الحوار المتمدن - موبايل


عناد غزوان في موقف له

سعيد عدنان

2010 / 7 / 18
الادب والفن



كانت الشمس تجنح نحو المغيب، وتلقي بأشعتها الصفراء على الرملة المنبسطة فتزيدها كآبةً ووحشةً، وكنّا خلف نعشه نعثر بالذكريات ونبتدر مغرب الشمس، ويمضّنا أنّه الوداع الأخير، وما كنّا نحسب أن نُعجل فيه، وأن تُطوى صفحة كريمة من صحائف الفضل، ما أقربَ المنتهى من المبتدأ!! وما أسرعَ مرَّ السنين!! وما أقوى كرَّ الأيّام على طيّ حياة كانت واسعة المدى، قوية الأثر في الثقافة، والمجتمع، والجامعة.
وطفِقتْ صور شتى تلتئم، وتفترق على أنحاء مختلفة، ولكنّها يشدّها ناظم خفيّ، ويضعها في نسق واحد، ويشهد على ائتلافها أنها تنبثق من معنى ((الأستاذ))! وإنه لمعنى رحيب الجنبات، متسع النواحي.
إنّه ((أستاذ)) في قاعة الدرس، وإنه ((أُستاذ)) خارجها، وإنه ((أُستاذ)) في كلِّ ما يزاول من شأن؛ خرج بمعنى ((الأستاذية)) إلى الصحافة إذ كتب فيها وخرج به إلى المحافل إذ شهدتْه خطيباً جهير الصوت، غزير المعنى. و((الأستاذية)) معنى سامٍ من معاني الحضارة، يبدأ بالصدق، والإخلاص، والسعي نحو الحقيقة، والجهر بها، وأن يستقيم الظاهر على الباطن فلا نفرةَ بينهما، ومن حقّها ألاّ تُتخذ سُلّماً إلى ما سواها، والمعنى برسومه هذه قديم عرفتْ الحضارة العربية الإسلامية مصاديق له رفيعةً، ثم وجد في هذا العصر موئلاً له في ((الجامعة))، أو هذا ما ينبغي أن يكون.
وقد شهدتْ ((الجامعة)) في العراق منذ نشأتها من تمثّل فيه هذا المعنى على خير ما يكون التمثُّل، فلم ينحرف بهم عنه مغنم، أو مغرم فصانهم، وأحاط كيانهم كما صانوه، وأحاطوه؛ وصفحتهم مضيئة مشرقة، وسجلهم حافل، والحديث عنهم حلو عذب مستفيض.
ومضتْ الفكَرُ يدعو بعضها بعضاً متلاحقةً، سريعةً، لا تُريَد أن تتلبّث، وكلُّ منها يرى أنه الأَولى في التقدُمة، وكلُّها محتشد في وداع الفقيد العزيز، فلقد أذهلها أنها أُعجلتْ به، وما بلغ من العمر حدّه الأقصى، غير أن منها ما أخذ الصدارة، وطفِق يتراءى، ولا يُريد أن ينأى: كان البلد في محنةٍ من محنه الكثيرة، وكان أصحاب القلم والفكر على مركب زلِق، فلقد قامت الحرب في سنة 1980م، وأخذتْ السلطة تحشد لها الجيش، وما يتصل به على حدِّ البلد الشرقي، وتحشد الأقلام، والأصوات في الداخل، وكان حشداً مُفزعاً في جَلَبة الأصوات ونعيقها، وقلَّ من لاذ بالصمت، واعتصم به، وكانت السلطة تبتكر احتفالاتها، وتزيد منها، وتدعو إليها أصنافاً شتى من الناس من أجل أن يُمجّدوا، وأن يُبهرجوا، وأن يُزيّنوا الباطل، وقد وقع كثيرون في أحبولتها هذه من العراقيين، ومن سواهم، من عرب، ومسلمين طمعا،ً ورغبةً في دنيا. وزادت السلطة من ابتكار الاحتفالات، فاتخذت مما يتصل بالدين ميداناً لها، فألقى إليها ملقٍ: أن ميلاد الإمام الحسين قد أطلّ، وأنها فرصة سانحة أن يقام حشد كبير، وأن يُدعى له ناس كُثر من العراق، ومن غيره من العرب، ومن سواهم، وأن يُتخذ من جلال الميلاد، ومكانة الإمام ما يرغّب المدعوين بالحضور، وكان أن أُقيم الحفل الكبير في سنةٍ لعلها أواخر 1983م، أو أوائل 1984م في مدينة كربلاء، ونقله التلفزيون نقلاً مباشراً.
كان الحفل مهيباً، كثيرَ الحاضرين، محفوفاً بالسلطة وأعوانها، فما بدأ حتى اختلف الخطباء والشعراء على المنبر، وكلُّهم يمجّد صاحب السلطان، ويُضفي عليه ما ليس له ويصل كذباً بينه وبين الإمام الحسين بكلام يقطر النفاق من أطرافه، ثم دعا الداعي الأُستاذ الدكتور عناد غزوان لإلقاء كلمته فوجف قلب صاحبي- وكان يرقب الحفل على التلفزيون- وداهمته خشية لا يعرف مأتاها، وأشفق أن يُفجع، فماذا يقول مدعوٌّ إلى حفل في ميلاد الحسين تقيمه السلطة!
مضى إلى المنبر واثق الخطو كالمعهود فيه، وبسط أمامه أوراقه، وشرع يقرأ، وما رأيته قبل اليوم يخطب قارئاً في ورقه، فلقد كان لا يستعصي عليه كلام متى أراده، وكانت الفصحى تطيعه إذا دعاها، لكنّه اليوم يقرأ في ورقة!! أيريد أن يضبط ما يقول، فلا يأتي على لسانه حرف لا يريده!!
بدأ كلمته، ومضى فيها- وصاحبي واجف القلب، قلق النفس- متنقلاً من موردٍ إلى آخر، وكلُّ مورد لا يُبين إلاّ عن فضيلة من فضائل السبط الشهيد، أو يعرب عن سجية من كريم سجاياه ولا يجتاز ذلك إلى شيء آخر مما كان من غاية مقيم الاحتفال حتى بلغ نهايتها بلغة صافية رائقة عذبة الإيقاع قريبة من الشعر، كلُّ ذلك ولم يزد حرفاً على ما ينبغي أن يقال في ميلاد الحسين، وهدأت نفس صاحبي، ونديتْ عيناه، فلقد بقي أستاذه في أُفقه السامي لم يُغره بالنزول عنه مغنم، أو مغرم.
ولم يَسلمْ من مزلقة الكلام أحدٌ غيره في ذلك اليوم!!
- ومن تكلّم في الحفل من العراقيين أيضاً؟
- لسنا من ذلك الآن، وإنما نريد استذكار موقف نخشى عليه النسيان، ولا نريد أن نتذكر ما يُراد له أن يُنسى!!
ولا تقر الذِكَرُ، والصور على حال، فلقد تضاءل قرص الشمس، وانسحبت أشعتها قليلاً قليلاً من الرملة الممتدة، وشرعت تنتشر عليها ظلال من العَتَمة، وكان طريق الرجوع أشدّ كآبة، ووحشةً ولم يخلُ- على ذلك- من صور أخرى حيّةٍ نابضةٍ تستعيدها الذاكرة لهذا الذي أُسكنَ جدثاً نائياً في هذه الرملة الصفراء، وكلّها مشرق مضيء بمعاني الحق، والخير، والجمال.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما