الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الغروب

أحمد الجنديل

2010 / 7 / 24
الادب والفن


الغروب

تموت القوافي على سواحل قلمي عندما يواجهني صهيل الشمس منذرا بالغروب ، نوافذي السرية تستجيب لهذا الصهيل فتغفو بفعل حلم يسحبها إلى عالم التأمل والاسترخاء .
عند الغروب يخفت العواء المر وسط اصطكاك الأفكار المزدحمة بين أروقة روحي التائهة ، جزعا من زمن الظلام الآتي ، وما بين عنف النهار وجحيم الليل يرفع الغروب راية الهدنة ويعلن عن فترة الاستراحة .
موزّع أنا عند وقوفي أمام الزمن الذي تودعه الشمس ويستقبله القمر ، ولا شيء غير الانبهار الذي يقودني إلى البكاء ، ففي تلك اللحظة المتسربلة بالخوف ، المتشحة بالحزن ، المدمنة على العشق ، تنفلت الروح هائمة بين فلوات الغربة ، وعلى أشواك غربتها تزهر بساتين الورود الدامية ، ويتحول الجفاف إلى ملاعب ندية للهواجس الراكضة نحو المجهول ، ومزارع خصبة للاحتضان المرير .
الغروب مهرجان التشظي لكل ما حدث تحت الشمس ، وكرنفال الانكسار لعنف الرأس المثخن بشراسة الأفكار المختلجة فيه ، وملتقى الوداع والاستقبال .
هو العمر ينهض على نهوض الضوء ويستحم بأفوله ليلاقي بعده عفاريت الظلام تمارس جنوحها تحت دهاليز الليل .
تقف أمي عند الغروب تسجّر تنورها ، يتصاعد اللهب حاملا أكداس الشرر الذي ينفلت إلى الأعلى ليسابق فيضان الدخان ، لم أبلغ العاشرة بعد ، أقفُ جنبها فتبعدني بإشارة سريعة ، أسرعُ إلى نخلة عانس عجفاء ، أجلسُ عند قدميها ونظراتي لم تبرح تنور أمي ، تتصاعد ألسنة اللهب فينعكس نوره على وجهها الذي يبدو ساعتها رغيفا ساخنا شهيا ، وهي تعالج فيضانه الناري بعصا طويلة سوداء ، كنتُ مأخوذا بوجه أمي ووجه التنور ، فلم ألتفت إلى زقزقة العصافير وهي تعود إلى بيوتها على أغصان شجرة التوت الكبيرة ، وغير آبه بنهيق الحمار الذي يقوده أبي إلى حظيرته بعد جهد جهيد قضاه طيلة النهار .
يتكور العجين بين أصابع أمي ، وبمهارتها يتحول إلى دوائر خفيفة السمك ليدخل إلى جوف التنور ، كان الرغيف الأول حصتي ، صغيرا مدورا ساخنا شهيا كوجه أمي ، أنهضُ مسرعا إليها ، أرفع ذيل ثوبي المتسخ إلى الأعلى ، يسقط الرغيف وسط الثوب ، أسرعُ به إلى حيث كنتُ ، أقلبُ رغيفي على حذر ، انتظره قليلا كي يفقد سخونته ، وقبل أن انتهي من التهامه ، يكون الظلام قد فرش جناحيه على المكان وتكون أمي قد انتهت من عملها ، وتكون العصافير قد خلدت إلى النوم ، ولا أحد غير صوت أمي ينادي :
ــ أسرع يامحمود قبل أن يأتيك الطنطل !!
انهضُ فزعا ، أسرع إليها ، أمسك ذيل ثوبها خوفا من الوحش القادم .
يراني أبي متلبسا بالخوف ، يصرخُ بوجه أمي غاضبا :
ـــ قلتُ لك ألف مرّة لا تخيفي الطفل بهذه السخافات !!!
ابتسامة أمي تنزل بردا وسلاما على قلبي الصغير المضطرب ، وهي تجيب أبي :
ــ لا تخف عليه فعندما يكبر ينسى كلّ شيء !!!
وعندما كبرتُ ، ماتت أمي عند ساعة تسجير تنورها ، حزنتُ عليها كثيرا ، بكيتُ على عتبة قبرها وتنورها الذي لم يسجّر بعد رحيلها ، بكيتُ عند أقدام النخلة العانس العجفاء وهي مغمورة بالليل ، وبقيتُ مع كل دفقة ظلام يحملها جوف الليل أراقب مجيء الطنطل ، أتخيله عملاقا رأسه في السماء وحوافره في الأرض ، ومن منخريه السوداوين يقذف ألسنة اللهب الحارقة ، ومن عينيه تخرج ملايين الأفاعي المرعبة ، ولكنه لم يظهر يوما ، فأيقنتُ أنّ ما قالع أبي كان صحيحا .
مات أبي بعد أمي ساعة موت آخر شعاع من أشعة الشمس ، بكيتُ عليه كثيرا ، لم يبق لي غير حماره الغبي ، لم أعصب عينيه كما يفعل معه أبي ، فقد اكتسبً من هذه العادة ما يكفيه من غباء ، حررته من جميع قيوده إلا أنه بقي على حاله ، فاضطررتُ إلى بيعه بأرخص الأثمان ، وبقيتُ وحدي لا زاد لي غير ذكريات الغروب المريرة ، وعندما دفعني الجوع إلى مغادرة عالم الغروب والانتقال إلى عالم الشمس ، رأيتُ الطناطل بكل قبحها وبشاعتها ، كانت مرعبة أكثر ممّا تصورتُ لم تكن هاماتها تناطح السحاب ، كانت وجوهها مدفونة في الأرض وحوافرها تتراقص إلى الأعلى إلا أنها تملك وسائل تدمير لا حدود لها ، طناطل من نوع خرافي ، وهي لا تجيد غير الرقص الخرافي ، وتمتهن كل أنواع الإبادة الخرافية .
وعندما لاح سوطها جلدي ، أيقنتُ أنّ ما قالته أمي يومها صحيحا ، ولم أمتلك ساعتها غير سوط أبي الذي كان يعامل الحمار به ، امتشقته بقوّة وأسرعتُ عندما أدركتُ أن لا خيار لي غير المقاومة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مليون و600 ألف جنيه يحققها فيلم السرب فى اول يوم عرض


.. أفقد السقا السمع 3 أيام.. أخطر مشهد فى فيلم السرب




.. في ذكرى رحيله.. أهم أعمال الفنان الراحل وائل نور رحمة الله ع


.. كل الزوايا - الفنان يحيى الفخراني يقترح تدريس القانون كمادة




.. فلاشلايت... ما الفرق بين المسرح والسينما والستاند أب؟