الحوار المتمدن - موبايل


أزمات تنذر بالانفجار

سنية الحسيني

2010 / 8 / 10
مواضيع وابحاث سياسية



د.سنية الحسيني

لقد بات من الواضح اليوم لأي متابع مهتم بشؤون منطقة الشرق الأوسط بأن أزمات هذه المنطقة تمر بمنعطف خطير تنذر بالانفجار، أكان ذلك الأزمة المتصاعدة في إيران أو الموقف المتوتر في لبنان أوالمعقد في فلسطين، بالاضافة إلى الأزمات الأخرى التي لا تزال مشتعلة في العراق واليمن والسودان وأفغانستان والباكستان. وتوحي التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية المتلاحقة والنشاط العسكري الأمريكي والإسرائيلي، والتصريحات المتواترة باحتمال وقوع حرب وشيكة على إيران لا يمكن إلا أن تصل إلى أطراف أخرى في المنطقة، لتعطي الانطباع أن المنطقة بأسرها تجلس على صفيح ساخن. لقد بدأت تداعيات فصول ذلك الإنفجار تلوح في الافق، فالضغوطات التي تمارسها الإدارة الأمريكية لترتيب الأوضاع في المنطقة قد تكون توطئة لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، كما أن ردات الفعل الإيرانية المتصاعدة والمضادة على الضغوطات الأمريكية، تبقى الأمور في المنطقة أسيرة لحالة من الترقب والانتظار.

تعتبر الولايات المتحدة البرنامج النووي الإيراني التهديد الأخطر على إسرائيل حليفتها التقليدية وبنفس القدر من الأهمية على مصالحها وتوازنات القوة في الشرق الأوسط ومحيطه. كما تنظر الولايات المتحدة إلى إيران على أنها القوة المعارضة الإقليمة المتبقية التي تعطل تحقيق أهدافها في المنطقة. ولأن العقوبات التي دعمتها الولايات المتحدة بقوة ضد إيران وبرنامجها النووي قد فشلت حتى الآن في ثني إيران عن المضي قدماً في سعيها لتحقيق أهدافها النووية، يبقى خيار الحرب اليوم مفتوحاً أمام الولايات المتحدة وإسرائيل الداعمة بقوة لهذا الخيار، خصوصاً في ظل استعدادات عسكرية أمريكية وإسرائيلية في المنطقة باتت ملاحظة ومكشوفة.

ولا تتردد إسرائيل حليفة الولايات المتحدة في الإعلان بأن دور سوريا حليفة إيران في المنطقة، يأتي ضمن تحدياتها الأمنية التقليدية، ولكن القلق الإسرائيلي الأهم يأتي من حزب الله، حليف إيران الأكبر والذي يملك ترسانة من الصورايخ يمكن أن تهدد العمق الإسرائيلي. وتخشى الولايات المتحدة وإسرائيل أن يأتي الرد الإيراني على حرب قد تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران عبر حلفائها، سوريا وحزب الله وحركة حماس، وخاصة حزب الله.
وبينما تضع إسرائيل الخطط العسكرية لمواجهة الحلف الإيراني السوري اللبناني (حزب الله) الفلسطيني (حماس)، تستخدم الولايات المتحدة تأثيرها السياسي والدبلوماسي لتحقيق ذات الغرض، بالاضافة بالطبع لاستعداداتها لمواجهة إيران عسكرياً.

بدأت الولايات المتحدة تحركاتها الأخيرة لترتيب أوضاع المنطقة توطئة لضربة محتملة لإيران الهدف منها تجميد أزمات تنذر بالانفجار في فلسطين ولبنان تحديداً. وكانت البداية ممارسة ضغوطاً شديدة على السلطة الفلسطينية للدخول في غمار مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، على الرغم من كل ما قيل ويقال حول فشل المفاوضات غير المباشرة وعدم تجاوب الحكومة الإسرائيلية مع المطالب الفلسطينية والعربية وحتى الدولية. وامتدت تلك الضغوط لتشمل الدول العربية لكي تقوم بدورها بالضغط على الفلسطينيين، كما أن إسرائيل قامت بدورها بمساع في ذات الاتجاه حيث إندرجت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى كل من مصر والأردن في اطار تلك المهمة.

ورغم نجاح المساعي الأمريكية الإسرائيلية والتي توجت بقرار من الجامعة العربية يتيح للفلسطينيين الدخول في مفاوضات مباشر، لم تعط السلطة اللفلسطينية حتى الآن إجابة شافية للولايات المتحدة رغم التهديد الأمريكي المعلن بعزلها إقليمياً ودولياً إسوة بما واجهه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وتصر السلطة الفلسطينية على ضرورة توفر ضمانات للفلسطينيين كمرجعية واضحة للمفاوضات أو التزام إسرائيلي تضمنه الولايات المتحدة بوقف الاستيطان.

وفي جهة أخرى، في لبنان تحديداً تقوم الولايات المتحدة بمساع لتهدئة تلك الجبهات المتوترة ربما تمهيداً أيضاً للتعامل مع جبهة تعتبر أكثر خطورة، ألا وهي جبهة إيران. ولم تخرج زيارة العاهل السعودي الملك عبد الله إلى سوريا ولبنان على ما يبدو عن الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية لترتيب الأوضاع في المنطقة. وبالاضافة إلى ثقل السعودية وتأثيرها في لبنان، عولت الإدارة الأمريكية على الدور السعودي لعقلنة سوريا وسياستها في لبنان وطالبت سوريا بالاستماع جيداً لما يحمله الملك السعودي.

وقد تعززت المراهنة الأمريكية على دور سوري إيجابي بعد أن رأت العديد من المؤشرات على هذا التوجه السوري الجديد. فالتقارب السعودي السوري هو مؤشر بحد ذاته، وكذلك التحسن ااذي طرأ على العلاقات السورية اللبنانية خصوصاً مع رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري، والاقتراب والتعاون السوري التركي، والنجاح الذي حققته سوريا في تحجيم انتقال المقاتلين الأجانب عبر أراضيها إلى العراق. وقد تكون رسالة الولايات المتحدة إلى سوريا هي مطالبتها أو نصيحتها على الأقل بالنأي بنفسها عن إيران ومخططاتها في المنطقة أو على الأقل فيما يتعلق بالملف النووي وما يمكن أن يترتب عليه، وعدم تورط سوريا في ذلك، بالاضافة بالطبع لعدم إرسال السلاح إلى حزب الله الذي يأتي عبر أراضيها، وعدم الاقدام على عمل ضد إسرائيل قد تندم عليه في حال ضربت الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كليهما إيران، ومحاولة اقناع حزب الله لأن يتخذ موقفاً مماثلاً.

ولا يمكن التقرير بشكل أكيد في نتائج المساعي الأمريكية والتحرك السعودي رغم الأجواء الإيجابية التي أشاعتها زيارة الأسد والملك عبد الله للبنان، فلم يتضح بعد موقف سوريا من الرسالة الأمريكية التي حملها الملك عبد الله، كما يبقى السؤال حول مدى تأثير سوريا على قرار حزب الله مطروحاً وخاضعاً للاختبار، وليس من المحتمل أن تستجيب سوريا لرغبات الولايات المتحدة إن لم يكن الثمن المقابل مقنعاً لسوريا ومصالحها.

وبينما جاءت زيارة الأسد والملك عبد الله في ظاهرها أو في جزء منها لمعالجة التوترات اللبنانية الداخلية والحيلولة دون إنفجارها، وهو أمر غير مستبعد في حال صدور قرار ظني بحق حزب الله، إلا أن الهدف الأمريكي الذي قد يكون على قدر أكبر من الأهمية هو تهدئة الجبهة اللبنانية لتسهيل معالجة الملف الإيراني. وإذا ما إستطاعت الولايات المتحدة النجاح في تطويق حزب الله الذي يشكل خطراً أمنياً واضحاً لإسرائيل بدون ضربة عسكرية سيكون ذلك أفضل وسيعطي إسرائيل والولايات المتحدة هامشاً أوسع للتركيزعلى الجبهة الإيرانية، خصوصاً وأن إسرائيل لا تسقط من حساباتها المخاطر المترتبة على إمتلاك حزب الله تكنولوجيا الحرب المتطورة والمعتمدة على الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى والتي يمتلك حزب الله الآلاف منها، كما أنها لا تسقط إمكانية حرب لبنانية ثالثة.

جاءت زيارة الرئيس السوري والعاهل السعودي للتلويح بإمكانية تأجيل إصدار قرار المحكمة الظني، في ظل إنفراج لبناني في الوقت الحاضر على الأقل، وبالتزامن مع حملة تشنها إسرائيل ضد حزب الله لإضعافه داخلياً وخارجياً من خلال محاولاتها إنتزاع الشرعية منه في الأوساط الدولية والتشكيك بمصداقيته لبنانياً باتهامه بالوقوف وراء إغتيال الحريري. وقد تكون الولايات المتحدة لجأت إلى التلويح بإمكانية تأجيل إصدار قرار المحكمة الظني لاحتواء حزب الله، ولكن النتيجة لن تكون مضمونة حتى لو إفترضنا جدلاً رضوخ حزب الله للضغوط الأمريكية، فمن يضمن لحزب الله بقاء التوجه الدولي بتأجيل إصدار القرار الظني بعد إنتهاء الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهدافها الأهم في المنطقة، والمتمثلة في توجيه ضربة لإيران.

إن ما سيتمخض عن هذه الأزمات التي تنذر بالانفجار من تداعيات قد تحدث تغيراً خطيراً في الخارطة السياسية والأمنية في المنطقة، وستكون إيران هي الخاسر الأكبر إن نجحت الضربة الأمريكية، لأن تلك الضربة الأمريكية من شأنها أن تدمر قدرات إيران العسكرية وبنيتها التحتية وإقتصادها، وفي حالة عدم سقوط النظام القائم ستُبقي الولايات المتحدة إيران ترزح تحت ضغوط العقوبات مما سيتسبب في إرجاع إيران إلى الوراء عشرات السنوات. وستسعى الولايات المتحدة من وراء ضربتها لإيران لإسقاط نظام الحكم فيها، وهي آلية اتبعتها الولايات المتحدة في كل حروبها خلال هذه الحقبة. من الجدير بالذكر أن هدف تغير النظام كان مطروحاً منذ فترة ولكن الخطة في حينه لم تشمل تغيره بالقوة.

إن تلك النتيجة من شأنها أن تخل بالتوازن السياسي والأمني في المنطقة لصالح إسرائيل، وسيطرح في حينه السؤال حول إحلال سلام متوازن في المنطقة، في ظل مزيد من التردي للقدرة والمكانية العربية. وليس هناك أي ضمانات لنجاح الترتيبات الأمريكية الموجهه ضد الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، لأن هؤلاء قد ينجحوا في إحباط تلك الترتيبات برفض الانصياع لها، إن لم تلتق المصالح وتتقاطع، وهو أمر مستبعد، وكذلك بسبب المحاولات التي تبذلها اليوم إيران بشكل متصاعد وبالتنسيق مع حلفائها، لمواجهة وإفشال المخطط الأمريكي الإسرائيلي. كما أن هناك من يعتقد بأن الحرب على إيران ليست أمراً حتمياً وأن تسوية ما لملفها النووي قد تحدث في اللحظة الأخيرة، وهو خيار لا تريده إسرائيل. ولكن الأكيد هو أن الأزمة تبقى مفتوحة على كافة الاحتمالات رغم أن الأرجح الآن وعلى ضوء المعطيات والتطورات الجارية هو الانفجار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. محمد الزغول: العقوبات الأميركية لا تحتاج إلى أي شرعية دولية


.. انطلاق القمة -المصرية - التونسية- بقصر الاتحادية


.. وزير خارجية العراق وأمين عام الجامعة العربية يبحثان سبل دعم




.. كلمة للرئيس قيس سعيد خلال المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين ال


.. شاهد نهاية خلاف عن الأرض .. ذبـــ_ـــحوا الأول والثاني في ال