الحوار المتمدن - موبايل


عبد الإله أحمد

سعيد عدنان

2010 / 8 / 4
الادب والفن


عبد الإله أحمد 1940-2007م
سعيد عدنان
هو مؤرخ الأدب القصصي في العراق، الناقد، أتى إلى القصة، تاريخها، ونقدها، من بابها الوسيع، قرأ، وتأمل، واستوعب، وتذوّق، وأعاد القراءة، مستمتعاً، وكان في المقروء القصص الخالد لدى أعلامه الكبار: دستويفسكي، وتولستوي، وبلزاك، وستندال، وفلوبير، حتى استقر في أعماقه عمود القصة واتضحت لديه مسالكها، ولعله زاول الإنشاء القصصي، مرةً، أو مرتين، لكنّه لم يبلغ بما كتب اكتمال المفهوم عنده، ووجد كتابته تقع دون الطبقة الأولى في ما يريد فأضرب عنها صفحاً، وهو الذي لا يرضى بكلّ ما يردّ عليه. وعاد يقرأ قراءة المتذوق المستمتع، ووجد أن له عرقاً ينزع إلى النقد القصصي ملتبساً بالتاريخ، وأن ما أخطأه في الأدب الإنشائي لن يخطئه في الأدب النقدي، وليس من سجيته أن يقتسر الأشياء، وأن يلتوي بها عن مسارها، فليكن ما ينبثق من أعماقه، وليدع النهر يرسم مجراه. وكان ثمة ميل إلى القصة العراقية، يقرؤها أول الأمر متذوقاً مستمتعاً، ثم يجد فيها منفذاً إلى الدرس الأدبي، فيعيد القراءة دارساً، ناقداً، ويقرأ عما يتصل بها من مجتمع، وثقافة، وسياسة، فليست القصة قائمة في فراغ، وإنما هي نبتة، تقوم على الأرض، وتسقيها المياه، وتشرق عليها أشعة الشمس، وكتابها بشر تلمّ بهم الأحداث، وتصبغ رؤيتهم لما حولهم وتجعل لهم منظاراً بلون ما. درس القصة في صياغتها، ودرسها في سياقها الاجتماعي، وما يقع عليه من أثر السياسة، وتبيّنَ ما يكمن وراء ذلك من عوامل دافعة وضعت مديات الأحداث، والأشخاص، ونفذ إلى أعماق كتاب القصة، ورأى ما تنطوي عليه من أسباب القوة، وأسباب الضعف، وسعى أن يرى ما يختبئ في السرائر مما تظهر ملامح منه في القصص الموضوع موضع الدراسة.
كتــب ((نــشــأة القـصـــــة وتــطـورهـــا فــــي العــراق)) واستقصى فيه أوائل القصّ، والدواعي إليه، وبيّن ما كان يرجع منها إلى عناصر من التراث، وما كان آتياً من ثقافة العصر الراهن، وأعطى لكلٍ حقّه في نشأة القصة، وكان يرى أن القصة في نشأتها إنما هي من آثار الآداب الغربية، وأن الترجمة عامل في ذلك لا يخفى أثره. ثم وقف عند ريادة محمود أحمد السيد، وما له من عناصر الفن في الأداء، وتناول من أتى بعده حتى بلغ سنة 1939م قيام الحرب العالمية الثانية، فاكتملت عنده حقبه قصصية بدأت منذ نشأة القصة، ومضت في نموّ، واطراد حتى قام حدث عالمي هو الحرب الثانية فانعطف المجرى، واتجهت إليه روافد جديدة وتهيأ الميدان لحقبة أخرى.
نال بـ((نشأة القصة وتطورها في العراق)) شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث من جامعة القاهرة، وعاد يعمل في كلية الآداب بجامعة بغداد، ولم يكن يومئذٍ- في الستينيات- حيّز كبير للأدب الحديث في جامعة بغداد، وكان يقف دارسه عند البارودي، وشوقي وحافظ في مصر، فإذا ألمّ بالأدب الحديث في العراق لم يتعد الزهاوي، والرصافي، ولم يكن للقصة مدخل إلى كلية الآداب، فلا غرو أن تلقّتْ الكلية دارس القصة العراقية بشيء من الانقباض، ولم تفسح له في مجالسها، فساوره شعور بالخيبة، ونما لديه حس بالمرارة ووخزه ألم غير أنه طوى ذلك في حنيّة من نفسه، ومضى لطيّته مع القصة العراقية يستكمل تاريخها، ولا يريد أن يلتفت إلى ما سواها، وليكن من الآخرين ما يكون، لهم شأنهم، وله شأنه.
درس ((الأدب القصصي في العراق بعد الحرب العالمية الثانية)) واستقصى عناصره، وأفاض في ما لابسه من أحوال المجتمع، وتقلّب السياسة، ورصده في تنقله من طور إلى آخر، وقد يغلب عليه التاريخ وتستهويه حوادثه، وهو يدرس الأدب، وقد ينصرف إلى استجلاء مناحي الفن القصصي إذا وقف عند ما هو رفيع في الفن كوقفته عند عبد الملك نوري، وفؤاد التكرلي.
وعنايته بعناصر الفن القصصي قديمة عنده بدأت مع عنايته بالقصة، فلم يُعنَ بمضمونٍ مجرداً من عناصر أدائه الفني، ذلك أن القصة لديه فن ينبغي أن يأتلف فيه الشكل، والمضمون على أحسن ائتلاف.
وقد نال بــ((الأدب القصصي في العراق)) شهادة الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة القاهرة. وطُبع الكتابان الأول والثاني، ولقيا من حسن الثناء الكثير، وأحلاّه مكانة رفيعة في الثقافة العراقية، وعُدّا كتابين رائدين في تاريخ القصة، ونقدها. غير أن مكانته في الجامعة لم تساوق مكانته خارجها بين الأدباء، والنقاد، فما يزال درس الأدب الحديث لا ينال إلاّ قليلاً من العناية، وما تزال القصة، والرواية بعيدتين عن قاعة الدرس الجامعي، ولا يجرؤ أحد على أن يضعهما على صعيد واحد مع الشعر. فلا عجب أن يتهاون الجوّ السائد بالمتخصص فيهما، فإذا كان هذا المتخصص على قدر عالٍ من الاعتداد بنفسه وبثقافته، وإذا كان قليل المبالاة بالآخرين، فإن مسافة بينه، وبينهم سوف تنشأ، وتتسع، وسوف يستغرق في نفسه، وكلما زاد استغراقاً في نفسه زاد شعوره بالحيف، والمرارة، وقد يطفو على لسانه ما ينبئ بذلك لأوهن سبب، وقد تدعو قضية الأدب الحديث، ودرسه في الجامعة إلى استثارة كامن المرارة. ولقد رأيته في ندوة أقامها اتحاد الأدباء ببغداد، في أواخر صيف سنة 1976م، عن تدريس الأدب الحديث في الجامعة- ولم يكن يومئذٍ إلاّ رافداً صغيراً ضئيل المياه من روافد الدرس الجامعي-، فلمّا بلغ الكلام إليه شرع يتحدث باسطاً القضية يهدج صوته بها، وتصطرع الكلمات في فمه، ذلك أنها موصولة بكيانه، ونافذة إلى أعماقه، وما يضيمها يضيمه.
كان قد استقصى القصص المنشورة، ما كان منها في كتب، وما كان في الصحف، وهو يهيِّئ مادة دراستيه، فألّف منها ((فهرست القصة العراقية))، ونشره، فكان خير مرشد لمن يريد أن يدرس القصة في العراق، أو يعاود دراستها، على أيّ منحى من مناحي الدراسة أراد.
ثلاثة أعمال متكاملة بسطت القول في القصة تاريخاً، ونقداً، وفهرسة، وجعلت الدرب إلى القصة ممهدةً، وامتازت كلّها بالصدق، والإخلاص، فضلاً عن مزاياها الأدبية.
الصدق، والإخلاص، فضيلتاه الكبيرتان اللتان نشأتا معه، وامتزجتا بدمه، فليس له منهما انفكاك، ولو شاء أن يتخلى عن أيّ منهما لما استطاع، هو صادق في تلقي المعرفة، وتتبع أصولها وجذورها، وما تنشعب إليه، وهو صادق في إذاعة رأيه، وإعلان موقفه، ولا يعرف في ذلك شيئاً اسمه مواربة، أو مداراة، وربّ قول جهر به أدّى إلى انفصام علاقة، أو إلى انقباض الآخرين عنه، لكنه لا يحفل بذلك، ويظل صادقاً مع نفسه لا يقول إلاّ ما يعتقد، ولا يسلك إلاّ بضوء ما استقر لديه، ولا يلتفت إلى ما يؤدي إليه ذلك من خسارة هنا، أو هناك، بل هو يرى الربح كلّ الربح في صدقه، وإصغائه إلى صوت أعماقه. وقد أخلص لما يرى، وقلّ نظيره على الدرب الذي سلك، وإذا كان غيره تقلّبت به الاتجاهات، والأفكار، وتحوّل من حال إلى حال، فإنه من قلّة اتضح نهجها، واستقام وعيها، ولم يختلبها برق كذوب.
ولقي، لما هو عليه، عنتاً، وأوذي أذى مختلفة مساربه منه الظاهر المصارح، ومنه الخفيّ الذي يدب متدثراً، وربّ أذى أتاه من حيث لا يحتسب فزاد من مرارة نفسه، وأشعره بالخيبة، ونشر عليه ظلالاً من الإحباط.
وعلى ذلك فإن درسه إذا درس الأدب الحديث من أكثر الدروس جدوى، تلتقي فيه الفائدة مع المتعة الراقية، ويجد فيه العقل، والذوق غذاء وفيراً، وله نهج في الإشراف حين يشرف على طلبة الماجستير، والدكتوراه يتسم بالصرامة المنهجية العالية التي لا تقبل بما دون الحد الأعلى، وقد يضيق به طالب غير مكتمل التأهيل، وقد تتلكأ خطواته، وهو لا يستطيع أن يلحق بأفق أستاذه، وقد يُرقن قيده، فهو لا يجيز إلاّ من يطمئن إلى حسن قيامه على الدرس الأدبي.
وكان يُرجى منه أن يتصل التأليف لديه لما له من مقدرة، ورصيد معرفي، وذكاء نافذ، وذوق رفيع، لكن المرجو لم يتم، وصرفته الصوارف عما ينبغي له، وشغلته المرارة، وظلال الخيبة، فلم يزد على ((رسالتيه)) و((الفهرست)) إلاّ بضعة أبحاث ضمها كتاب، ومضى مُعجلاً قبل حينه، وإن خسارة الأدب العراقي فيه لكبيرة!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة يسرا: -الله بيحبنا وبيحب مصر- |#مع_جيزال


.. صباح العربية | أربيل توثق مئة عام من الموسيقى


.. الإخواني الذى غدر به زملائه.. الفنان يوركا نجم مسلسل الاختيا




.. كيف كانت تجربة مهرجان -مالمو- للسينما العربية بنسخته الحادية


.. رمضان 2021 - الف ويلة بليلة - الفنانة ناانسي عجرم في ضيافة