الحوار المتمدن - موبايل


فضاءات جمالية ، و كونية في كتابة جمال الغيطاني

محمد سمير عبد السلام

2010 / 9 / 4
الادب والفن


يتسع مدلول الفضاء في كتابة جمال الغيطاني الروائية ؛ إذ يعاد تمثيله داخل الوعي ، و خارجه ، و كأنه منتج للطاقة الإبداعية ، و المعرفة النسبية بالذات ، و العالم ، و يتجلى الفضاء في المادة ، و ما يتجاوزها ، و في الفراغات الواسعة ، و المحدودة ، و يختلط بما يخلفه من أثر في السارد من جهة ، و تحولاته الاستعارية ، و ما تستدعيه من تأويلات متجددة في النص ، و الواقع من جهة أخرى .
الفضاء عند جمال الغيطاني تفاعلي بالأساس ؛ فالسياقات الجمالية للمكان لا يمكن فصلها عن الأعمال التشكيلية التي يسترجعها وعي السارد ، و الفضاءات الكونية التي تلتقي فيها العناصر ، و الأصوات ، و أحلام اللاوعي ، و الوجود الشخصي ، و التكوينات الطيفية في نسيج سردي واحد لا يمكن اختزاله في وظائف محددة ، و إنما هو دائري ، و لا نهائي ، و يؤسس للاختلاف ، و تغير تأويلاته ، أو إدراكه من منظور ثابت ؛ إذ يعيد بناء الوعي في شكوله المتعددة ، مثلما يولد مجموعة أخرى من العلاقات مع أعمال فنية ، أو دوال ثقافية تكمل أصالة التنوع في تكوينه .
و يتميز الفضاء أيضا بالثورية ؛ لأن بنيته الجمالية الجديدة تقوم على التجاوز ، و التداخل ، و التعدد ، و الإكمال التصويري المستمر الذي يهدد الأصل مثلما يدعم تطوره المادي ، و هو يؤسس حالة من التعاطف بين الرؤى ، و الأصوات ، و العناصر الكونية ، و دوال الماضي المتجددة في علاقات تأويلية تقع بين المكان ، و الوعي .
و يذكرنا تفجير الفضاء لفكرة الحدود ، و الحتميات بنص (الألف) لخورخي لويس بورخيس ؛
فالرؤى التي عاينها البطل / السارد في القبو تتجاوز حدود الفراغ ، و تكشف عن تفاعل الثقافات ، و الرؤى الحلمية ، و التناقض ، و التعاطف معا في حركة موسيقية كونية لا مركزية .
لقد تلاحقت الصور خارج حدود المكان في وعي بورخيس ، و تعددت العلاقات التأويلية المتغيرة بينها دون نهاية ؛ فقد عاين سارده نسيج عنكبوت فضي في مركز هرم أسود ، و عيونا متجاورة تتفحص نفسها فيه كأنه مرآة ، و كل مرايا الكوكب دون أن تعكس صورته ، و الليل و النهار معا ، و كل نمل الأرض ، و الحب ، و التحول بعد الموت ، و دورة دمه ، و اختلاط الأرض بالتكوين السحري للألف (راجع / بورخيس / الألف / ترجمة د / محمد أبو العطا / دار شرقيات للنشر / ط 1 سنة 1998 ص 153 و 154) .
لقد فكك بورخيس الرغبة في المعرفة من خلال تناقضات الصور ، و لامركزية تكويناتها داخل الوعي ، و خارجه ، و لكن جمال الغيطاني يبدأ من التكوين الجمالي للمكان نفسه ، ثم انفتاحه الكوني داخل الوعي ، و خارجه ؛ فالمكان هنا هو مصدر الإغواء لا المعرفة ، أو الأحلام المرتبطة بها كما هو عند بورخيس .
المكان عند جمال الغيطاني ينشئ تجربة إنسانية متكاملة ، و لكنها دائما ما تثور على حدودها الوظيفية الأولى ؛ إذ تتجدد في مسافة بين السرد ، و الواقع الشخصي ، و المعرفة بالعالم .
تتصل نهايات الهرم في مجموعته (متون الأهرام) بما يتجاوزها من فراغ لانهائي ، و الأخير ينتج نغمات إبداعية ، و انطباعات فنية ترتبط بعوالم اللاوعي . أما القطار في رواية (دنا فتدلى) فهو معبر للذاكرة ، و الصور ، و الأصوات ، و يقاوم تكوينه الجمالي فكرة التجسد الصلب في كينونة مستقلة ، و تستعصي النافذة في رواية (نوافذ النوافذ) على مركزية الكشف ؛ إذ تنتج مجالات نسبية من الرؤى ، و أطيافا لامرئية من صورة النافذة ، و قد اكتسبت مدلولا مجازيا جديدا .
* الاتصالية الكونية ، أو التصوف الإبداعي /
ثمة اتصال خفي بين العلامة ، أو العنصر الكوني ، و ما يتجاوزه من فضاءات خيالية تعيد تشكيله في علاقة صوفية جديدة ، و متغيرة ، و يختلط فيها الوعي المبدع بالفضاء ، و المجال الاستعاري للعلامة .
و عند قراءة (متون الأهرام) لجمال الغيطاني – عن هيئة الكتاب المصرية 1996 – نجد أن التكوين الإبداعي للهرم الأكبر ، و ما يتجاوزه من فراغ يشكلان حالة من إغواء التوحد بين الوعي ، و الفضاء الجمالي دون انفصال ؛ و من ثم يختلط التصوف ببهجة اكتشاف التكوين الإبداعي الجديد ؛ فثمة تداعيات نصية تحول الذات إلى موقع جمالي يتصل فيه صوت الفرد بالاتساع اللانهائي الذي يندمج فيه الجزئي بالكلي دون مركز ، أو مرجع ؛ و كأنها حالة من النشوء المتجدد ، و المؤول لحالة الاتحاد بين الدوال ، و الأصوات .
في نص (تلاش) – و هو المتن الثالث من المجموعة – يشير السارد إلى خصوصية ارتباط البطل الشاب بالهرم ، و مهارته في التسلق ، و عند بلوغه الذروة يصف السارد النقطة التي تمثل البداية ، و النهاية ، و تجاوزها للحدود ، و الفهم ، ثم يقيم ارتباطا تأويليا بين حركية الجسد ، و الإشراقات الفنية ، و الموسيقية التي تلقاها البطل في تلك اللحظة الفريدة .
و أرى أن التكوين الهرمي بحد ذاته قد أسس لقاعدة جمالية أرضية تتصل بالفراغ الجمالي ، و الوعي ، و اللاوعي في الوقت نفسه . إن الموقف السردي هنا يؤسس لدائرية الجمال ، و اختلاط الإنساني ، و الكوني في بنيته . فمن أي مصدر أتت الموسيقى ؟
إنها تمثيل مجازي للتعاطف بين التجسد ، و ما وراء التجسد ، و صلابة الهرم ، و فراغه الاستعاري .
يقول عن أثر الإشراقات في العالم الداخلي للبطل :
" اجتاحته ، دفعت به و إليه مستقر النغم ، و مصدر كل حلم ، جذر كل توق ، سر اندلاع الرغبة ، و انطفائها ، و الدافع لميل الغصن ، و فراقه عن الجذع " .
تجمع الإشراقة – إذا – عند جمال الغيطاني بين الانسجام الكوني ، و التآلف المميز للعمل الفني الإنساني ، كما تفكك مدلول الفراغ ؛ فهو ثري بأعمال إبداعية تتجاوز الأسماء ، و الحدود ، و المرجعيات ، و هو يستنزف بنيته عندما يصير دالا مضافا للهوية ، و الصوت ، إذ يعيد تمثيل المادة مرة أخرى عقب تجاوزه لحدودها .
و في نص (رقصة) – و هو المتن التاسع – يصف السارد نقطة كونية مجردة تجمع بين التجسد ، و الاختفاء ، ثم تتسع لتعيد تمثيل وهج الطاقة الإبداعية في الذات ، و العالم ، و كأنها حضور فني متجدد للصور ، و الأصوات ، و الأشياء الصغيرة ، أو اللامرئية .
يقول : " عندما يضبط جسدها النغمات بين الإيقاعات ، يبثها إلى أقاصي الوجود . يشهدها كل ساع في طريقه ، و كل مقيم في منزله شرط أن يتجه بكليته صوبها " .
النقطة تفجر مدلول التجسد ؛ فقد نبعت من غياب ثم صارت مصدرا صاخبا لوهج الحياة في فعل الرقص ، و تجاوزت مدلولها المادي مرة أخرى حين تجسدت كطيف مركزي في الوعي المدرك ؛ إنها سيمفونية للتجسد الإبداعي المتكرر للفراغ .
* النافذة كموقع ، أو فضاء فني /
في نصه الروائي (نوافذ النوافذ) – الصادر عن دار الهلال 2002 - تمثل النافذة في وعي الغيطاني بكارة اكتشاف العالم ، و تطور هذه البكارة في معاينة الصورة الجمالية في الإطار الفني ، و ما يتجاوزه معا ؛ و من ثم تجمع النافذة بين كونها موقعا متغيرا للرؤية ، و اختلاطها بمدلول العمل الفني المستقل ؛ فثمة تحويل يحدثه الوعي للدوال ، و الأشياء ، بحيث تبدو كلقطة جمالية نسبية ، أو كعمل تشكيلي يتصل بآثار الفن ؛ مثل لوحات الفنان إدوارد هوبر .
تولد النافذة – إذا – نافذة جديدة متخيلة تتجاوز بنية الصورة ، و واقعيتها في اتجاه بكارة جديدة يلتبس فيها الواقع بالأثر الفني .
و في فصل (نوافذ مؤدية) تتداعي النوافذ فيما يشبه الكتابة ، و يندمج العالم الداخلي للسارد باتساع الفضاء ، و ما فيه من صور تحيل إلى فراغات ، و نوافذ جديدة ، و كأن الاحتجاب الكامن في مادية الصورة يحمل بداخله فراغا ، أو موقعا لكشف جمالي جديد بصورة دائرية لا تنتهي .
* أطياف القطار /
في نصه الروائي (دنا فتدلى) – عن دار الشروق بمصر 2003 – يعيد جمال الغيطاني تكوين علامة (القطار) انطلاقا من المدلول الجمالي للرحلة ؛ و من ثم دائرية التحول في الفضاءات ، و الفراغات التي يمر القطار من خلالها فيفكك صلابتها الواقعية ، و يحولها إلى أطياف ، أو صور تجمع في تكوينها بين الوجود ، و العدم ، و تعيد تكوين العالم في الوعي المبدع للكاتب من خلال تلاحقها المستمر ، و إعادة إنتاجها للموت ، و الحياة معا في تناقض إبداعي .
و على طول النص الروائي نجد صورا تنبثق في حالة مادية قوية ، ثم تتحول إلى أثر أو فراغ يعقبه انطباع جمالي يقع بين السارد ، و العالم ، فيستمد منه حكمة ، أو أثرا جماليا لا يمكن محوه من الذاكرة ، و من أطياف القطار في النص ؛ ولد جميل يبدو أنه تم استغلاله ، و صورة شاب ينتحر ، و مشهد قتل عبثي صامت ، و فتاة تمارس إغواء للسارد ، و كأن القطار قد حجب الحب عن مرجعياته الواقعية ، و شخصية زكية التي يختلط فيها الجنس بعلاقات القوة ، و إيزيس السويسرية ، و ما تمثله من لقاء بين حضارة مصر القديمة ، و الغرب ، و روائح الطعام ، و المكان المغرقة في المحلية بمدينة المنيا ، و قد استعادها السارد في سياق عالمي آخر ، و غيرها .
و لكل صورة من الصور السابقة تاريخ مقطوع عن حركة القطار المستمرة ؛ فمن خلاله يعاين السارد لحظة تحول الحدث إلى خبرة جمالية . القطار يستبدل المكان بإيحاءاته التي تشكل الأصوات ، و الألوان ، و الشخصيات كدوال تتوهج في الوعي ، و تختفي ، و تستعاد في جمالية ثورية تنبع من تكوين القطار نفسه ؛ إذ يثور على سكونه ، و صلابته بالحركة المتحولة باتجاه المعنى الجمالي للوجود .
يخلف القطار معنى الحزن الغامض داخل السارد ، و يختلط ذلك المعنى بصخب البشر ، و حركتهم مثلما اختلط موت الشاب الذي ألقى بنفسه في النهر بالنيران المنصهرة في الماء .
ثمة تحول إبداعي منتج من تداعي الموقفين السرديين ؛ فالسكون فيهما تفجره حركة مادية تبعث الحياة في ثورية واضحة على الحزن ، أو الموت ؛ فصخب البشر يشبه توهج النيران عقب موت الشاب .
و تمتزج المحطات المنسية من ذاكرة الناس بمعنى الوحدة في الوعي المبدع للسارد ، ثم يؤولها باختلاط الوجود ، و العدم في بنيتها .
هل يعلن الحضور غير المميز لتلك المحطات عن نفسه في معنى الحياد ، أو الوجود السلبي ؟ أم أنه يفكك مركزية الاسم ، و الهوية داخل السارد ؟
إنه حضور للفراغ كفضاء فني للهويات الثقافية المهمشة ، أو الذوات التي تقاوم بنية العدم مع احتفاظها بوجود عبثي ، و لكنها في حالة عمل ؛ إذ تكتسب مدلول المحطة ؛ كي تهدمه في ذلك البياض المحايد .
يعاين السارد المروق السريع للقطارات ، و ما يعقبها من هزة قوية ، و صمت ، و يحتويه ضوء أزرق يجمع بين الجماليات الكونية ، و التشكيلية ؛ إذ يختلط بطيفية القطار ، و زرقة اتحد بها السارد من قبل في رحلته إلى أبي قير .
العوالم الكونية تتصل بالعالم الداخلي للسارد ، و تختلط بالفن / الإنساني ، و هو الضوء المنتج بواسطة الوعي ، و من خلاله ، مثلما يستنزف القطار المكان ؛ لأنه يتجاوزه دوما باتجاه تحول قيد التشكل دائما .
محمد سمير عبد السلام – مصر












التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الممثل #السوري أيمن زيدان: سأدعم هذا المرشح لرئاسة #سوريا له


.. فضيحة كومبارس في مسرحية الانتخابات: أنا تفاجأت - Follow Up


.. يرسم لوحات فنية بطعم الحلوى!




.. مسرحية جورج خباز: أغنية -حَد تنين، شد منيح الإجرتين-


.. لحظة إصابة فنانة فلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي تثير غضب ال