الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رسالة إلى اللبنانيّين»... وإلى الفرنسيّين

أنسي الحاج

2010 / 8 / 22
بوابة التمدن




في «رسالة إلى اللبنانيّين حول قضيّة اللغات» (كرّاس من 44 صفحة صدر في باريس عام 2009) ينحني ريشار ميّيه على مصير اللغة الفرنسيّة. مصيرها في لبنان، البلد المزعوم فرنكوفونيّاً، ومصيرها في فرنسا بالذات، حيث باتت مخلوطة بالإنكليزية الأميركيّة خلطاً يجمع بين السعدنة والانتهازيّة والقتل.
ولد ميّيه في فرنسا عام 1953 وأمضى شطراً في لبنان من السادسة إلى الرابعة عشرة من عمره، وتعلّم فيه شيئاً من العربيّة، ولا يزال يزوره بانتظام. روائيّ وباحث، نال عام 1994 جائزة الأكاديميّة الفرنسيّة على كتابه «إحساس اللغة». وقد درّس الآداب عشرين سنة قبل أن ينصرف كليّاً إلى الكتابة. عُرِف بانتقاده اللاذع لفريق كبير من الكتّاب الفرنسيّين المعاصرين الذين يأخذ عليهم جهلهم اللغة الفرنسيّة والإساءة إليها وإلى روحها، ويرسم لوحة تشاؤميّة لواقع راهن انقلبت فيه القيم رأساً على عقب وطغت «الأنواع الأدبيّة السفلى» على الأنواع الكبرى.
في الستّينات كان لبنان لا يزال يتفيّأ ظلّ الجنرال ديغول. كان العالم ثلاث قارات: أميركا والاتحاد السوفياتي وديغول. ولبنان الفرنكوفوني منذ أجيال تَجدَّد التصاق وجوده بفرنسا يوم وقف ديغول عقب الاعتداء الإسرائيلي على مطار بيروت وتدمير أسطول طيران الشرق الأوسط وقفته المندّدة بإسرائيل تنديداً لم يلبث أن دفع ثمنه، وثمن موقفه من إسرائيل في حرب الأيام الستة حزيران 1967، بعد أيّار 1968 وما اختبأ وراء اسم «ثورة الطلّاب» التي انتهت بأطاحة حكمه.
يشخّص ميّيه في كرّاسه بعض معالم تراجع الفرنسيّة أمام وباء الإنكليزيّة الأميركيّة. ولا يبالغ إطلاقاً بل يظل، في تعبيره العميق ولغته الأنوفة، دون الواقع. قبل فترة نشرت إحدى الأسبوعيّات الفرنسيّة الرائجة مقالاً لكاتب فرنسي شاب يدعو الفرنسيّين بلا حرج إلى اعتماد «الإنجليش» فوراً إذا هم أرادوا اللحاق بصاروخ الزمن. وقبل نحو ثلاثة أعوام انعقدت على شاشة باريسيّة ندوة مع أدباء ناقشت حال الفرنسيّة كان أبلغ ما فيها صوت أديبة كندية من كيبيك أغاظتها برودة المشاركين واستسلامهم أمام الغزوة الأميركيّة فصاحت بهم: أنتم في فرنسا تخونون لغتكم ونحن في كندا نتحسّر ونتمزّق لمصيرها بين أيديكم... دعوها لنا، نحن نحميها وننقذها!
الغزو الأميركي بالجينز والببسي والهمبرغر هو الترجمة الاستهلاكيّة البسيطة للغزو اللغوي، والغزو اللغوي هو الاستعمار العقلي الذي لا يعود الاستعمار الاقتصادي والعسكري غير فرع سهل منه.
لعلّنا نحن المزدوجي اللغة أكثر مَن يقدّر قيمة الفرنسيّة. لقد أُنعِم علينا بسحرين: سحر العربيّة، هذا الأصل الحافل بالأصول كالأم الحافلة بالأمهات، وسحر الفرنسيّة، اللغة الأدقّ من الشعاع، لغة الحريّة. وقد اكتسبت الفرنسيّة، بفضل انفتاح أدبائها ومفكّريها، وبفضل انهمامها بشؤون العالم وكأنها ضمير كبير، صفة اللسان الكوني. وإذا كان من إنسانيّة معولمة يُعتدّ بها فهي تلك المحفوظة في خزانة المترجمات الفرنسيّة (وبدرجة أقلّ في المترجمات الألمانية والإنكليزية والإيطالية والإسبانية والروسية) عن آداب اللغات جميعاً. يحفظ التاريخ للعرب فضلهم بنقل بعض الآثار الإغريقيّة إلى العربيّة ومنها إلى الغرب حيث كانت أحد أركان عصر الانبعاث، ولكن ما فعلته الفرنسيّة منذ قرون إلى اليوم عبر ما نقلته من آداب الأمم شرقاً وغرباً لم تفعله لغة أخرى.
قيل في الفرنسيّة إنّها لغة المنطق وقيل لغة الدبلوماسيّة وقيل لغة الغزل. الأرجح أنّها لغة الشمس. حتى الغامضون والمغلَقون من كتّابها يلحق بهم النور. كأن السطوع جوهر من جواهرها بل لعنة يتعذّر الخلاص منها. لا يستطيع الكاتب بالفرنسيّة أن يكون معتماً تماماً حتّى لو أراد. لغته «تكشفه» رغماً عنه. لعلّ هذه الميزة أرهقت شعراء الرمزيّة والسورياليّة أكثر من غيرهم، وكتّاب الباطنيّات عموماً، فكانوا أحياناً يتشوّقون للضباب والظلمة ولا يبلغونهما إلّا مختَرَقين بالضياء. هذا شأن رمبو. أما بودلير فهو مؤلَّف من شقّين: إلهُ الشمس مشرقاً في قلب إلهِ العتمة.
■ ■ ■
لا يُفسَّر تراجع لغة كالفرنسيّة إلّا بظاهرة الانحطاط الروحي والعقلي العام، وتركيزاً الانحطاط الأوروبي. يتوقّف ميّيه عند زحف الإنكليزيّة على لافتات المحلّات والعناوين العامة في الشوارع والمؤسسات اللبنانية، بعدما كانت بالفرنسيّة (ونادراً بالعربيّة)، وقد بدأت هذه الظاهرة تنتشر في فرنسا نفسها حيث باتت اللغة المكتوبة، فضلاً عن لغة التلفزيون والانترنت، مهجّنة بالألفاظ الإنكليزيّة، وغالباً جدّاً حيث لا ضرورة ولا مبرّر، فالعبارات ذاتها، وبأسهل وأجمل، موجودة ومتداولة بالفرنسيّة. ويقيناً لو كان ديغول في الحكم لاشترع القوانين التي تمنع هذه الخيانة.
خيانةٌ للذوق لا للقوميّة وللمناعة الأخلاقيّة لا للتاريخ. وكيف للأمم الأخرى، من الصين إلى قطر، أن تقاوم الغزو الأميركي حين تستسلم له ثقافة هائلة الغنى والحيويّة مثل الثقافة الفرنسيّة؟ ولا يقتصر هذا الاستسلام على تشويه اللغة بالألفاظ بل يتمدّد ليشمل بل ليسبق اللغة عبر التقليد السينمائي والغنائي (كيف يسمّي مغنٍ بالفرنسيّة نفسه جوني هاليداي!؟) والصحافي والسلوكي والغذائي (هل يُعقل أن تتخلّى فرنسا عن أحد أركان مدنيّتها وهو المطبخ الفرنسي لتأكل الهمبرغر وتشرب الببسي كولا، وهل يُعقل أن يرتدي الفرنسيّون الجينز، أبشع مبتكرات الأزياء وأكثرها تجنيداً للبشر في قطيع واحد من الغنم المؤمَّم؟).
■ ■ ■
لا بدّ للفرنسيّين أن يتخلّصوا من عقدة تقليد الأميركيّين. لو ظلّ اللبنانيّون والسوريّون والخليجيّون والمغاربة يصنعون أفلاماً يتكلّمون فيها بالمصريّة ويغنّون بالمصريّة ويقلّدون الملحّنين المصريّين لما كانت فيروز والأخوان رحباني وزياد الرحباني ولما ظهر التفوّق السوري في الدراما التلفزيونيّة ولا برزت السينما التونسيّة ولما عرفنا صوتاً خليجياً أصيلاً. علماً أن مصر كانت تستحقّ التقليد بينما لا يستحقّ النموذج الأميركي أن يقلّده الفرنسيّون. ولا بدّ أن يظهر في فرنسا مَن يحطّم بعبقريّته العقدة الأميركيّة كما فعل موزار يوم ثار على احتلال اللغة الإيطاليّة للأوبرا الألمانيّة وخَلَقَ الأوبرا الألمانيّة. لن تُعدم العبقريّة الفرنسيّة جبّاراً يوقف التدهور نحو الهاوية ويعيد ربط الفرادة الفرنسيّة بنفسها. إن الثقافة الفرنسيّة التي استطاعت أن تنقل إلى لغتها مجموع آداب الأمم دون أن تضيع فيها ولا حتّى أن تتأثّر إلّا بالمقادير الطبيعيّة وبالتلقُّح الإيجابي المعلن، ليست بحاجة إلى قدوة لها من الخارج، والأخصّ إذا كانت هذه القدوة هي الثقافة الأميركيّة. إن أفضل ما في الثقافة الأميركيّة هو إمّا جذورها الأوروبيّة وإمّا أجنحتها الأوروبيّة، ولولا السينما الأميركيّة لما استطاعت الهيمنة الأميركيّة أن تمشي خطوة واحدة في العالم. وإذا أمكن إنقاذ الإشعاع الفرنسي فلن يكون ذلك من أجل فرنسا وحدها بل للمساعدة في حماية العالم، ولا سيما أقليّاته المهدَّدة في آخر حصون هويّتها، من زحف التوتاليتاريّة الجديدة عليها.
نحن شعوبٌ عانت محاولات اقتلاعها تارةً على أيدي الرومان والفرس والتتار والمغول وطوراً على أيدي العثمانيّين والإنكليز والفرنسيّين. وما فعله الاستعمار الفرنسي بالجزائر التي كادت تُمحى فيها اللغة العربيّة محواً تامّاً لا تزال آثاره طريّة. ومع هذا لم تستطع الغزوات ولا الاحتلالات أن تطمس لغتنا ولا ذاكرتنا. كلّ ما تحتاجه الأمم لإبقاء جذوتها حيّة هو أن تثق بأرواحها المتمرّدة وتحتضن أفذاذها وعباقرتها، هؤلاء الذين وحدهم يحفظونها نابضة ويجدّدون حياتها. وهذا ما تحتاجه فرنسا اليوم.
■ ■ ■
يعتبر ميّيه أن «السلام» الذي بات ينعم به لبنان كان أحد أثمانه هذا الاعتناق للإنكليزيّة، والتي لم تعد منتشرة في المناطق الإسلاميّة وحدها بل امتدّت إلى عمق المناطق المسيحيّة والمارونيّة بالذات، «حيث المسيحيّون ينفّذون، بعد تأخّر استمر ثلاثين سنة، البرنامج السياسي لكيسينجر الذي أراد، كحلٍ للمشكلة الإسرائيليّة ـــــ العربيّة، تهجير مسيحيّي الشرق، وعلى رأسهم اللبنانيون، إلى أميركا. وهو هذا التهجير بالذات، هذه الصيرورة المجازيّة، التي تحصل حاليّاً بالإنكليزيّة: فرنسا «الأمّ الحنون» ماتت في الاتحاد الأوروبي، هذا الاتحاد الذي أصبح هو الشكل الذي اختارته القارة العجوز للخروج من التاريخ».
قد يسمع بعضهم في الانحياز للفرنسيّة صدى للحنين الاستعماري. لكنّه ليس كذلك. فحسرةُ الكاتب على انهزام الفرنسيّة أمام الإنكليزيّة في لبنان ما هي سوى جزء صغير من ثورته على تقهقرها في بلاده، ومثل من أمثلة تراجعها في الأقطار الفرنكوفونيّة عموماً. ونظرته إلى الفرنسيّة ليست نظرة سلطويّة بل جماليّة، بالمعنى الذي يُقيّمها فيه الأجنبي عن الفرنسيّة نفسه. ليس هناك، بهذا المنظار، فرقٌ بين اللغة الفرنسيّة والأدب، الأدب بصفة عامّة، وكأنهما توأمان. وهذه الميزة لا الاستعمار، وقبل الاستعمار بكثير، هي التي أهَّلَت باريس (لا لندن، مثلاً، ولا برلين ولا مدريد) لتغدو كعبةَ الفنّ والأدب والثقافة. لقد أكل إعجابنا، نحن مُستَعْمَري فرنسا، بالأدب الفرنسي كثيراً من اهتمامنا بتاريخنا وأضعف ثقتنا بأنفسنا وأحياناً إلى حدّ كراهية الذات كراهية مميتة، لكنّه عَوَّضَنا باكتشاف ما كان عدم اكتشافه لن يُعوَّض، وهو اللغة والأدب الفرنسيّان. العودة إلى الجذور طوع النفس دائماً، وفي حالة «استعماريّة» كهذه ستكون موضوعيّة وصافية من غرائز الجهل والتعصّب العرقي أو القومي أو الديني الأعمى. أنا واحدٌ من عشرات الملايين في العالم الذين أضافوا إلى لغتهم الأصليّة اللغة التي انبلج بواسطتها عصر الأنوار وبها كتب المجنون دو ساد أقصى ما بلغته حريّة الفكر والخيال والهذيان والتعبير من مسافات لا مثيل لها في لغة أخرى. اللغة التي اختارها العديد من كبار أدباء العالم وفضّلوها على لغتهم الأمّ، من ريلكه إلى سيوران ومن بيكيت إلى يونيسكو. اللغة التي جلاها كلاسيكيّو القرن السابع عشر ـــــ رغم اكتوائنا في مراهقتنا الدراسيّة بعبوسهم واختفاء ذاتيّتهم اختفاءً زاد صقيع وجودنا صقيعاً يوم كانت أَعمارنا في أمَسّ الحاجة إلى الدفء ـــــ جلوها وقدّموها دانيةَ القطاف لوَرَثة أبدعوا في «استغلالها»، بدءاً بروسّو وعُقَده النرجسيّة الخلّاقة، مروراً بشاتوبريّان وأسلوبه العالي المكتنز الذي قد يجعلك تتخيّل أنه لم يترك جمالاً خارجه، بلوغاً إلى الرومنتيكيّين الذين حملوا الذات إلى عرشها المقدَّس. اللغة التي وضع بها بودلير كتابين ثلاثة هي أروع ما تقشعرّ له الروح وينحني له العقل في عمارة الآداب الحديثة. لغة جنَّحَ بها رمبو ولوتريامون وملّلارميه وفاليري وأبوللينير وبروتون وأراغوان وإيلوار وشار وأرتو وميشو وباتاي وسارتر وكامو ومالرو وسيلين وجيرودو... هذه اللغة هي أُمٌّ ثانية، بل أُمٌّ توأم، وتلك ظاهرة لم تحصل إلّا معها، فحيث حلّت الفرنسيّة لم تحمل معها استعلاءَ الاستعمار بل عشقَ الحريّة.
اختفت الفرعونيّة والإغريقيّة واللاتينيّة ولغات ما بين النهرين والفينيقيّة والعبرانيّة ولم تتهدَّم أركان الحضارة. ورثتها أو طغت عليها لغات أكثر حيويّة. افترست الأميركيّة، هذه اللا لغة، لغة الإنكليز وأعملت فيها ابتذالاً وتشويهاً، واكتفى الإنكليز بهزّ الأكتاف بينما الآخرون يتألّمون أكثر منهم لهذه المجزرة. لم تمت العربيّة، مثلاً، فثمّة ما يحفظها أبعد من الأدب والفكر هو الدين. لن تموت الفرنسيّة لأنّ ثمّة ما يحفظها، لا هو الدين ولا هو الاستعمار، بل الدَيْن الذي يشعر به حيالها ضمير الحضارة.
الأمّ الحنون ليست فرنسا المستعمِرة بل لغتُها المُحرِّرة. أمّ بخصب الأرض، حيَّة إلى الأبد.






الاخبار








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جو بايدن: الولايات المتحدة ستعزز وجودَها العسكري في أوروبا


.. طالب فلسطيني يرفع علم بلاده خلال حفل تخرجه من جامعة كارلتون


.. موجز الأخبار – الثالثة صباحا 29/06/2022




.. واشنطن ستعلن عن تعهدات عسكرية جديدة خلال قمة الناتو


.. الصفدي للجزيرة: القضية الفلسطينية مفتاح الحل لتحقيق الأمن في