الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


فصل من رواية -قبة السوق- ج2

عبد الاله بسكمار

2010 / 9 / 1
الادب والفن


" الثورات يدبرها الدهاة وينفذها الشجعان ثم يكسبها الجبناء"
- نجيب محفوظ -







" تخلطت ولا بغات تصفا "
المجذوب



- كيف أعيش بين المجانين ؟
- وهل تتصور أنك تعيش بين العقلاء ؟
-
" الفجر الكاذب " - نجيب محفوظ –



" إن الذي يندم يشبه كلبا عض الحجر"
- نتشه-




" من الظلام جئنا والى الظلام نعود وتلك هي الحكاية "
- سعد الله ونوس-






لم يستأذن مخبول باب الجمعة أحدا فحكى ما يلي :

تختفي شوافة السوق البراني ثم تعود من جديد ، تضرب الكارطة ...تمني الحيارى والمفلسين ترسم السبل للعانسات والباحثات عن الزوج الرحيم أو الحظ اللعين وتضرب للائي يسحرن لأزواجهن ، تنفلت الشمس الحارة نحو المغيب ، سحاب وغبار...تجمع الشوافة أشياءها الحقيرة وتختفي ، التقى عبد الهادي طارزان الذي صنفه سكان المدينة كمعتوه من الدرجة الثانية ، حكى لعبد الهادي كيف أدار خاتمه التي تضخمت على كفه الأيمن فانهار تل كامل من الرمال وقتل كل متطوعي المسيرة " كان الملك يبكي البارحة " قالها طارزان بنشوة مفرحة ، ثم راح يرقص صحبة عصاه الحديدية فكاد عبد الهادي يستلقي من الضحك ، والبارحة مساء بالضبط شاهد الصديق والأبناء كيف رفع العلم الأحمر خفاقا في سماء عاصمة الصحراء ، لكن السعار من الجهة الأخرى لم يهدأ وتناهت الأنباء عن المعارك الطاحنة ، القتلى والشهداء : أمغالا – كلتة زمور – الوارغزيز –المحبس- المسيد – العرقوب ..." ايوا جرا هذي ...شهادتي بها لله يلا جرة! "علق الصديق وهو يصطاد الدوائر الشهية من قلب المقلاة الملتهبة ، فيما نشرة أخبار السادسة تشنف الأسماع والآذان ،... مذبحة فظيعة... سقوط مخيم تل الزعتر في أيدي قوات الانعزاليين ، بعد حصار طويل ، عاد الابن الأوسط من المخيم في حالة يرثى لها ،تلقاه الصديق بقبول حسن " أنت مكشوف وماشي مع المكشوفين – يقصد أنهم متسخين- " سب عبد الهادي وشتم ثم عرج على باب الدار مزمجرا ساخطا...حاول الارتماء عليه وتفريغ جنونه العارم ...لكن الملعون أسلم ساقيه للريح.
كثر العسكر هذه الأيام ، ينطلقون من الثكنات إلى شوارع وأزقة المدينة ، فتتناسل حكايات وملاحم العراك والصدام ، بينهم أو في مواجهة " السيفيل "، يلهثون وراء ري ما للأجساد الظامئة الجائعة ، حانوت المعلم الصديق يستقبل عشرات الأفواه منهم يوميا ، ماذا جرى للبلد؟ أعداد العسكر تتزايد ، وأمن المدينة المطمئنة في كف عفريت ، المشاحنات والصدامات لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد ، الدهشة تناغمت في داخله بشعور ارتياح مبهم ، مع المدخول المحترم الذي تدره عليه أفواه العساكر وهي تتقاطر عليه من كل حدب وصوب ، تذكر أيام الخير الغابرة ، لم يستوعب جيدا الأخبار المقلقة بسقوط فلان أو استشهاد علان أو اختفاء ألف و فقدان باء لساقه ...هناك بعيدا وسط رمال وكثبان وتلال الصحراء وفي مواجهة عدو شرس يستغل عنصر المفاجأة وغدر الجيران والكمائن والذمم المشبوهة ليحقق كسبا ما على الأرض وفي نشرات الأنباء ، فيما زعماؤه ينعمون بما لذ وطاب على حساب الأشقاء، لم يهتم كثيرا لكل ذلك ، فقط يتألم على المعارك العبثية ، الأرواح التي تهدر والدماء التي تسيل هنا وهناك ، والأموال التي تذهب في حرب لاأفق لها ،" ياحافظ...الله يسلك هذ الجرة على خير وصافي" ولم يدرك في الأخير ماذا تعني الصحراء للجيران ، وما موقع هذه المدينة المسماة تندوف ، واسترعى انتباهه بضعة فتية يوزعون أوراقا متشابهة على بعضها ، صور لأشخاص مختلفي السحنات والملامح ، وتذكر أن مقدم الحي مر بحانوته في قبة السوق وسجل أسماء الراشدين من العائلة مع العنوان و تساءل حينذاك هل سيمنحونهم المعاونة ، قال له المقدم"إيه ، بعد أن تعاونوا المخزن طبعا" وابتزالصديق في بضع دوائر فشيعه باللعنات حتى اختفى قرب سيدي عزوز ، ولم يفهم مغزى الكلام إلا حين أعلنت التلفزة أن الشعب مقبل على تجربة ديمقراطية تنقل البلاد من عهد إلى آخر جديد ،" الموسم جاء والهندقة بدات " كذلك تمتم لأطيافه وهو يقلب تباعا عددا من الاصفار الشهية فوق المقلاة ، التصويت واجب ، ما معنى التصويت؟، لك صوت له صوت لها صوت ليس للجهر أو الهمس بل لتختار من يمثلك ، وجميع هذه الأصوات ستقررمن يدير شؤوننا في البلديات أولا ثم البرلمان ثانيا ، سمع الصديق كلام ابنه الأوسط ، ثم أرسل صوتا بذيئا "طززز" انه لايثق في الساسة أو السياسة منذ سمع بالانتخابات والبلديات والأحزاب والمرشحين والناخبين قبل زمن بعيد ، أشار لابنه أن ينصرف حالا ، يعلق لحميدة لبصير " قالوا للحمار ما أحسن لك واش العقبة ولا الحدورة قال لهم الله يلعنهم مجموعين " علق عبد الهادي بعد أن ارتسمت عبارة أبيه في ذهنه "الحمار من أشرف خلق الله على عكس الصورة الظالمة التي كونها البشر عنه فهو يتعذب في العقبة كما يعاني في الحدورة والخلاصة : ألم متواصل وعذاب مضن "، يجاريه في هذا الموقف مرزاق نفسه، أكد لحفيده عباس أن الأمر كله لا يعدو أن يكون خدعة كبيرة ، انتصبت في داخله جمل المجذوب التي كان يرددها الجد " تخلطت ولا بغات تصفى
ولعب خزها فوق ماها
جفلت ولا بغات ترعى
والكلاب يعوقوا وراها
رياس من غير مرتبة
رياس هما سباب خلاها "
على الجانب الآخر شارك ميلود بفعالية في التجمعات الكبرى لاتحاد الشباشب بالعاصمة والأحواز، وأوفدت القيادة بعض الرموز إلى تازة ، يلتقي المناضلون والعاطفون في تجمعات المقر أو قاعة السينما ، البعض كأنه بعث من جديد ، من قلب الرماد والآخر يندفع نحو قواميس مغرية من الرفض والسخط والغضب، طفا التساؤل ، هل تعود العنقاء من جديد ؟ ، وأكثر هؤلاء الفتية أبناء البارحة ، يصرخون الآن ...الصديق يعاين المشهد بحياد بارد يحمل استخفافا مالكل أشيائه وعناصره وشخوصه على الخشبة ، حصر عالمه بين حدود رسمها لنفسه ، العالم الصغير يبدأ بالقفشات وينتهي بالركلات والرفسات تتخلله القبل والدوائر والحلويات والأذكار والأصحاب والضحكات، جلس يستريح بعد عناء الصباح ، يستكمل راحته مع نفحة من طابا ،... الله... انتشاء ثقيل يهم جمجمته ، دون مقدمات فاجأه جاره عزوز المغراوي " أجرنا الله في الشريفة " " مات مسكين ؟؟ الله أكبر ....ولكن اتهنا... كان معذب الزغبي الله يرحمو ويغفر لو ويوسع عليه" وسرت همهمات قوية في المدينة أن حقنة سم قتلت الرجل بأمر من أصحاب الشأن ، وأن جمجمته امتلأت قيحا ترسب منذ سنين ، كان يتوجه بعصاه بعد المعارك مع الأطفال إلى مقر العمالة أو المقاطعة ويكيل ما تيسر من شتائم وسباب للمخزن ، يحاول العسس والمخازنية مطاردته فيخرج إليهم الكاتب العام مطمئنا الرجل ببعض الدريهمات...وظهر أن الصبر بدأ ينفذ ، إلى أن نعي الرجل في التباس مفاجئ ففقدت المدينة رمزا تاريخيا فذا يعد من الطبقة المتقدمة لمعتوهيها الأماجد .
حزب الطرابيش انخرط في الزفة هو الآخر...تجمعات وحفلات تحيي الزعيم ، تنشد مغربهم ووطنهم ، يرددون بضمير المتكلم أن الروح فداه والدم له وما ملك المرء في كل آن ، غير أن معالم الانحدار والكهولة كانت بادية على الرواد والمتعاطفين ، والبعض كان يردد نشيد الحزب على مضض بفعل الكبر والتعب وثقل السنين ، آخر كان يلحن في اللغة ويخطئ في نطق الكلمات واللحن ، قلة من الفتية تنشط مع الطرابيش وأغلبهم من أبناء المناضلين أو أقربائهم ، بعضهم تأثر بابن سوسان وتجمعات شبابية أخرى تعتبر موازية للطرابيش ، حزب الشباشب يستأثر وحده بمزيد من الشباب ، بل توجه كثيرون نحو الحزب الشيوعي المنبعث من الرماد هو الآخر .
هو لم يعلن موقفا محددا ، عاين في الجانب الأيسر لباب الجمعة مقرا متقادما، اهترأت مكاتبه وأوراقه، لكن لهيبا غامضا اخترق جدرانه فكانت تنطق بالخطابات والمواقف والصراعات والندوب والجراح والسجون والمنافي ، ثم أهداه مناضل طربوشي وثيقة تحمل صورة الزعيم الحالي وعليها عبارة : من نحن وماذا نريد ؟ صرخ أحد فتية الشباشب " شكون انتما ؟ شفارة انهبتوا البلاد واستغلتوا العباد...فقرتوا الشعب واديتوا كلشي "








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيلم السرب يتخطى 8 ملايين جنيه في شباك التذاكر خلال 4 أيام ع


.. الفنان محمد عبده يكشف عبر برنامج -تفاعلكم- أنه يتلقى الكيماو




.. حوار من المسافة صفر | الفنان نداء ابو مراد | 2024-05-05


.. الشاعر كامل فرحان: الدين هو نفسه الشعر




.. جريمة صادمة في مصر.. أب وأم يدفنان ابنهما بعد تعذيبه بالضرب