الحوار المتمدن - موبايل


جميل سعيد 1916-1990

سعيد عدنان

2010 / 8 / 15
الادب والفن


يعرفه العارفون في ما ينبغي أن يعرف به، ويدركون ما له من فضل في حقل التعليم، وميدان التأليف، وفي أفق المجامع العلمية، فقد كان له في ذلك كلّه أشياء كثيرة أصيلة لا ينكرها أحد، إنه ممن أرسى التقاليد الجامعية، وارتقى بنمط الأداء الأكاديمي، وحرص على روح الجامعة، وإنّما به، وبأمثاله كان للتعليم العالي في العراق كيان.
درس الأدب العربي، وحفظ عيون الشعر، وهو ممن يستوي عندهم الجديد بالقديم إذا تمت لهما الإجادة، وكان ينشد المختار من قديم الشعر، وينشد جديده، وربما مضى يتمثل ببعض ((مواكب)) جيران، ويُزهى أنه حفظها قديماً في صدر الشباب الأول، وأنها بقيت مرسومة في ذاكرته لم تخرم الأيام منها حرفاً.
ألف ((تطوّر الخمريات في الشعر العربي من الجاهلية إلى أبي نؤاس)) ونال به شهادة الماجستير في الأدبي العربي من كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكانت دراسته جديدة مبتكرة تقوم على حسن العلم بالأدب العربي، وانتقاله من طور إلى طور، كما تقوم على رحابة في الأفق وسعة في المدى، وكان سداد مسيرتها في ذوقٍ راقٍ صافٍ يعرف الجيد من الشعر، ويهتدي إلى أسرار الإجادة فيه، ولا يحكّم في الشعر ما ليس منه، وكأن الأمر، كان يومئذٍ، على قدر من البداهة التي لا يعتريها ريب، ولا تستدعي منافحةً عنها.
وبقي في ميدان الأدب الخالص الذي لا ينهض إلاّ بنفسه، ولا يستمد عوناً مما سواه فكتب ((الوصف في شعر العراق في القرنين الثالث والرابع)) ونال به الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكلتا الدراستين تُعنى بالشعر الذي يصدر عن تجربة ذاتية نابعة من أعماق الشاعر، تتسم بالصدق، والأصالة، ولا تتعلق بما هو عارض، أو طارئ.
وكان لا بد أن يُفضي به درس الأدب إلى معالجة أداة الأدب، وقد أُسند إليه تدريس البلاغة، فراح يكتب ((دروس في البلاغة العربية وتطورها)) ساعياً أن يُبين عن روح البلاغة العربية نافضاً عنها ما جفّ من ورقها. ولا ينسى قارئ الكتاب أنه جعل لجرس الألفاظ مكانة في الدرس البلاغي متلمّساً ما له من جمال رفيع يزيد المعنى اتساعاً، ولم يكن ذلك من قبل موضع عناية.
وعُني بالأدب الحديث فكتب ((التيارات الأدبية الحديثة في العراق))، وزاول التحقيق فحقق ((خريدة القصر وجريدة العصر)) الجزء الأول من قسم العراق، وحقق ((ديوان الوزير محمد بن عبد الملك الزيات))، و((الجامع الكبير في صناعة المنظوم والمنثور)) لابن الأثير بالاشتراك مع مصطفى جواد، وعنده الأدب العربي واحد في قديمه، وحديثه، وكلّه جدير بالعناية، والرعاية، وحسن التذوق.
ومضى إلى الترجمة مطّلاً على الأدب العالمي، فترجم أكثر من مسرحية ليوجين أونيل، وعجيب أن يجمع امرؤ بين درس الأدب العربي القديم، والبلاغة، والتحقيق، والعناية بالأدب المسرحي العالمي، وأن يُعطي كلّ ذلك حقّه على تمامه، عجيب، وليس عجيباً إذا امتلك المرء ذكاء جميل سعيد، وإقباله على المعرفة، ورهافة ذوقه!
وهو على ذلك كلّه كان كثير الأسفار لا يكاد يطيل الإقامة في البلد، ومدى أسفاره واسع يمتد بين الشرق، والغرب، وفي كلّ بلد يقيم فيه يفيد علما،ً وتجربة ينفذان إلى تكوينه، ويجدان طريقهما إلى ما يكتب، وإلى ما يتحدث به، وكان مما أفادته تلك الأسفار به مرونة في الذهن، ورحابة في الأفق.
وهو في أسفاره تلك إنما يذهب أستاذاً زائراً، أو يُدعى محاضراً، يُلقي الدروس في العربية، وآدابها في معاهد العلم، ويَلقى من التكريم ما هو أهله، والجامعة كيانه، لا يرى نفسه خارج حصنها، فلا غرو أن يحرص عليها، وأن يذود عنها، وأن يحفظ لها قوامها فلا يرضى أن يقتحم هذا الكيان من لم يكن أهله، وله في صدّ أولئك الطارئين مآثر تروى أقلها قوله، يوم كان عميد كلية الآداب في سنة 1964، لمن أتى وقد نال الدكتوراه من مصر، وهو يعرف مدى ركاكته، اذهب يا بني إلى مكتبة الكلية، واعمل فيها، فليس لك عمل في قسم اللغة العربية حتى تحسن التعلّم. غير أن موجة الطارئين الذين يتخذون من الجامعة وسيلة إلى ما سواها، ويُدخلون إليها ما ليس منها، كانت قد بدأت بالزحف الوئيد!
وربما دفعت مواقف كذلك الموقف إلى أن يزعم زاعم أن فيه شدةً كأنها قسوة، أو أن فيه تسلطاً واستبداداً بالرأي، وليس من ذلك شيء عند من يقرأ الوقائع بالمقاصد، ويرى الغايات في الأفعال!!
ورب آخر يراه أنيساً لين الجانب إذا جرى الأمر الأكاديمي على ما ينبغي له أن يجري عليه. ولقد شهدته وهو في أوائل شيخوخته في سنة 1977 يدخل قاعة الدرس وقور الهيئة، أنيق الملبس قد أحسن المواءمة بين ثيابه حتى كأنّها نسيج واحد، وشهدته يبدأ درسه هادئ الصوت، واضح النبرات، تجري الفصحى على لسانه طيّعة أليفة لا تشادق فيها، وشهدته يسأل الطلبة عن أسمائهم واحداً واحداً- وهم دون الثلاثين بقليل- ثم يخاطبهم- إذا خاطبهم- بها لا ينسى اسما،ً ولا تشتبه عليه الأسماء، والوجوه، فإذا أبدى مبدٍ تعجبه من ذاكرة لا تسقط شيئاً قال: إنما العجيبة ذاكرة أحمد عبد الستار الجواري، فانه يحفظ القصيدة الطويلة من السماع الأول لا يخرِم منها بيتاً، ويمضي يحدّث عن صديقه الجواري، ومواطن حفظه الشعر، ويتسع به الحديث، ويمتد، وكلّه من الأدب الراقي.
كان مصفّى اللفظ لا تقع في لفظه على شائبة، ولا يقدر مستفزّ أن يدفعه إلى هجر القول، وأن يخرج به عن سمته، وأن يجاوز به شأنه.
كان يدرّس الطلبة في تلك السنة ((تاريخ النقد الأدبي عند العرب))، وكان على وثاقة حفظه يستعين بجزازات على أداء درسه، ويلقي منها نصوص النقد الأدبي القديم، وكأنه يريد بذلك أن يوصل إلى الطلبة الأفكار النقدية بألفاظها التي صيغت بها، وأن يشركهم بمعالجتها، والاهتداء إلى خبيئاتها، فليس صواباً أن يحجب عنهم النصوص بما فهم منها، وما تهيأ له فيها من تأويل!!
ويستدعي عنده الموقفُ نظيره، والحالُ شبيهها، وقد يقتضيه ذلك انتقالاً في الزمان أو رحلةً في المكان، لكنّك معه لا تشكو من وعثاء السفر، أو سوء المنقلب، بل ترجع بزاد وفير من المعرفة، والمتعة.
وربما خرج به الحديث المستطرد عما هو فيه من شأن إلى ما هو بسبب منه فأفاض فيه، ولا تتذكر كيف جرى الحديث يوماً إلى مصر، وإلى أيام دراسته فيها، ولكنّك تذكر وضوح الحديث، وما يحيط به- وهو إذا حدّث لا يكتفي بخلاصة الأمر، وإنّما يصبّه بكلّ ما يتصل به لأن ذلك من تمامه- وحديثه الذي يرويه مستمتعاً به ناظراً إلى ما وراءه من فائدة أدبية، يقول فيه إن صديقاً له خياطاً، كان يناصر أحد الأحزاب المتنافسة في الأربعينيات في مصر، أقام حفلة احتفاء بفوز حزبه، ودعا إليها وجوه أصحابه، وكان الشاعر علي محمود طه المهندس من المدعوين، وكان محمد عبد الوهاب يُقيم الحفلة بالغناء يقول: وكان الشاعر علي محمود طه المهندس جالساً جواري فلما أنشأ عبد الوهاب يغني: (وهي من شعر علي محمود طه نفسه)

أنا من ضيع في الأوهام عمره
نسي التــاريخ أو أُنسي ذكره
غيـر يوم لم يعد يذكر غيـره
يـوم أن قابلتـه أول مــرّه

أخذ علي محمود طه يبكي!! ويقطع حديثه صامتاً وكأنّه يريد أن يدعو الطلبة بقطع الحديث والصمت إلى أن يفكروا في دواعي بكاء علي محمود طه، وأن يصلوا بين شخصه، وشعره، ونفاذ عناصر من حياته إلى أدبه.
كان من مرامي أحاديثه المستطردة أن تكون أمثلة لما يعالج من قضايا النقد الأدبي حتى تقترب تلك القضايا من الأذهان، والأذواق. كان يذيب القضايا النظرية في الوقائع فيجعلها واضحة ممتعة!!
ومع كلّ ما له من تاريخ في الجامعة، فقد كان يبدو في تلك السنة الدراسية من أواخر السبعينيات كأنّ موقعه على الطرف القصيّ، وربما جرت على لسانه شكاة- على غير إرادة منه- ممن يتولى الأمر، ولا يتم له حقّه مما ينبغي له، لكنّه ما أسرع ما يرجع إلى ما هو فيه من شأن الدرس.
وما إن انقضت تلك السنة الدراسية حتى غادر البلد، وعاد إلى قديم أسفاره، وكأنه استشعر ما ستأتي به السنون!!
ثم بدأت ذكراه تنأى، فأين من يجمع مقالاته، وبحوثه؟ وأين من يُعيد نشر مؤلفاته؟ وأين من يضع فيه كتاباً مفصلاً فإن في درسه، ودرس أمثاله درساً لتاريخ العراق الثقافي الحديث!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مصائر الشخصيات في أفق سعيد عدنان الأدبي
حسن مجّاد ( 2010 / 8 / 18 - 18:59 )
سعيد عدنان أستاذ أكاديمي وباحث ناقد وكاتب أديب تتواشج النعوت على اسس اصالة التجربة وتفترق على الايمان باختلاف المعالجة ، وهو بهذا الوصف عميق الرؤية يمتلك أدواته النقدية التي تفصح عن كنه معناه تلك التي تمنحه شخصية الاستاذالاكاديمي بكل ماتحمل الكلمة من معنى غائر في أصالة التقاليد الجامعية الكبرى بعد ان حل الخراب بها بفعل عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية
مرة أخرى يذكرنا الدكتور سعيد عدنان عبر مقالاته الرائعة -في أفق الادب - بالغائبين عن المشهد الثقافي وبالمغيبين عن سماواته ، يرجع عبر ذاكرته الشخصية ليرسم صور - بورتريت -من رحلوا بعد ان تركوا آثارهم شاخصة في الوعي والمعرفة ويذكرنا بانماط من الحيوات التي عاشوا بها والاماكن التي انفعلوا بها خارج أسوار الكراسي الفارغة التي انتجتها السياسات القمعية ومن هنا يتمزج السياسي بالادبي دون ان يطغى عليه ترى اي افق كانوا يحلقون به واية مسافة خلقوها لكي تتم به خطواتهم دون صخب السياسة

شكرا له استاذا ومعلما بلا ضفاف

اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما