الحوار المتمدن - موبايل


ليلة القبض على قريتي في ذكراها الخامسة والثلاثين

ماجد السوره ميري

2010 / 10 / 17
الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة


الزمان: صبيحة يوم 17تشرين الاول عام 1975
المكان : قرية دارا و خليل فتح الله في خانقين
الوقت: حوالي الساعة الثامنة صباحا
الحدث : عدد من سيارات زيل العسكرية و سيارات مدنية و جنود و عساكر يحاصرون القرية من كل جانب و يجبرون الاهالي على ركوب سيارات الزيل مع ما يستطيعون حمله من امتعتهم.

مقدمات لابد منها

* مدينة خانقين من المدن الكوردستانية التي تعرضت للعديد من الكوارث والويلات نتيجة لمواقفها من كل الطغاة عبر التاريخ ودفعت في سبيل ذلك الكثير من التضحيات الغالية والدماء الطاهرة التي عمدت ارضها الخصبة بمواردها البشرية و الطبيعية.
* تحتوي المنطقة على كميات كبيرة من الاحتياطي النفطي و انشأت فيها اول مصفى للنفط عام 1925 وانتجت المشتقات النفطية عام 1927، ومدت فيها سكك للحديد.
* تحيط بخانقين مساحات شاسعة من الاراضي الزراعية الخصبة التي كانت تشكل موردا رئيسا لسلة الغذاء للمناطق القريبة والمحافظات المجاورة، بل حتى بغداد، نتيجة للمهارات العالية التي كان الفلاحون يتمتعون بها في الزراعة و البستنة و وجود غابات النخيل وبساتين الفواكه التي ذاع صيتها.
* يشكل الكورد الغالبية العظمى من سكانها ويتعايش معهم عدد من العوائل التركمانية وبعض العوائل العربية التي وفدت في بدايات القرن العشرين عقب الحرب العالمية الاولى طلبا للكلأ.
* ساهم مثقفوها و سياسيوها في تأسيس العديد من الاحزاب الكوردستانية و الوطنية خصوصا الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورات و الانتفاضات الشعبية كثورة ايلول.
* بعد اتفاقية آذار عام 1970اصبحت الدراسة فيها باللغة الكوردية حتى اندلاع المواجهات المسلحة بين الثورة والنظام البعثي الدكتاتوري حيث الغيت الدراسة الكوردية بشكل مجحف.
* في الفترة بين اندلاع المواجهات المسلحة بين الثوار والنظام عمل الاخير على نقل كل الموظفين والعمال الكورد من ابناء المدينة الى مناطق الوسط والجنوب وبعض محافظات كوردستان كمقدمة للانتقام من مواقفهم.
* بعد انتكاسة الثورة الكوردية كنتيجة لمؤامرة دولية على الكورد ساهم فيها كل من شاه ايران وصدام حسين وهواري بومدين وكان عرابها العجوز الماكر كيسينجرفي 6 آذار عام 1975، قام النظام بحملة منظمة لترحيل كافة القرى الكوردية المحيطة بخانقين ونواحيها (وقد شملت اكثر من 150 قرية) ابتدأت في 13 آذار 1975 اي بعد اسبوع واحد من الانتكاسة وهو ما يدلل على نية مبيتة لأولى عمليات التطهير العرقي ضد الكورد.

عودة الى الحدث
بعد التعنيف والزجر وبعض الاعتداءات بالركل والضرب تم اركاب جميع اهل القرية في تلك السيارات العسكرية مع بعض الامتعة وسير بها نحو المجهول بالنسبة لهؤلاء الفلاحين الابرياء وسط عويل النساء وصرخات الاطفال و وجوم الكبار والحزن على فراق الارض والمسكن وموطن الاباء والاجداد... مرت السيارات وسط مدينة خانقين التي اصطف أهلها على جانبي الطريق وخرجت العوائل عن بكرة ابيها لمشاهدة هذه الكارثة الانسانية وعيونهم تفيض بالدمع و اكفهم توميء بالوداع.. تسير القافلة بسرعة رتيبة عبر التلول القريبة من خانقين نحو الجنوب ومع الابتعاد شيئا فشيئا تختفي معالم خانقين عن العيون الممتلئة بالدمع في وداع سريالي و الخوف مسيطر على القلوب من المصير المجهول الذي ينتظره الجميع ... وما تمر القافلة بنهر او واد سحيق الا وظن هؤلاء بانهم سيلقون فيها اذ لا رد على سؤالهم للجنود :الى أين تمضون بنا؟ غير الامر بالسكوت والانتظار حين الوصول الى المكان المحدد...وتمر القافلة بمدن و قرى و أرياف لم يسبق للكثير منهم ان شاهدها في حياته... و عند الوصول الى المكان المحدد قيل لهم انها مدينة المدائن أو (سلمان باك) ويترجل الجمع عن السيارات و يحمل أمتعته الى داخل الحرم وتتوزع العوائل على الاروقة الموجودة داخل الحرم حيث حضر حشد من الناس وفيهم من قيل أنه قائمقام القضاء والعديد من رجال الامن والشرطة والعساكر، وكان الوقت حينها مساء .. وقام القائمقام بنفسه بجرد العوائل و توزيعها وكانت قرابة خمس واربعين عائلة وبعد الاستجواب والاستنطاق و وصلات من الضحك والاستهزاء من بساطة الناس وأسمائهم الكوردية التي لم يسمع بها من قبل، أمر بنقل العوائل الى الأمكنة المحددة لهم، فتوزعوا فرادى على نواحي و قرى القضاء، أذكر منها ناحية الوحدة ومنطقة 7 نيسان و قرية الخناسة ومعمل طابوق القادسية وغيرها، حيث لم توزع العوائل مجتمعة مع بعضها بل توزعت على مسافات واسعة بعيدة عن بعضها البعض امعانا في تذويبها قوميا، وعندما وصلت العوائل الى ما سميت بالبيوت المخصصة لها حيث كانت عبارة عن مساحة صغيرة من الأرض أنشئت فيها كوخان من الطين المسقف بالأعمدة الخشبية والبواري القصبية وتركت فيها فتحتان كبيرتان إحداها للباب و الأخرى للشباك وأرضيتها غير مستوية ومليئة بالاحجار وبقايا اللبن الطيني الذي بنيت به الجدران، خيل لهم حينما رأوها اول وهلة أنها ذات الامكنة التي كانوا يجمعون فيها التبن ويسمونها (لودة) وهي عبارة عن أربعة جدران بارتفاع أكثر من متر واحد ومن دون فتحات ويجمعون فيه التبن ومن ثم يغمرون سطحه بالطين حتى يجف ويحفظونه لموسم الشتاء كعلف للحيوانات أولاستعمالات أخرى... وشهر تشرين آيل للانصرام وليله يلسع بردا و زخات المطر تنهمر بين الحين والاخر .. فحار هؤلاء ماذا يصنعون وكل ما لديهم من البطانيات القليلة استعملوها كستائر للابواب والشبابيك .. فتخيل وضع أناس غرباء في بيئة لم يتعودوا عليها في منطقة سبخة مالحة ذات رائحة نتنة تلتصق أطيانها بالاقدام والاشياء التصاقا، كأنها قير اسود وهم قادمون من تربة ذات رائحة زكية ملؤها الأعشاب والحشائش الخضراء والأزهار الملونة في أغلب المواسم... أثناء الوصول الى تلك البيوت كان الوقت ليلا وخرج الناس في تلك المناطق لمشاهدة هؤلاء "العصاة المردة والخارجين على القانون الذين رأفت بهم القيادة فبدل قتلهم عن بكرة ابيهم نفتهم الى هذه الاماكن"، واعتدى الكثير منهم بالكلام الخشن على الكورد وقادتهم وطالت ايدي بعضهم بعض المقتنيات كالسجاجيد والملابس وبعض الأمتعة لتسرقها فهي في منطق البعث أنفال حلال زلال تلال...
...هكذا تعامل البعث مع من لا جرم له سوى انه من أرومة لا يستسيغها و قومية لايطيقها؛ فهل من شك ان هذه العمليات هي مقدمات عملية لما تبعها من تسفير وتهجير الكورد الفيليين وقتل البارزانيين والأنفالات والقصف الكيمياوي لحلبجة؟... أو هل من شك أنها جريمة تطهير عرقي حسب اللوائح الدولية؟!... أفتونا مأجورين؟!!!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مظاهرات في عدة دول عربية ضد القصف الإسرئيلي لغزة ودعما للفلس


.. هل ما يحدث بين الفلسطينيين وإسرائيل أولوية للعرب؟ باحث سياسي


.. المبعوث الأميركي يبحث في تل أبيب سبل التوصل للتهدئة




.. مقتل 10 فلسطينيين من عائلة واحدة في غارة على غزة


.. غارات إسرائيلية تستهدف بنوكا تابعة لحركة حماس