الحوار المتمدن - موبايل


رشدي العامل(1934-1990) ودربه الحجري

سعيد عدنان

2010 / 7 / 14
الادب والفن



ولد في سنة 1934م في طرف العراق الغربي وسعى إلى بغداد ينطوي على أمل وطماح يتوهج، كان الجذر قد تغلغل في الأرض، وسُقي الماء، وشرع يتطلّع نحو الشمس، إذ بدت الشمس دانيةً، تُدنيها ثقة وتوهج، وإذ بدا الأفق رحيباً متسعاً بالضياء.
كان الشعر في تلك السنوات من الأربعينيات والخمسينيات قد طفق يرتاد آفاقاً جديدة منسجماً مع حركة المجتمع العراقي في مغادرته إساره القديم إلى ما كان يترسّمه في غده الآتي. وكان الشعر يرمي إلى أن يكون في الطليعة، شكلاً ومحتوى، وكان من شرطه في ذلك- أو مما أريد له أن يكون- أن ينضوي الشاعر تحت ((لواء)) وأن يسير خلفه، فإذا سار وحده لقي من الإهمال والازدراء شيئاً كثيراً، وربما انضوى صادقاً، أو ابتغاء منفعةٍ ما، وربما وهت الفواصل ما بين هذا وذاك، وتقاربت الغايتان!!
غير أن رشدي في ما اتخذ من ((لواء)) كان يتوخى به ((غداً)) بدا له موطن أمل، ومرتجى أفئدة فأخلص نفسه له، وسلك دربه، وكان شعره صدى ذلك المسلك على ما يوحي به بعيداً عن تسمية الأشياء بأسمائها. ويلتقي على دربه شأناه: العام، والخاص، ويمتزجان حتى لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وهما لديه يصدران عن نبع بعينه ليصبا في مصب بعينه، ولا يُغني أحدهما عن الآخر.
وإذا ادّعى مدّع أن الشأن العام هو ما ينبغي أن ينصرف إليه الشاعر، وأن يقصر عليه شعره أعرض رشدي عنه وصدّ عن دعواه ومضى لطيّته يمزج هذا بذاك، وكأنهما أمر واحد، وهما كذلك، لديه، في صدق مأخذهما، وإخلاصه فيهما.
أصدر ((همسات عشتروت)) في سنة 1951م، وهو دون العشرين، وللعنوان دلالة على نوازع فتى في اختلاجات مشاعره، وتضرم عواطفه، ولكن دربه متجه إلى ((أغان بلا دموع)) الذي أصدره في سنة 1958م، ونفي الدموع في العنوان هو بقدر إثباتها، ولولا نفاذها إلى أغانيه لما سارع إلى نفيها!! وهو يتطلع إلى ((عيون بغداد والمطر)) الذي أصدره في سنة 1962م، إذ تتسع دلالة ((المطر)) وهي واسعة منذ اتخذ ((المطر)) سبيله إلى قصيدة الشاعر العربي القديم فدلّ على الخير، ونقيضه، وقد التقيا في معترك الحياة. ويؤوده ما آد آخرين، ويهيض منه جناحاً، ويضيق عليه ما هو فيه فيجد ((للكلمات أبواب وأشرعة)) طريقه ممهّدةً، ويصدر في سنة 1971م، حتى إذا خشي أن يطغى ما هو ذاتي، وأن يستبد به كان ((أنتم أولاً)) وقد صدر في سنة 1975م، وكان مناداة للذين يوشكون أن يترحلوا، وتستحوذ عليهم بلدان الآخرين، ومرثاة لهم، ثم تأتي ((هجرة الألوان))، وغيابها الذي يصدر في سنة 1983م مستوعباً أطراف تجربة مُرّة لم تُبق له إلاّ ((حديقة علي)) الذي صدر في سنة 1986م، ويتلفّت وهو في أخريات العمر فإذا به على ((الطريق الحجري)) كما ابتدأ الرحلة أول مرة وقد صدر في سنة 1991م بعد وفاته.
تحكي عنوانات دواوينه ما لابس حياته، واكتنف تجربته، وكأنّ العنوانات صوى على طريقه، يفضي بعضها إلى بعض، ويُلقي عليه من الإضاءة ما يزيده بياناً حتى تكتمل الصورة بملامحها كلّها. ومن نهجه في معالجة التجربة: أن يتلقّاها. ويتيح لها أن تأخذ كل ما لها من مدى، ويمتزج بها، فإذا جاء أوان الشعر استصفاها، فأخفى هيكلها وأبقى روحها متمثلةً في رموز، وكنايات مبتعداً عن التصريح، متمسكاً بالإيحاء الذي يُشيع في القصيدة أجواء التجربة، وما تبقى منها مما يصلح أن يكون شعراً.
وتجربته واحدة، بوجهيها، في ما نشأت عنه، وفي ما آلتْ إليه، وطرائقه في أدائها متماثلة، يُلقي بعضها ضياءه على الآخر، وربّما لمس قارئ فيها تكراراً، وإعادةً، لكنّها تجربته لا يملك غيرها، ولا يريد أن يدّعي ما سواها، ولا يسرّه أن يفارق ظلالها، وربما ازدهى أن يلتقي طرفا التجربة، في المبتدأ والمنتهى، وعدّ ذلك عنوان أصالة وصدق.
يقول في سنة 1966م:
وجوهنا مرت عليها سنينْ
ما عرفت بعضها
عيوننا، ما تركت ومضها
في غاية الزنبق والياسمين
لم تترك الأذرع في الأذرع شيئاً، عندما تذكرين.
((للكلمات أبواب وأشرعة: 7))

وتستطيع أن تتقدم بالأبيات عشرين سنة، وأن تقرأها في سياق ما ابتعث ((هجرة الألوان)) فلا تنكر من ائتلافها شيئاً!
وليس بعيداً عنه أن يصطفي طريقاً ضيقاً صعباً وأن يرصد نفسه له وأن ينأى عما سواه من طرق سلكها آخرون من صحبه.
كانت أخريات السبعينيات قد اشترعت دروباً، وجعلت الشعراء بازائها، وعليهم أن يسلكوا أحدها فإما الممالأة، أو المغادرة، أو الصمت، وقد مالأ كثيرون محتقبين الأوزار، وغادر آخرون ناجين بأنفسهم، ولاذت فئة بالصمت، وانقطعت عن الشعر، أمّا رشدي فقد آثر درباً آخر حرجاً، أن يبقى، ولا يغادر، وأن يقول، ولا يصمت، وأن ينأى بنفسه وشعره عن الممالأة، وأن يخلص لتجربته وهو يراها تجنح نحو الغروب.
ولا بأس أن يقول في سنة 1985م:
مودّعاً نهاره
يوارب الشباك
يرخي فوقه الستاره
يسمع همس المطر الناعم للأشجارْ
يخفي عن الأنظار
جبينه، همومه، عالمه المنهارْ
ويبدأ الحوار
يعبّ من قارورة الأسرارْ
يداعب النسيان في الأقداح
والصحو في الأشعارْ
وبعد نصف الليل
بين غيمة الدخان والسجاره
يفضح في أوراقه أسراره

اختار أن يبقى ((فمن للبستان إذا غادره أهله))!
وأن يكتب الشعر، وأن ينشره، وأن يكون شاهد صدق على ما رأى، وإنما الشعر شهادة!!
واعجب لشاعر ظل يكتب الشعر وينشره حتى وفاته، ولم يمالئ في حرف منه على كثرة دواعي الممالأة من رغب، ورهب.
ومن صدق تجربته، وإخلاصه لها أنه لم ينزلق نحو الإغراب في اللغة، ولم يقع في الافتعال، ولم يؤخذ بـ((حداثة)) طارئة لا منبع لها في أعماقه، وهو يدري أن ((الإغراب))، و((الافتعال)) مما يذهب بعناصر تجربته، ويحجزها عن الآخرين.
ومن أداته في لمّ أطراف التجربة واستبار عمقها اتخاذ الرمز الشفيف ذي المغزى المتسع. يقول في قصيدة ((اللوحة الأخيرة)) المهداة إلى الفنان خالد الجادر غداة رحيله، وقد رأى فيه نفسه:
يا شجر النخل،
حزين أنت،
وما تصنع أحزان الأرض،
إذا لمتها لحظةُ عشق،
ينسى فيها العاشق عمراً أثقله الهجران،
ووحيدٌ يا شجر النخل،
تناوحك الريحُ،
ولكن جذورك تمتد عميقاً في الأرض،
وتمتح ماء النسغ الطالع للأغصان
يا شجر النخل، مليء قلبك بالأسرار
كيف تخبئُ بين الكرب الأسمر والسعف الجمّارْ.
وتلمّ له الدفء
وتوقد تحت عروق الثلج النار
يا سيد كلّ الأشجارْ
((الطريق الحجري: 244))

أقول رأى نفسه في خالد الجادر، وهو يفارق مخترماً دون ما سعى لأجله، ورأى خالد الجادر في شجر النخل، وكلاهما ((تناوحه الريح، ويخبئ بين الكرب الأسمر والسعف الجمار))، وكلاهما ((يوقد تحت عروق الثلج النار.)).
إن ثقة رشدي بما سيجيء لا تزعزعها ريَب!
يقول:
لا تركع يا ولدي
حتى للموت،
يقولون بأن العالم يحكمه اثنان
الذهب الأصفر،
والسوط الأسود،
في قبضة سجّان
كذب يا ولدي
فالعالم ليس السجنَ
وأهدابُ الدنيا بستان
وزهور الدنيا،
قمح العالم،
حلمُ الشاعر،
كركرة الطفل يغني
صدر الأم يناغي شفتيه،
هي البستان
العالم يا ولدي:
الإنسان
((حديقة علي: 30، 31))

واعجب له لقي ما لقي من خذلان، وناله ما ناله من أذى، وبقي وثيق النفس متضح الرؤية: أن الخير أصيل في الإنسان، فإذا انحرف عنه وتردّى في مهاوي الشر فلأمر طارئ، وأنه سيرجع إليه!!
اعجب، ولا تعجب فإن لثقته هذه أصولاً مشتبكةً في نسيج فكره الذي يصدر عنه في ما يقول، وما يفعل!.
وهي ثقة ، على رسوخها، ليس من شأنها أن تُخفي عوامل الإحباط، أو تُسمّي الخيبة بغير اسمها، بل إنه لينظر في ما اكتنفه من خير، وشر، وينظر في نفسه، ويرنو إلى أفق لا يريد أن يغادر التعلق به. يقول في قصيدة ((قلبي على شفتي))، وقد أهداها إلى ولده محمد:
تجفو مغاضبــة وأهفـو وتلجُ في عنــتٍ فـأعفو
أقتات صبري طعمـه مرٌّ وظلـمتـه تحـــــفُّ
وأشــدّ جرحي للجـراح فـلا ينم ولا يشــــفُ
عجبـاً يرود البحر طرف ويعود للصحـراء طـرفُ
تتنـاهب الأنواء أشرعتي ممــــزقةً وأرفـــو
هذا أنــا، آنــاً تكدّرني الحيــاة، وآن تصفــو
قلبــي علـى شفتي نقي البوح طفــل يستشــف
لا تظلمينــي، في إِهابي يلتقــي خزف وسيــفُ
أنا هكذا أمضــي ومـلء جوانحـــي أمن وخوف
إن سدّت العثــرات دربي لا أميـــل ولا أســفُ
ما شئت بـي، نسـر علا أو جنح عصفور يــرفُ
في كـأس عنــقود أغيب وفوق مــوج البحر أطفو
وأذر ملحاً في جـــراحي إن دنـــا خطب مسفُ
أنا أكره النبع الشهــــي إذا تمــــرغ فيه قحفُ
وأبارك الدم في العــروق إذا تمرد فيــــه ضعفُ
((الطريق الحجري: 33)).

قال صاحبي، وهو يحدّث عن رشدي وشعره: كان من حسن التوفيق أن درّسنا علي جواد الطاهر النقد الأدبي، وكان من نهجه في درسه أن يكلّف الطلبة أن يختاروا ما يستجيدون من الشعر، وكان لكل طالب دفتر مختارات، يقول صاحبي، وكان لي دفتر فيه ما استجدت من قديم الشعر وحديثه، ورأيته اكتمل، ثم قرأت في جريدة كانت تصدر: ((قلبي على شفتي)) فقلت هذا عنوان ينبئ عن قصيدة جديرة أن تزاد في المختارات، فختمتُ بجملة من أبياتها الدفتر، فلما اطلع عليه أستاذنا الطاهر اهتز إعجابا بالقصيدة، وطلب قراءتها، وهو يقول هذا هو الشعر! هذا هو الشعر!
ولعل مما ارتقى بـ((قلبي على شفتي)) أنها ملتقى التجربتين وقد ذابتا في نسيج واحد حتى أخذت كلُّ واحدةٍ لونَ الأخرى، وهو إزاءهما على ما عهد نفسه يصطلي حرّهما، ولكن لا يميل ولا يسفّ!
ومما ارتقى بها أيضاً أنها ملتقى زمنين: زمن ماضٍ لا يفتأ يبعث أطيافه، وزمن حاضر شحيح متخفٍ وراء الكلمات لا يريد أن يُتّم الصراحة به.
وهو في اصطراع ذلك كلّه تكفيه الأمثولات في ساحة الإبانة! وله أن يستبقي من التجربتين رجعهما!!
بل إن شعره في سنواته الأخيرة إنما هو أصداء ما كان، تأتيه متتابعة يشبه بعضها بعضاً، فلا يملك إلاّ أن يدونها.
- كأنك أُنسيت أنه كاتب يزاول النثر!
- لا، ونثره يلتقي مع شعره في المنبع وفي الجو المهيمن، فقد كتب عن بعض أصدقائه الراحلين، كتب عن حسين مردان، وكتب عن يحيى جواد وغيرهما، وهو يستذكرهم، ويُعيد ملامح من حياتهم، وحريّ أن يُجمع نثره في كتاب، فإنّه صفحة مشرقة في البيان العراقي الحديث!!
أدركه الرحيل قبل الأوان فمضى، وهو يرى الإخفاق قد استحوذ على المسعى كلّه، والظلام قد ضرب بأطنابه!
أقول لعل قراءة جديدة تتناول شعره فتجهر بما أخفى، وبما كان عروق ((التجربة))!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما