الحوار المتمدن - موبايل


مفاوضات عرجاء نتائج متوقعة وأخطاء متكررة

سنية الحسيني

2010 / 9 / 3
القضية الفلسطينية


لعله بعد تجربة طويلة من المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين كادت تمتد إلى عقدين من السنين، لم يعد من الصعب التنبؤ بجدول أعمال أو يوميات أو حتى نتائج المفاوضات المباشرة المزمع افتتاحها خلال الأيام القليلة المقبلة في واشنطن. ولأن الفلسطينيين يصرون وعن وعي على عدم التعلم من التجارب التفاوضية الماضية، ولأنهم أيضاً يصرون الابقاء على خيار المفاوضات دون إقرانه ببدائل أو خيارات أخرى تعمل جنباً إلى جنب مع خيار التفاوض أو تنوب عنه في حال فشله أو حتى للتلويح بتلك البدائل أو الخيارات كنوع من التكتيك ورد الفعل المضاد، سيكون مصير هذه المفاوضات حتماً شبيهاً بسابقاتها، ولكن هذه المرة خسائر الفلسطينيين أضخم وأشد خطراً على مستقبل هذا الصراع. فطالما أن إسرائيل لا تشعر بخطر هذا الصراع على مستقبلها ووجودها، فهي لن تسعى نحو السلام مع الفلسطينيين وتقديم تنازلات مؤلمة على حد وصفها في سبيله. ولو كانت إسرائيل تبحث فعلاً عن السلام مع الفلسطينيين لما وصلت اتفاقات أوسلو بعد كل هذه السنوات إلى ما وصلت إليه اليوم، وما كانت المطالب التفاوضية الإسرائيلية تعجيزية على النحو الذي هي عليه اليوم.

وقد يعيد سيناريو التطورات والأحداث الأخيرة حول مساعي إسرائيل إجبار أو إقناع الفلسطينيين المضي قدماً في خضم مفاوضات مباشرة ودون شروط، إلى الأذهان الملابسات التي صاحبت دخول الفلسطينيين إلى مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، عندما أرغم الرئيس الراحل ياسر عرفات على الانخراط فيها تحت وطأة الضغوط الأمريكية والرغبة الإسرائيلية. ولم ننس بعد المأزق الذي أصاب القيادة الفلسطينية من جراء تلك المفاوضات، فما بين تقديم تنازلات مجحفة بحق الفلسطينيين أو الظهور بمظهر الرافض للسلام، وجه اللوم للفلسطينيين وحوربوا إسرائيلياً وعوقبوا دولياً وخسر الفلسطينيون الكثير من هيبتهم ومكانتهم، لأنهم رفضوا التوقيع والاستسلام لمطالب إسرائيل التعجيزية. ولا يخف رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني اليوم تكرار ذلك السيناريو ولكن بشكل أكثر تبجحاً حيث بدأ باحراج الفلسطينيين قبل الدخول فعلياً إلى المفاوضات، عندما قام بتحديد الأسس التي تضعها إسرائيل للتفاوض رافضاً اعتماد قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها الانسحاب إلى خطوط عام 1967 والتي تنال مباركة دولية كأساس للمفاوضات، كما لمح نتنياهو بصعوبة استمرار العمل بقرار التجميد الذي ينتهي العمل به في أيلول المقبل، وعلى الجانب الآخر يضغط نتنياهو بقوة على الفلسطينيين من خلال حليفتها الولايات المتحدة أو التلويح بالمساعدات الاقتصادية، حيث تعاني السلطة الفلسطينية اليوم أزمة مالية خانقة.

وضعت إسرائيل ثلاثة أسس تتمسك بها من أجل إبرام إتفاق مع الفلسطينيين، بدأتها بالاعتبارات الأمنية حيث تصر بشراسة أن تكون أولى ملفات التفاوض. وجسدت الاعتبارات الأمنية مطالبة إسرائيل في عدد من الشروط التفاوضية على رأسها أن تبقى الدولة الفلسطينية الوليدة منزوعة السلاح ذلك الشرط الذي يفتح الطريق واسعاً أمام باقي الشروط الأمنية وعلى رأسها مراقبة حدود الدولة الفلسطينية القادمة، والإحتفاظ بـ غور الأردن وقمم الجبال المطلة عليه لإحكام الرقابة والمتابعة وللتأكد من عدم تهريب وسائل قتالية وتسلل المقاتلين إلى الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح. كما لا تتردد إسرائيل في الحديث عن ترتيبات أمنية بحجة ضمان عدم انطلاق أية صواريخ تجاه إسرائيل لتعقد بشكل دراماتيكي مدروس هذه المفاوضات في ظل حالة من الانقسام الفلسطيني. كما أن الإعتبارات الأمنية أعطت إسرائيل حق المطالبة بوجود قوات عسكرية إسرائيلية على طول الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية القادمة مع الأردن لـفترة تمتد إلى 10 أو 15 عاماً، وكذلك حظر إبرام الدولة الفلسطينية الوليدة أية اتفاقات أمنية مع أطراف ثالثة غيرها. فإذا كانت كل تلك الشروط قد وضعتها إسرائيل لضمان أمنها، وهي ليست بشروط جديدة، فطالما طرحتها إسرائيل ووضعتها ضمن مسودات مشاريع حلولها، فماذا تبقى من سيادة للدولة الفلسطينية؟ والسيادة ركن أساسي لوجود أي الدولة!

ويروج رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو قبل الخوض في مفاوضات مباشرة لقضية الاقرار الفلسطيني بيهودية دولة إسرائيل، واضعاً بذلك الشرط اطار المفاوضات حول ملف اللاجئين وحاسماً نتائج التفاوض بالاجحاف بحقوقهم الشرعية المتمثلة بالعودة والتعويض. بل إن ذلك الشرط والمتمثل بالاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة الإسرائيلية يتعدى على الحق السياسي والأخلاقي والقانوني للفلسطينيين المتواجدين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 حيث يحرمهم حق العيش في بلادهم على أساس أنهم لا يدينون بالديانة اليهودية. إن إسرائيل بشروطها التعجيزية التي تضعها اليوم أساساً للتفاوض تضع إطاراً عاماً لهذه المفاوضات وتضع شروطاً وحدوداً لها، لتبقى المفاوضات مع الفلسطينيين أسيرة بحدود وحجم ومساحة المناطق التي ستمنحها إسرائيل للفلسطينيين لإدارتها بلدياً، والتفاوض كذلك على درجة وحدود التنسيق الأمني مع الفلسطينيين بما يضمن أمن إسرائيل وإستمرارها ونموها الطبيعي وغير الطبيعي (استقبال المهاجرين الأجانب).

وتطالب إسرائيل في نهاية هذه المفاوضات باقرار فلسطيني يفيد بعدم المطالبة بأية حقوق فلسطينية مستقبلية، طامحة بأن يتنازل الفلسطينيون بذلك الاقرار عن أي حق تارخي أو قانوني سيتم تجاوزه في المفاوضات ويمنعهم من حقهم بالمطالبة به في المستقبل، وهذا ما يعقد المفاوضات المباشرة والتي تعتبر مفاوضات نهائية ومصيرية ونتائجها ستشكل منعطفاً تاريخي في واقع فلسطين وشعبها، مما يزيد من الأعباء على كاهل السلطة الفلسطينية. إن تلك المفاوضات تحتاج إلى اجماع واتحاد فلسطيني عام في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها، ويحتاج الفلسطينيون خلالها إلى دعم ومساندة امتدادهم العربي الذي يشترط به أن يكون قوياً صلباً وموحداً. هل يمتلك الفلسطينيون اليوم كل هذه المقومات الضرورية والمطلوبة للدخول في مفاوضات من هذا النوع؟ وهل حسب الفلسطينيون النتائج المترتبة عليهم إن فشلت تلك المفاوضات؟ وهل قام الفلسطينيون بتحديد خياراتهم البديلة في حالة فشل المفاوضات المباشرة؟.

إن إسرائيل اليوم لا تجد ما يضطرها لعقد اتفاق سلام مع الفلسطينيين وحل الصراع طالما أنها تجني ثمار ذلك السلام دون الاضطرار لتقديم تنازلات للفلسطينيين في سبيله. فقد أخطأ الفلسطينيون عندما منحوا الإسرائيليين مسيرة تفاوضية سلمية امتدت كل تلك السنوات دون التلويح أو الترويج لخيارت أخرى خصوصاً في ظل تعاطف دولي شعبي ودبلوماسي مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والذي جاء ثمرة نضال طويل سواء عبر النضال بالمقاومة أو المفاوضات. فمسيرة سلمية طويلة مع الفلسطينيين منحت إسرائيل الغطاء والشرعية لاستمرار تواجدها وممارساتها كدولة محتلة. وقد يفسر ذلك السبب وراء سعى إسرائيل اللحوح اليوم إلى إحياء مفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين بعد أن توقفت العملية السلمية لعام ونصف العام وما سببه ذلك من انتقاد دولي لسياسة إسرائيل كدولة إحتلال.

وليست المفاوضات اللا متناهية الخطأ الفلسطيني الوحيد الذي جعل إسرائيل تجني مميزات السلام دون أن تضطر لتحمل تكاليفه، فقد أخطأ الفلسطينيون عندما قبلوا بعدد من التنازلات اعتبروها مرحلية مؤقته أو يكتنفها الغموض البناء، وإستخدمتها إسرائيل بعد ذلك كقواعد وأسس تفاوضية لتثبيت واقع تخلقه على الأرض لتفرضه بعد ذلك. فالموافقة على مبدأ تبادلية الأرض، ذلك المبدأ الذي نجحت إسرائيل باستدراجه من الفلسطينيين خلال مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام 2000، واستطاعت إسرائيل بموجبه المطالبة بالكتل الإستيطانية في الضفة الغربية، كما أنه أعطى إسرائيل حافزاً إضافياً لمزيد من التوسع الإستيطاني الذي بات يؤخذ بعين الاعتبار في أية مفاوضات مستقبلية، بل إن ذلك العامل شجع إسرائيل على اللعب على عامل الوقت لبسط الاستيطان على أوسع رقعة ممكنة من أراضي الضفة الغربية ليحسنوا من شروط التفاوض حولها.

وكان الفلسطينيون قد اعتمدوا على صياغة غامضة في اتفاقات أوسلو لوقف الاستيطان أنكرتها إسرائيل بعد ذلك، فقد اكتفى النص بـ "عدم اقدام أي طرف على فعل من شأنه تغيير الواقع على الأرض". وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد منحت إسرائيل اعترافاً بها وبحقها في الوجود والعيش بسلام وأمن، قبيل التوقيع على اتفاقات أوسلو عام 1993، رغم عدم وجود حدود لدولة إسرائيل، وعدم اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية. كذلك وافقت منظمة التحرير على استخدام اتفاق المبادئ لمصطلح "اعادة انتشار" القوات الإسرائيلية بدل "انسحاب" والفرق واضح وكبير.

كما أخطأ الفلسطينيون عندما وفروا الأمن لإسرائيل الذي بحثت عنه طويلاً وفقاً لإلتزامات السلطة الفلسطينية في خارطة الطريق دون ثمن تدفعه مما مكن إسرائيل من جني عامل الأمن الذي يعتبر أهم مكافآت السلام مجاناً. إن كل تلك العوامل ساعدت إسرائيل على التعايش مع الصراع القائم مع الفلسطينيين بعد أن بات ثمنه لا يقارن مع الثمن الذي يجب أن تدفعه من أجل السلام، وهو الأمر الذي يفسر التعنت الإسرائيلي بشروطها التفاوضية مع الفلسطينيين خصوصاً إذا وضعنا بعين الاعتبار إمتلاك إسرائيل لعامل القوة الذي تراه أحد أهم أسباب وجودها وبقائها

إن إسرائيل اليوم تلجأ وبشكل صريح إلى التلاعب وكسب المزيد من الوقت، فهي تسعى إلى إحياء عملية التفاوض مع الفلسطينيين، وفي نفس الوقت وقبل أن تبدأ المفاوضات تؤكد على صعوبة التوصل إلى إتفاق فلسطيني- إسرائيلي في ظل حالة الانقسام الفلسطيني، وعدم اليقين من وجود شريك فلسطيني يمكن التعويل عليه، والادعاء والشكوى الدائمة على التحريض الفلسطيني ضد إسرائيل دون ملاحظة أن ذلك ما هو إلا رصد للانتهاكات الإسرائيلية اليومية ضد الفلسطينيين وأراضيهم المحتلة. وناهيك عن حالة الاحراج التي تسعى إسرائيل وبشكل بات ظاهراً كي تسببها للسلطة الفلسطينية فهي تضغط عليها بقوة وصلت لدرجة التهديد بالمساعدات الاقتصادية عبر حلفائها وحلفاء الولايات المتحدة للدخول في المفاوضات المباشرة دون شروط، وفي الناحية الأخرى تعلن عن شروطها التفاوضية والتي يستحيل القبول بها بالاضافة إلى التلويح المستمر بعدم إمكانية إستمرار العمل بتجميد الإستيطان.

إن إنهيار وفشل المفاوضات المباشرة هذه المرة سيلحق بالسلطة الفلسطينية والفلسطينيين جميعاً أزمة حقيقية، وقد تفوق تلك التي أعقبت مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام 2000، خصوصاً وأنها تأتي في ظل الظروف الصعبة التي تمر بالحالة الفلسطينية عموماً، فانقسام فلسطيني حاد، ومعاناة متفاقمة ومتصاعدة في غزة، وأزمة مالية خانقة في الضفة الغربية، واضطراب ومعاناة كبيرة تشهدها المدينة المقدسة ومقدساتها وسكانها. ولكي تؤمن إسرائيل بالسلام لابد لها من الاقتناع أولاً بأن الصراع مع الفلسطينيين بات مكلفاً لها، وتكلفته أكبر بكثير من الثمن الذي يجب أن تدفعه للسلام معهم، وقد تكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه الصحيح هو مصالحة فلسطينية كبرى تعيد إلى جميع الفلسطينيين ثقتهم بقيادتهم وأحزابهم ومفاوضيهم، تعيد الأمل من جديد لعيون أطفال فلسطين في غزة وفي االقدس وفي كل أنحاء فلسطين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ردا على انتقاداته..هدية مدريدية مثيرة لكلوب


.. مفاوضات سد النهضة.. عراقيل تستعصي على الحل


.. إيران و وكالة الطاقة الذرية .. علاقات متقلبة | #غرفة_الأخبار




.. 41 طلقة مدفعية في وداع الأمير فيليب


.. الأزمة الأوكرانية.. روسيا تحرك سفنا حربية وأردوغان يدعو لاحت