الحوار المتمدن - موبايل


الشيخ محمود محمد شاكر واللغة الانكليزية

سعيد عدنان

2010 / 8 / 19
الادب والفن


الشيخ محمود محمد شاكر، أبو فهر، من أعلام العربية في هذا العصر، وشيخ من جلّة شيوخها، ولد في مصر، في سنة 1909م، ونشأ في أُسرة دين وعلم وأدب، كان أبوه من شيوخ الأزهر، وكان أخوه الشيخ أحمد محمد شاكر شيخاً قاضياً عليماً بالحديث النبوي. قائماً بالتحقيق، وقد حقق وشرح ((مسند)) أحمد وحقق ونشر ((الأُم)) للشافعي، و((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة، وغيرها. وهو أكبر من محمود، وقد نشأ محمود بظل منه ومن أبيه وأخذ عنهما علم العربية وعلم الدين فقرأ وحفظ واستوعب حتى استقامت له العربية على أحسن ما تكون الاستقامة.
التحق بكلية الآداب يدرس اللغة العربية، واستمع إلى طه حسين يتحدث عن الشعر الجاهلي، ويشك في صحة جملة ما انتهى الينا منه، فاهتز لذلك الحديث، وقلق لهذا الانكار، وعنده أن ذلك من أباطيل المستشرقين فيُرادّ أستاذه طه حسين في شيء منه، وتتصل المرادّة، ويشتد الموقف فلا يجد متسعاً الاّ أن يغادر كلية الآداب قبل أن يُتم دراسته، ويطوى على نفسه قضية الشعر الجاهلي إذ تستحيل لديه قضية كبيرة تتفرع منها قضايا، وترجع اليها قضايا، وقد صحبته مدة عمره، وصارت عنده منظاراً ينظر فيه إلى ما سواها، وصار ما سواها من قضايا يأوي اليها ويقيل تحت ظلها.
ويضيق عليه ما هو فيه فيرتحل إلى السعودية وينشيء هنالك مدرسة يديرها، ويقطع سمعه عما يجري في القاهرة. لكنّه لا يلبث أن يعود إلى مصر، ويستأنف نمطاً من الحياة ليس هو صلة كله وليس هو قطيعة خالصة، كان يسمع ويرى ويلقي بقوله إذا وجد داعياً لذلك. دعاه فؤاد صروف إلى أن يكتب كلمة عن المتنبي لكي ينشرها في مجلة ((المقتطف)) احتفاء بذكرى أبي الطيب، فشرع يكتب، وامتدت الكلمة لتصبح كتاباً برأسه استغرق عدداً كاملاً من المجلة نُشر في يناير 1936م، وكان له صدى بعيد، ولقي من الثناء والتقدير شيئاً كثيراً، وهو خير ما كُتبَ عن المتنبي في هذا العصر، وكان في عزمه أن يزيد القول تفصيلاً في المتنبي وأن يصدر أجزاء أخرى تُتم الكلام في أبي الطيب، وفي شعره، وفي عصره وأحداثه، غير أن صوارف صرفته عما اعتزم.
وشُغل بابن سلاّم وكتابه الطبقات حقبةً فقرأه وشرحه- وهو يسمي التحقيق قراءة وشرحاً- وأعاد نشره، وكانت حواشيه في الوقوف عند بعض الأبيات واستجلاء معانيها غاية في رفعة الفهم، والإبانة عنه.
وهو لا ضريب له في فهم الشعر القديم وتذوقه وسبر أغواره وحسن البيان عن ذلك، وكم تمنى قارئه أن يزيد في شرح الشعر، وكم رغب راغب في أن يتولّى ((الوحشيات)) بالشرح لمّا تولاّها بتحقيق الميمني الراجكوتي بالزيادة في حواشيها، وقال قائل لو أنه شرحها لكان لنا به شرح يضارع شرح المرزوقي على ((الحماسة)) لكنّه لم يشرحها فأضاع أملاً عزيزاً، وشُغل بما هو دون ذلك!
ووقف في سياق تفهم الشعر القديم وتذوقه عند قصيدة:
إن بالشعب الذي دون سلعٍ لقتيـلاً دمـه مـا يُطلُّ
وقفة طويلة مستفيضة امتزج فيها النقد التاريخي بالتذوق الأدبي الراقي وجعل لصنيعه عنوان: ((نمط صعب ونمط مخيف)).
وهو شاعر من طبقة رفيعة يستلهم شعره من صادق تجاربه، ويبث فيه مكنون نفسه، وربما استوحى تجربة قديمة لشاعر قديم فألقى عليها من نفسه وبسط فوقها من ظله ومدّ من أطرافها حتى استوت خلقاً جديداً كالذي صنع إذ استلهم مورد ((القوس)) من زائية ((الشمّاخ)) فأقام منه ديواناً- هو قصيدة واحدة- عنوانه ((القوس العذراء)). هو شاعر من طبقة لا ضريب له فيها.
وهو كاتب يمتلك أصل البيان المحكم الذي يحيط بالفكرة إحاطة السوار بالمعصم فيعرب عنها أتمّ إعراب، وربما استعان على تمام بيانه بأبيات من الشعر القديم يوردها مورد الشاهد والمثل.
وفي كتابته عنف إذا أراد أن يرد وينقد، وفيها ألمٌ دفين يتفجر من طوايا نفسه لا يعرف القارئ مأتاه، ولا يريد هو أن يجلو حقيقته تمام الجلاء، ولكنّه في كلّ حالاته قريب من النفس سريع النفاذ إليها.
عُني بالشعر الجاهلي قديماً واستن نهجاً في قراءته وتذوقه، ثم انشغل بالمتنبي حيناً وعانى شعره وكتب فيه، وظلّ يراوده ويطلّ عليه من بين أعماله الأخرى حتى قال: ((المتنبي ليتني ما عرفته))، وصار ما كتبه عنه في ((المقتطف)) مدخلاً إلى الحديث عن النهضة وانكسارها، على نحو ما رأى النهضة والانكسار، وأعاد نشره في سفر ضخم أطال فيه الحديث عن كلّ ما لابس ذلك.
كره المستشرقين وأعمالهم، ورآهم رسل تبشير، ودعاة استعمار، وعوامل هدم تسعى في الثقافة العربية الإسلامية، وعدّهم جهلة لا يحسنون تذوق اللسان العربي، ولا يستطيعون فقه النصوص القديمة.
وكان له في بيته مجلس منعقد يؤمه فيه أصدقاء وطلبة ومريدون يتزودون من علمه بالعربية وأدبها، ويلقون منه سخاء وأُنساً بهم.
- وأين الإنكليزية في ذلك، وقد أطلتَ الحديث!
- إن موقعها وراءه، وسيأتيك القول!
كان لويس عوض قد شرع يكتب في الصفحة الأدبية من جريدة الأهرام منذ 16 أيلول 1964م، مقالات عن ((رسالة الغفران)) وعن منشئها ((أبي العلاء المعري))، وكان الشيخ محمود محمد شاكر قد وجد في كتابته سقطات، وأوهاماً فأخذ يكتب مبيّناً ذلك على وجه التفصيل والافاضة نافذاً من الظاهر إلى ما وراءه ساخراً من لويس عوض، متهكماً به، مزدرياً كلّ صنيعه حتى إذا بلغ ترجمته مسرحية ((أرسطوفان)) الضفادع- في آخر مقالة كتبها، وقد جمع المقالات في كتاب دعاه ((أباطيل وأسمار))- وجد أن الترجمة أخطأت الأصل، ووقعت دونه، وأنها قد جارت على أرسطوفان وبخسته حقه من البيان، ولما كان لويس عوض يترجم المسرحية عن الانكليزية، ويرجع إلى ترجمة ((جلبرت مورى)) الانكليزية فقد رجع الشيخ شاكر إلى ترجمة موري نفسها، ووجد- على ما يقول- الفرق كبيراً، وأن لويس عوض لم يُحسن النقل عن الانكليزية.
وأورد بعضاً من الترجمة الرديئة ثم أعقبها قائلاً: ((فكان حق ترجمة الأسطر الأولى، على هذا النحو: )) (أباطيل وأسمار: 459) ثم يقول: ((ليعلم القارئ أني أكتب على عجل، ولا أريد الدقة كل الدقة في التعبير بالعربية، عن فحوى لغة أرسطوفان)) (نفسه:460) ثم يورد ترجمته التي يصحح بها ترجمة لويس عوض، ومعنى ذلك أنه مكين في اللغة الانكليزية يقرأ ما فيها من نصوص أدبية رفيعة ويُحسن نقلها إلى العربية ويصحح ما يشتط فيه لويس عوض المتخصص في الأدب الانكليزي!
كان ذلك في سنة 1965م!
ثم يتصدى في سنة 1991م لكتاب ((أسرار البلاغة)) بالقراءة والتعليق والنشر، وكان الكتاب قد حققه ونشره في سنة 1954م المستشرق ((ريتر))، ووضع له مقدمة بالانكليزية. فلما أراد الشيخ شاكر إعادة النشر بعد القراءة والتعليق وقف عند تلك المقدمة قائلاً: ((وكنتُ قد عزمتُ على أن أنشر مقدمة ((ريتر)) التي كتبها، في مقدمتي هذه، فالتمستُ من صديقي الدكتور عبد المنعم تلّيمة ترجمتها ففعل ذلك متفضلاً علي، ولكنه قال لي: ((لا تفعل، فانها لا تضيف شيئاً جديداً ينتفع به القارئ العربي))، وصدق، فشكرته، واتبعت نصيحته، وذهب جُهده في الترجمة هدراً)) (أسرار البلاغة:9). ومعنى ذلك أنه لا يحسن الانكليزية فلما أراد أن يعرف شيئاً مكتوباً فيها استعان بغيره ولقد كانت(مقدمة ((ريتر)) مكتوبة بانكليزية أيسر من الإنكليزية التي ترجمت إليها مسرحية ((أرسطوفان)) ((الضفادع)).
قال صاحبي: لعل الشيخ نسى الانكليزية بعد أن تطاول الزمن وامتد من 1965م إلى 1991م واحتمل من الاثقال ما يبهض فحريّ به أن يُنسي، ألم تسمع قول الشاعر: ((اختلاف النهار والليل ينسي))!
قلت: سمعت!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - شكراً لوجودك
سعد تركي ( 2010 / 8 / 19 - 09:52 )
استاذي الفاضل الدكتور سعيد عدنان
تحية طيبة

بذلت جهداً كبيراً في محاولة تتبع أخبارك، استاذي الفاضل ، الصدفة وحدها قادتني لهذا المقال الرائع الممتع حين كنت أبحث عن معلومات تخص الشيخ محمود محمد شاكر.
كنت أستغرب كثيراً حين لا أجد على الأنترنيت مقالاً أو دراسة لناقد كبير في حجم قامتكم، في حين أرى أشباه نقاد يملؤون صفحاته ضجيجاً.
كلي أمل أن تكون بخير، وأن تتواصل مقالاتك وأبحاثك ودراساتك القيمة لتصل الى جمهور متعطش للغة أدبية عالية ورؤية نقدية ثاقبة وذوق أدبي رفيع.

اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما