد تلقت قبل عدة أسابيع هدية أمريكية سعت للحصول عليها منذ أكثر من عقد ونصف، عندما ساعدتها الإدارة على الانتقال من قائمة الدول النامية إلى قائمة الدول المتطورة، من خلال انضمامها إلى منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي الـ OECD. وكانت الإدارة قد تفانت في إقناع الدول التي عارضت قبول إسرائيل في تلك المنظمة، وضغطت بقوة من وراء الكواليس مستفيدة من الإعلان عن "محادثات التقارب" بين إسرائيل والفلسطينيين، لاستدراج الموافقة التركية وإقناع المترددين حيث كان يكفي معارضة دولة واحدة لإبطال قبول إسرائيل حسب النظام. كما كان موقف الرئيس أوباما محرجاً ويعيد للذاكرة مصطلح "سياسة الكيل بمكيالين" عندما لم يجد إجابة عن سؤال لأحد الصحفيين في ختام مؤتمر الأمن النووي الذي عقد قبل عدة أسابيع في واشنطن عن موقفه من القوة النووية الإسرائيلية، حيث اكتفى بالإجابة بجمل عمومية عن المنطقة وأسلحتها النووية. يأتي ذلك الموقف الأمريكي من القوة النووية العسكرية الإسرائيلية في خضم معركة تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها وعلى رأسهم إسرائيل ضد إيران للحيلولة دون امتلاكها لقوة نووية تصر إيران على أنها سلمية. كما لم تستطع الولايات المتحدة أن تخف دعمها وتعاطفها مع إسرائيل بعد هجوم إسرائيل المشين على أسطول الحرية التركي، بل وحشد التصويت لصالحها في مجلس الأمن.

قد يكون أوباما مخلصاً فيما يرمي أو يسعى إليه لحل الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي، وقد يكون مختلفاً عن غيره من الرؤساء الأمريكيين من حيث خلفيته الفكرية وقناعاته وتوجهاته تجاه شعوب وثقافات العالم الأخرى، لكن ذلك كله لا يكفي لإحداث تحول جوهري في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل تحديداً، لأن هذه السياسة ليست من صناعه الرئيس الأمريكي وحده، بل هي محصلة مراكز عدة للتأثير وصنع القرار. إن وجود رئيس أمريكي مختلف على رأس الإدارة الأمريكية لا يعني بالضرورة تغير جوهري في توجه الكونجرس أو جماعات المصالح والضغط أو وسائل الإعلام الأمريكية، التي التزمت بضمان انحياز أمريكي دائم لإسرائيل. في ظل هذا الواقع الصعب الذي تتحكم فيه موازين قوة لا ترحم، يجب آلا يكون الفلسطينيون هم من يدفع ثمن تلك المعادلة.

ليس أمام الفلسطينيين إلا الثبات والمثابرة والعمل على ابتكار مصادر قوة جديدة ومختلفة لتعزيز مواقفهم، خصوصاً وأن هناك إقراراً دولياً بالحقوق الفلسطينية المشروعة وتعاطفاً معها، ذلك الإقرار والتعاطف الذي كان ثمرةً لسياسة فلسطينية اختارت السلام وحيدت استخدام القوة في سبيل تحصيل الحقوق الوطنية الفلسطينية. إلا أن ذلك ليس بالضرورة الطريق الوحيد، فمجال التحرك الدبلوماسي النشط والمقاومة الشعبية ضد ممارسات إسرائيل كدولة احتلال أثبت نجاحه في إحراج إسرائيل، فالطريق لا يزال طويلاً أمام الفلسطينيين في ظل مواجهة مفتوحة مع الإسرائيليين عبر المفاوضات أو عبر أي طريق آخر، ما داموا متشبثين بحقوقهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليبيا.. خلاف حول القاعدة الدستورية لانتخاب الرئيس


.. قرار لبناني بتوسيع المنطقة البحرية المتنازع عليها مع إسرائيل


.. إيران تتهم إسرائيل بالوقوف وراء هجوم منشأة نطنز النووية




.. القارة الإفريقية.. أزمات عدّة وقدرات محدودة على إيجاد الحلول


.. الاحتجاجات تعود إلى مينيابوليس.. والسبب مقتل شاب من أصول إفر