الحوار المتمدن - موبايل


زكي نجيب محمود... الناقد

سعيد عدنان

2010 / 10 / 5
الادب والفن


مرت سبع عشرة سنة على رحيل الأديب المفكر زكي نجيب محمود (1905-1993)، وكتابته الغزيرة ما تزال حيّةً في شكلها الذي صاغها عليه – وإنه ليجوّد الصياغة – وفي محتواها العقلاني المستنير الذي دعا إليه.
لقد كان زكي نجيب محمود قامةً مديدة في سماء الثقافة العربية، جمع الأدب الخالص إلى الفكر الخالص، فكان مفكراً أديباً، كما كان أديباً مفكراً، وقد نهض كلّ ذلك على مبدأ خلقي رصين يصدق العمل فيه القول حتى يجيئا متسقين لا ينكر أحدهما الآخر.
عُني بقضايا النهضة والسبل إليها، وشغلته قضية الأصالة والمعاصرة فاتجهت أفكاره إلى صيغة تجمع الأصالة والمعاصرة معاً، وأن المستقبل العربي رهين بحسن التأليف بينهما.
وعُني بالمقالة الأدبية واتخذ منها شكلاً فنياً يصب فيه أفكاره لكي يلبسها ثوباً أدبياً يجعلها أقدر على النفاذ إلى القراء، وأثبت على عوادي الزمن.
وزاول النقد الأدبي صادراً عن رؤية أدبية فلسفية، ومن كان أديباً فيلسوفاً لا بد أن ينظر في الأدب من حيث ماهيته، ومن حيث ما يميزه مما سواه، وأن ينظر في النقد الأدبي وطرائقه وماله من شروط، وأن يقف عند نصوص من الأدب محللاً مستنبطاً الخبيء من معناها. وقد فعل ذلك كلّه وإن كان يسمي عنايته بالأدب والفن هواية (قشور ولباب، المقدمة، هـ) فإنها لدى التحقيق أكثر من هواية لأنها متصلة بموقفه الفكري متسقة معه فكأن أفكاره الفلسفية وجدت لها مصداقاً في ميدان الأدب والنقد.
نشأ زكي نجيب محمود وهو يرى أعلام الأدب والنقد: طه حسين، والعقاد، والمازني وهم يحملون راية تجديد النقد الأدبي والخروج به من إطاره الضيق القدم ليجعلوا منه جنساً أدبياً قوامه الموهبة والثقافة المتسعة والقلم المبين الذي يحسن تجلية المعاني وربطها بحياة منشئها.
نفذ هذا المفهوم الجديد إلى ذهن زكي نجيب محمود وصار لديه أساساً راسخاً يأتي ما بعده مبنيّاً عليه. وقد كان لأولئك الأعلام الأدباء أثر آخر في زكي نجيب محمود يتمثل في أنهم رسموا معالم الميدان الأدبي واتسعوا به عما كان عليه قبلهم وأبدعوا نماذج في المقالة الأدبية والمقالة النقدية صالحة لأن تُترسم ويُقتدى بها فكان أن تمرس زكي نجيب محمود بهذا الميدان الأدبي النقدي واتخذ له رأياً في خصيصة المقالة الأدبية كما اتخذ له رأياً في ما يكون عليه النقد الأدبي، ولقد أجمل زكي نجيب محمود مذهبه في الأدب إذ قال: إن الأدب مهما تكن الصورة التي جاء عليها من شعر أو قصة أو مسرحية ينبغي أن يعبر عن نفس الأديب أولاً، وينبغي أن تتكامل أجزاؤه في بناء يكون بمثابة الكائن الفرد ثانياً (فلسفة وفن: 366).
وهما شرطان، الأول منهما انحدر إليه من مدرسة الديوان، إذ اشترط العقاد أن يعبر الشعر عن نفس صاحبه تعبيراً صادقاً، وأن يبتعد عن تكلف الأحاسيس والمشاعر، وأن يتلقى شعوره هو بالأشياء ويعبر عنه، لا أن يتلقى شعور أسلافه من الشعراء، والثاني منهما كان مما نادت به مدرسة النقد الجديد التي نشأت في العشرينيات والثلاثينيات في أوربا، وقد كان من تمام ما دعت إليه مدرسة النقد الجديد هذه ألاّ يلتفت إلى ما بين الأدب وصاحبه من صلة، أو ما بين الأدب والمجتمع من علاقة، بل يكتفى بالنظر في بنيته ونسيج عناصره فأغفل زكي نجيب محمود شرطه الأول، وقال إن الأدب خلق جديد مبتكر وليس تعبيراً عن أشياء العالم الخارجي أو عن نفس صاحبه (قشور ولباب، المقدمة و- ز).
ولعل زكي نجيب محمود في رأيه هذا أول ناقد عربي في العصر الحديث يقطع صلة الأدب بصاحبه وبالمجتمع الذي نشأ فيه ويقصر النظر إليه على تحليل عناصر نسيجه، وكثيراً ما شبه الأثر الأدبي بالشجرة، فلا يصح إذا رأينا شجرةً أن نسأل عن معناها بل يكفينا منها أنها موجودة قائمة ودلالتها في ذاتها، وكذلك الأثر الأدبي لا يصح أن نسأل عن معناه خارج بنيته، ويشبه هذا المذهب ما قاله الشاعر الناقد الأمريكي أرشيبالد مكليش: إن القصيدة توجد ولا تعني. غير أن الأثر الأدبي مؤلف من كلمات، والكلمات لا تنفك عن المعنى فلا بد للأثر الأدبي من معنى ودلالة. ومهما يكن من أمر فان زكي نجيب محمود لم يغفل معنى الأثر الأدبي في وقفاته التطبيقية النقدية عند نصوص بأعيانها على نحو ما سوف يرد في ثنايا هذا المقال.
أما كيف يصوغ الأديب أدبه فذلك عند زكي نجيب محمود ((أن يلتقط الصورة من حوادث الواقع ثم يصب فيها ما شاء من مادة)) وبذلك يبلغ الكشف عن جوهر العالم الحقيقي ((لأن جوهر هذا العالم هو الصور التي تنصب فيها الحوادث، فالحوادث ذاتها تجيء وتذهب، والأشخاص أنفسهم يولدون ويموتون، ولكن هناك صوراً خالدة لا تذهب ولا تموت، فالعاشقان في زمن مينا وخوفو يختلفان في شخصيتهما عن العاشقين يسيران اليوم على أرض الجزيرة، لكن الصورة واحدة، وعلى الفنان أن يلتقط هذه الصورة بإبراز مميزاتها كما يراها هو، ثم يصب فيها مادة لم تقع بذاتها، لا بين عاشقي العصر القديم ولا بين عاشقي العصر القائم)). ويبدو أن هذا الموقف النقدي الذي يفصل بين ((الصورة)) و((المادة)) التي ينبغي أن توضع فيها، أقول إن هذا الموقف صدى للفلسفة الوضعية المنطقية التي يعتنقها الناقد. وهي فلسفة لا تُعنى بالمحتوى أو المضمون بقدر ما تُعنى بالقالب أو الشكل الذي جاء فيه المحتوى.
وإذا كان الأدب قالباً أو صورة ثابتة الأركان أفتبقى له رسالة يدعو إليها، وغاية يسعى نحوها ؟ أم إنه معدوم الرسالة غايته أن يوجد وكفى ؟
وكأن زكي نجيب محمود ألقى على نفسه هذا السؤال مرات، فلقد أجاب عنه في أكثر من مقال إجابات بعضها يدل على أن الأدب غاية في نفسه وأن ليس وراءه شيء يدعو إليه، وبعضها يدل على أن الأديب رائد في أهله يصور لهم المثل العليا ويدعوهم إليها، وأخرى أن الأدب لا يعلم حتى يستكمل الشروط الفنية له، ومع ذلك فانه لا يعظ ولا يخطب وإنما يوحي ايحاءً.
وإذا كان القولان الثاني والثالث متآزرين متعاضدين فان القول الأول يبدو متعارضاً معهما، ولعل مما يزيل التعارض أن نفهم أن الناقد أراد بالقول الأول أن يعزز مذهبه في أن قيمة النص الأدبي لا تأتي من قيمة ما ينطوي عليه من أفكار وإنما قيمته في نفسه من حيث أنه نص أدبي مؤتلف الأجزاء متآزر العناصر. هذا ما يأتلف مع مذهب زكي نجيب محمود في الأدب، فالأديب الحق لديه هو من كان ذا رسالة في الحياة والمجتمع لأجل الرقي بهما نحو الأفضل ((الكاتب الحق مواطن ناقد، كما أن الطبيب مواطن طبيب، والمهندس مواطن مهندس... الأدب هو – كما قيل- نقد الحياة بكل جوانبها تمحيصاً ومراجعة وتعديلاً وتقويماً على ألاّ يجيء شيء من ذلك بالطريق الوعظي المباشر)).
ولقد وجه زكي نجيب محمود فكره نحو طبيعة النقد الأدبي ما تكون فرأى أن النقد أدب يقوم على أدب بالتحليل والتعليل، وله مرحلتان الأولى: مرحلة الذوق إذ يتلقى الناقد النص الأدبي فيستجيب له بالاستحسان أو عدمه فان وقف عند هذه المرحلة فما هو بالناقد وإنما هو قارئ، أما إذا انتقل منها إلى المرحلة الثانية إذ يعلل فيها أسباب الاستحسان ويدل على مواطن الجمال في النص، إن كان النص جميلاً، أو يدل على أسباب الرداءة إن كان رديئاً، إن انتقل من مرحلة الذوق إلى مرحلة العقل المحلل المعلل فهو الناقد.
ولعل زكي نجيب محمود هنا يتأثر لاسل آبر كرومبي إذ يقول في ((قواعد النقد الأدبي)): ((إن المقدرة على تذوق الأدب تختلف عن المقدرة على تحليله تحليلاً منطقياً)).
شاع القول بمرحلتي النقد الأدبي هاتين: مرحلة الذوق، ومرحلة التحليل والتعليل حتى عزاهما كاتب إلى الناقد محمد مندور وجعلهما من مآثره في النقد الأدبي وهو يعددها غداة وفاته فساء ذلك زكي نجيب محمود وكتب يعيد القول بمرحلتي النقد الأدبي إليه، وأنه صاحب القول الأول بهما.
لم يقف زكي نجيب محمود بالنقد الأدبي عند الجانب النظري منه، بل إن له وقفاتٍ تطبيقيةً بارعةً تدل على نفاذ بصيرة ورهافة حس وسمو ذوق، وقف عند شعر محمود سامي البارودي وقفةً عميقة أصيلة في النقد الأدبي فرأى أن البارودي يصدر في شعره عن قراءاته في الشعر العربي القديم أكثر مما يصدر عن حياته وعدّه شاعراً يرى الأشياء بعيون أسلافه من الشعراء ويحس بها كما أحسوا بها فهو أحرى أن يسمى مستعيراً مستذكراً من أن يسمى مجدداً مبتكراً.
ووقف عند شعر العقاد وقفة طويلة ورآه شاعراً مفكراً يقوم شعره على أساس من الفكر القوي المحكم، وهو عنده أقرب شيء إلى فن العمارة والنحت، والقصيدة الكبرى من قصائد العقاد أقرب إلى هرم الجيزة أو معبد الكرنك منها إلى الزهرة والعصفور، وقد اختار من شعر العقاد قصيدة ((ترجمة شيطان)) ووقف عندها شارحاً مفسراً مستنبطاً ما قامت عليه من فكر عميق جريء، جاعلاً منها أثراً من آثار الحرب العالمية الأولى شأنها في ذلك شأن قصيدة ((الأرض الخراب)) لأليوت.
غير أن الناقد لم يجب عن سؤال لا بد أنه ألحّ على القارئ هو: هل استطاع العقاد أن يجعل الفكر شعراً ؟ ولعل كثيراً من متذوقي الشعر يرون أن جانب الفكر طغى على جانب الشعر لدى العقاد.
وقد وقف أيضاً عند ((تائية الغزالي)) وعند ((عينية ابن سينا)) وكان مدفوعاً بشرح الأفكار أكثر مما كان معنيّاً بتلمّس الصياغة الشعرية التي ترتقي بالكلام إلى أفق الشعر.
كان زكي نجيب محمود ممن يرجحون كفة الشعر الموزون المقفى ويرون في هذا الشكل (الوزن والقافية) إطاراً صالحاً لترجمة التجارب الأدبية شعراً، ولكنه لم يغفل الشعر الحر بل وقف عند أبرز نماذجه. كتب عن شعر صلاح عبد الصبور – وكان ميله إلى القديم- وحلل قصيدة ((الناس في بلادي)) متخذاً منها نموذجاً للشعر الحديث، لكنه أسرف في تحليلها إلى أصغر عناصرها حتى لم يكد يبقى منها بين يديه شيء، ثم يختتم مقالته قائلاً: إن الشاعر قد أضاع القالب الشعري والمضمون معاً.
ولا ريب في أن تحليل النص ينبغي أن يعقبه تركيب يؤلف بين العناصر لكي يستقيم معنى النص ويتضح، غير أن الناقد وقف عند تحليل هذه القصيدة وأسرف فيه حتى استوت بين يديه أشلاء فلا عجب أن يضيع بعد هذا المضمون والقالب معاً.
غير أنه لما كتب عن ديوان أدونيس ((أغاني مهيار الدمشقي)) استطاع أن يستجيب لشعر الشاعر وأن يُعجب بالرؤيا التي جسدها الديوان، وأن يقف عند الصور الشعرية المبتكرة ويُبين عنها، مثل (يقبل أعزل كالغابة، وكالغيم ولا يرد) (يصنع من قدميه نهاراً ويستعير حذاء الليل) (يحول الغد إلى طريدة ويعدو بائساً وراءها)، وهو إذ ينقد هذا الديوان يصدر عن مبدأ نقدي سليم هو ( أن تحاسب الأثر الفني المنقود بالمصدر نفسه الذي خلق ذلك الأثر على أساسه، ولقد سار الناقد على هذا المبدأ فلم يفرض على شعر الشاعر قوانين من خارجه.
كانت وقفات زكي نجيب محمود النقدية التطبيقية منصبةً في أغلبها على الشعر ورائده فيها أن تمتلك الأشعار فكرةً جديدة، وأن تجيء على شكل محكم قادر على تأديتها.
وخلاصة القول في نقده: إنه فيلسوف أديب زاول النقد الأدبي في ناحية من نواحيه الكثيرة، وكان يمتلك عدة الناقد من ذوق رهيف وثقافة متسعة وقلم مبين قادر على جلاء النصوص الأدبية في دقيق صياغتها، وعميق أفكارها، فكانت مقالته النقدية تقرأ مرتين: مرة من أجل النص الذي كتبت فيه، وأخرى من أجل حسن صياغتها وقوة بنائها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما